الأربعاء، 21 نوفمبر 2007

بناء علاقات اقتصادية متوازنة بين لبنان والصين

صحيفة النهار اللبنانية
الدكتور إيلي يشوعي
( • محاضرة القيت في جامعة سيدة اللويزة في مؤتمر حول "الاستثمارات المتبادلة بين
لبنان وجمهورية الصين الشعبية)
حتى في ايام الماركسية على الطريقة الصينية، كان التصنيع وبناء المصانع الجديدة من اهم اولويات السياسة الاقتصادية في الصين. وكانت محاربة التضخم تتمّ دائما عبر مراقبة الانفاق وضبط عرض السيولة النقدية. بنتيجة تلك الارادة القوية لتصنيع الصين، ارتفع ناتج الفرد بنسبة 17 في المئة في خلال ستينات القرن الماضي، و70 في المئة في خلال السبعينات، و63 في المئة في خلال الثمانينات و175 في المئة في خلال التسعينات. لكن الازدهار الاقتصادي الصيني لا يزال محصورا في المناطق الساحلية وفي المقاطعات الجنوبية من البلاد على رغم الجهد الكبير لتطوير المناطق الداخلية والمقاطعات الشمالية الشرقية.
في ثمانينات القرن الماضي، بدأ الاصلاح الاقتصادي في الصين عبر الانتقال التدريجي من الاقتصاد المركزي الى اقتصاد السوق بغية زيادة الانتاجية وضبط المقاييس ونوعية الانتاج، من دون التسبب في تضخم وبطالة وعجز في الموازنة العامة. كذلك، شمل الاصلاح القطاع الزراعي، اذ انتقل نظام الانتاج من انتاج الجماعة الى انتاج العائلة فحُصر القرار فيها. وشجع الاصلاح على نشوء مؤسسات صغيرة للانتاج في المناطق الريفية والزراعية وسهّل التواصل بين الانتاج الصيني والشركات الخارجية للتسويق. وقد شددت الحركة الاصلاحية ايضا على تطوير القوى البشرية المنتجة وعلى النواحي المادية والثقافية لتلك القوى.
اعتبرت الحركة الاصلاحية الاشتراكية افضل وسيلة ليس لمحاربة الفقر فحسب، بل لمحوه. وقد اوصلت تلك الاصلاحات القطاعين الزراعي والصناعي الى ان ينموَا سنويا بنسبة 10 في المئة في الثمانينات، وتضاعف دخل المزارع، وارتفعت ارباح الشركات الصناعية وخصوصا في المناطق الساحلية قرب هونغ كونغ، وحققت الصين اكتفاء ذاتيا في انتاج الحبوب. ومثلت الصناعات الريفية نسبة 23 في المئة من مجموع الانتاج الزراعي، وساعدت في امتصاص فائض اليد العاملة في المناطق الريفية.
وجرت اصلاحات في الميادين الضريبية والمالية والمصرفية وفي مجالات العمل والتسعير. لكن ذلك المزيج من الاشتراكية والرأسمالية في النظام الاقتصادي الواحد ولّد مشكلات فساد وعدم احترام للملكية الفردية، وارباحا عالية وتفاوتا اجتماعيا كبيرا بين طبقتي الاغنياء والفقراء. في مطلع التسعينات ادخلت الصين الى اقتصادها المناطق الاقتصادية الخاصة Special Economic Zones، التي سهلت دخول الاستثمارات الخارجية ومتنت اقتصاد السوق ومراقبة العمليات المصرفية مع الابقاء على شركات القطاع العام التي ظلت تسيطر على الصناعات الاساسية مما دفع بعضهم الى وصف النظام الاقتصادي الصيني بـ"الاقتصاد الاشتراكي للسوق" Socialist Market Economy.
وتراجع الاقتصاد الصيني في اواخرالتسعينات بسبب الازمة المالية الآسيوية نهاية التسعينات، حين سجل نموا بنسبة 7,8 في المئة عام 1998 و7,1 في المئة عام 1999، وعاد النمو الى الارتفاع في سنوات الالفين اذ بلغ نسبة 10 في المئة عامي 2005 و2006، ومع نهاية 2007 ستصبح الصين ثاني اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة مع ناتج متوقع بنحو 3 آلاف مليار دولار. ويتوقع كذلك ان تصبح الصين اقوى قوة اقتصادية في العالم متغلبة على الولايات المتحدة مع حلول سنة 2040.
ان سبب النمو المطرد للاقتصاد الصيني هو الحجم الهائل للاستثمارات المحلية والاجنبية والخفوض الضريبية التي افادت منها قطاعات صناعية وخدماتية عدة. في الـ2007 بدأت مستويات الاجور ترتفع في الصين، اذ بات العامل في قطاع الصناعة يتقاضى اجرا بمقدار 200 دولار في الشهر. وقد تمت تغطية زيادة مستويات الاجور بارتفاع مستويات الانتاجية اي ربحية الشركات مما جعل الزيادة غير مسببة للتضخم. ومعلوم ان الصين هي الاولى عالميا في المزارع اذ تعمل نصف القوى العاملة الصينية في الزراعة وعلى مساحات صغيرة - 16 في المئة فقط من الاراضي الصينية تصلح للزراعة- وهي تغذي 20 في المئة من سكان العالم. كذلك، هي ثالث قوة صناعية في العالم دخلت ميادين الصناعات الحديثة: السيارات، والالكترونيات، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والسلاح، والبتروكيمائيات وسواها، وفيها اكثر من 10 ملايين مصنع.
وقد باتت نقاباتها العمالية تفاوض على الاجور وملحقاتها وشروط العمل والتغطية الاجتماعية مثلما تفاوض النقابات العمالية في الدول الصناعية اصحاب العمل والحكومات.
من المتوقع ان تبلغ صادرات الصين في الـ2007 الف مليار دولار واستيراد الصين 800 مليار دولار. ويفترض فائض الميزان التجاري الصيني تقوية سعر صرف اليوان وهو موضوع خلاف دائم مع الولايات المتحدة.
ويستورد لبنان 800 مليون دولار من الصين سنويا، ومن المرجح ان تصل قيمة استيراده الى اكثر من مليار دولار سنويا. لقد انفتح العالم على الصين وانفتحت الصين ايضا على العالم، فوقّعت على اتفاقات دولية عدة وخفضت تعرفاتها الجمركية الى متوسط 12 في المئة وازالت حواجز كثيرة من امام اقتصاد السوق والمنافسة وحررت تجارتها الخارجية. في عام 2001، انضمت الى منظمة التجارة العالمية WTO وحسنت خدماتها العامة: اذ يحتاج المقيم في الصين الى 18 يوما فقط للحصول على هاتف او ساعة كهرباء. وللصين سوقان ماليتان في شانغهاي وشنزن مع قيمة سوقية تفوق الألف مليار دولار، وتحتل المرتبة الثالثة بين الدول الآسيوية بعد اليابان وهونغ كونغ. وتفيد الاستثمارات الخارجية من ضمان ضد التأميم وخفض ضريبي وفتح باب تملك الاسهم للاجانب، لكن لتلك الاسهم حقوقا في الارباح لا في اتخاذ القرار مما دفع شركة WARNER BROS التي تعمل في مجال الانتاج السينمائي الى الانسحاب من الصين. لقد صارت الاستثمارات الخارجية تتسبب في حصة كبيرة في الصادرات الصينية، وباحتياط خارجي صيني يصل الى الف و200 مليار دولار.
في الصين، اكتفاء في مجال انتاج الكهرباء واستهلاكها ومخزون من النفط يقدر بـ18,5 مليار برميل ومخزون من الغاز يقدر بالفين و530 مليار متر مكعب. يبلغ انتاج الصين اليومي من النفط 3,5 ملايين برميل واستيرادها اليومي من النفط 3,5 ملايين برميل. اما انتاج الغاز الطبيعي فيقدّر بـ40 مليار متر مكعب سنويا يؤمن اكتفاء على صعيد الانتاج والاستهلاك.
في الصين تلوث كبير، بدليل ان 7 من اصل 10 مدن الاكثر تلوثا في العالم موجودة هناك، بينما تعتبر ثلثا مدن الصين ملوثة. وتسجل حالات وفيات كثيرة ناجمة عن ضيق في التنفس بسبب التلوث الصناعي واستخدام الفحم الحجري في انتاج الكهرباء، فالانهر ملوثة نسبيا بينما لا يفيد نصف السكان من مياه نظيفة على رغم الجهود الرسمية للحد من التلوث، وعلى رغم انفاق 1 في المئة من الناتج المحلي على حماية البيئة. وقد سعت بكين بكل امكاناتها للحد من التلوث في المدينة لتستطيع استضافة الالعاب الاولمبية في 2008.
في ضوء كل ما سبق، كيف يمكن للبنان ان يتفاعل اقتصاديا مع الصين على رغم عدم رضى الشركات الصينية التي تنفذ مشاريع عامة في لبنان؟
- يستطيع لبنان الافادة من الصين في مجال تطوير اليد العاملة اللبنانية والمهارات البشرية اللبنانية مع التوصل الى تحديد ثقافة جديدة للعمل وللانتاج في لبنان.
- يمكن ان يسعى لبنان لاشراك الصينيين في المصانع اللبنانية للافادة من انتاجيتهم العالية وخبراتهم الصناعية، وذلك عبر تمليكهم حصصا في الشركات اللبنانية.
- يمكن السعي ايضا للدخول في شراكة رأسمالية وبشرية مع الصين لانتاج سلع زراعية وصناعية وخدمات جديدة في لبنان تسوق داخليا وفي المنطقة العربية.
- يمكن توقيع اتفاق تجاري مع الصين يقضي بتبادل سلع مصنعة في لبنان في مقابل سلع زراعية منتجة في الصين.
- كذلك يمكن القيام باستثمارات لبنانية في المناطق الاقتصادية الخاصة في الصين، التي تفيد من كثير من التسهيلات الادارية والضريبية Special Economic Zone.

ليست هناك تعليقات: