ماذا يفعل «طلاّب» ورجال أعمال صينيون في ألمانيا؟
صحيفة السفير اللبنانية
ناجي طاهر
«أنت أمام بلد غريب، إنهم يقلّدون لك أيّ شيء تطلبه، يكفي أن تعرض لهم نسخة عن الأصل أو حتى صورة له».
عادت إليّ الكلمات التي قالها مرةً صديق يقوم بزيارات عمل متواصلة إلى الصين. يبدو أنها لم تمر في ذهني كمرور عشرات بل مئات الجمل التي نستهلكها يومياً. ويبدو أيضاً أن حضارة النسخ أو التقليد باتت تبلي بلاءً حسناً في حسابات الأمم والاقتصاد والنمو والنقصان. حتى أن الدول الصناعية الغربية الكبرى التي كانت لعقود طويلة تعتبر نفسها بمنأى عن الخطر والمنافسة، باتت تدق ناقوس الخطر من تنامي التنين الصيني المطرد.
آليات النسخ والتقليد الصينية تَستند على ما يبدو على مقوّمات ثقافية مترسخة في التقاليد الصينية الكونفوشيسية، حيث أن النسخ يُولى أهمية تجعله في مصاف الفن الأصيل. يبدو أن هذه الآليات باتت عاجزة عن مواكبة تعقيد الصناعات الحديثة، فباتت بحاجة إلى الحصول على نسخة عن برامج التصنيع والأشكال والتصاميم الأصلية، فراحت تتوسل أساليب أخرى أقل أخلاقية، ولكن أجدى نفعاً وأكثر فاعلية: التجسس وقرصنة التصاميم والنسخ البرمجية لكثير من المنتوجات والسلع. ويبدو أن سهام هذه العمليات تستهدف الألمان أكثر من غيرهم. يُذكر في هذا السياق أن تقارير اقتصادية قد أشارت إلى أن الصين سوف تصبح القوة الاقتصادية الثالثة في العالم، بدلاً من ألمانيا.
في المقابل، بدأ كيل الألمان يطفح من عمليات النسخ الصينية، فهي تكبد الاقتصاد الألماني خسائر مادية ومعنوية فادحة. فدرجت منذ فترة صحف ألمانية كثيرة على تسليط الضوء على كثير من حالات التجسس الصناعي وسرقة التصاميم وتقليدها في الصين.
منذ فترة قريبة، خصصت مجلة «دير شبيغل» في عددها الصادر في 27 آب ,2007 ملفاً لنقاش الجاسوسية الصفراء: كيف تتجسس الصين على التكنولوجيا الألمانية. نشرت مقابلات مع أصحاب شركات ألمانية تعرضوا من قبل زبائن (عملاء) صينيين لسرقة تصاميم منتجاتهم، كالباصات ومحركات السيارات وما شابه. وعرضت صوراً لسيارة «سمارت» الألمانية الصغيرة الحجم، ولنسختها الصينية المقابلة لها، وهي تكاد لا تتميز عن الأصلية بشيء يُذكر سوى الاسم الصيني. وتوالت الأمثلة لتطال القطار ذا السكة المغناطيسية، والجرافات، وآلات الحفر، ...
إنها حرب باردة بكل ما للكلمة من معنى، ولعل مسرحها الأكثر إثارة وتأثيراً هو المجال المعلوماتي، أي تلك الهجمات الرقمية وعمليات القرصنة الكمبيوترية، وهجمات الفيروسات. ففي أقل من شهرين، تعرّضت مؤسسات ومصالح رسمية ألمانية لهجمات تجسس عبر الإنترنت، ولم تتوانَ ألمانيا عن توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى «المصالح الصينية»، و«مجموعات مرتبطة بالجيش الصيني». جاء ذلك على لسان هانز المار ريمبيرغ، رئيس المكتب الألماني لحماية الدستور، وتعد هذه المؤسسة بمثابة المخابرات المحلية. وقد علّل المسؤول الألماني هذه العمليات بأن الصين تسعى من خلال جمع المعلومات والأسرار الصناعية والعسكرية إلى سد الفجوات التكنولوجية بأقصى سرعة ممكنة، وذلك من أجل تحقيق هدفها في التحوّل إلى قوة صناعية كبرى في العالم (دير شبيغل، 22ـ10ـ2007).
ليست ألمانيا الدولة الغربية الوحيدة التي تتعرض للهجمات التجسسية الصينية، وإنما سبق للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا أن تعرضت لعمليات مشابهة، حيث طالت الهجمات الرقمية مواقع استراتجية حسّاسة كأجهزة كومبيوتر البنتاغون، ومؤسسات صناعية ورسمية فرنسية وبريطانية. ورجّح خبراء في المعلوماتية وأنظمة الحــواسيب آنــذاك أن تكــون الصــين مصــدر هذه الهجمات.
لم يعد الصراع بين الصين من جهة وألمانيا والدول الغربية الأخرى من جهة متوارياً، وهو آخذ في التنامي ويأخذ أبعاده في المسارات السياسية والاقتصادية والبيئية، ومن خلال التنافس الحامي على قارات التسويق وأسواقه. وما زيارة المستشارة أنجيلا ميركل إلى أفريقيا مؤخراً إلاّ لتوطيد العلاقات التجارية مع القارة السوداء ولمواجهة التمدد الصيني.
وذكر متابعون ألمان أن عمليات التجسس الصناعية الصينية لا تقتصر على عمليات الإنترنت، والتقنيات والوسائل التقليدية التي تعتمدها دول أخرى كروسيا، وإنما تتعدى ذلك إلى اعتماد الصين على خبراء في مجال الكمبيوتر وعلى الطلبة ورجال الأعمال الصينيين الذين يأتون إلى ألمانيا بهدف الدراسة أو العمل. فلوحظ ارتفاع عدد هؤلاء المقيمين في ألمانيا: 27 ألف طالب، مقابل ستة آلاف طالب عام .2000
في محاولة للتخفيف من وطأة الحملة الألمانية على كل ما هو أصفر، ذكرت «دير شبيغل»: «بالطبع، ليس كل طالب أو صاحب مطعم أو رجل أعمال صيني جاسوساً أو جامع معلومات صناعية، وعلى الأرجح أن هؤلاء يشكّلون قلّة من الجالية الصينية المقيمة في ألمانيا».
في إحدى المداهمات التي نفّذتها الشرطة الألمانية ضد مشتبه بهم في هذا السياق، تم العثور في شقــة أحــد الصينيين على 170 «ديسكت»، تحتوي على معلومات صناعية. وقد رأى محللون أن هذه العمليات تؤشر إلى ضعف أجهزة الحماية والأمن في الشركات الصناعية، حيث أن عمليات نسخ برامجها الإلكترونية تكون سهلة في كثير من الأحيان.
إلى ذلك، انتقد مراقبون ألمان الخفّة التي تتعامل بها السلطات الصينية، وخاصة دائرة الجمارك، حيال هذا الموضوع، إذ لا يتم التدقيق ولا التشديد على ملاحقة القراصنة الصينيين الذين يجلبون غنيمتهم من ألمانيا وأوروبا لنسخها في بلادهم، بل إنها تكتفي من حين إلى آخر بإجراء عملية تفتيش محدودة.
ناجي طاهر
«أنت أمام بلد غريب، إنهم يقلّدون لك أيّ شيء تطلبه، يكفي أن تعرض لهم نسخة عن الأصل أو حتى صورة له».
عادت إليّ الكلمات التي قالها مرةً صديق يقوم بزيارات عمل متواصلة إلى الصين. يبدو أنها لم تمر في ذهني كمرور عشرات بل مئات الجمل التي نستهلكها يومياً. ويبدو أيضاً أن حضارة النسخ أو التقليد باتت تبلي بلاءً حسناً في حسابات الأمم والاقتصاد والنمو والنقصان. حتى أن الدول الصناعية الغربية الكبرى التي كانت لعقود طويلة تعتبر نفسها بمنأى عن الخطر والمنافسة، باتت تدق ناقوس الخطر من تنامي التنين الصيني المطرد.
آليات النسخ والتقليد الصينية تَستند على ما يبدو على مقوّمات ثقافية مترسخة في التقاليد الصينية الكونفوشيسية، حيث أن النسخ يُولى أهمية تجعله في مصاف الفن الأصيل. يبدو أن هذه الآليات باتت عاجزة عن مواكبة تعقيد الصناعات الحديثة، فباتت بحاجة إلى الحصول على نسخة عن برامج التصنيع والأشكال والتصاميم الأصلية، فراحت تتوسل أساليب أخرى أقل أخلاقية، ولكن أجدى نفعاً وأكثر فاعلية: التجسس وقرصنة التصاميم والنسخ البرمجية لكثير من المنتوجات والسلع. ويبدو أن سهام هذه العمليات تستهدف الألمان أكثر من غيرهم. يُذكر في هذا السياق أن تقارير اقتصادية قد أشارت إلى أن الصين سوف تصبح القوة الاقتصادية الثالثة في العالم، بدلاً من ألمانيا.
في المقابل، بدأ كيل الألمان يطفح من عمليات النسخ الصينية، فهي تكبد الاقتصاد الألماني خسائر مادية ومعنوية فادحة. فدرجت منذ فترة صحف ألمانية كثيرة على تسليط الضوء على كثير من حالات التجسس الصناعي وسرقة التصاميم وتقليدها في الصين.
منذ فترة قريبة، خصصت مجلة «دير شبيغل» في عددها الصادر في 27 آب ,2007 ملفاً لنقاش الجاسوسية الصفراء: كيف تتجسس الصين على التكنولوجيا الألمانية. نشرت مقابلات مع أصحاب شركات ألمانية تعرضوا من قبل زبائن (عملاء) صينيين لسرقة تصاميم منتجاتهم، كالباصات ومحركات السيارات وما شابه. وعرضت صوراً لسيارة «سمارت» الألمانية الصغيرة الحجم، ولنسختها الصينية المقابلة لها، وهي تكاد لا تتميز عن الأصلية بشيء يُذكر سوى الاسم الصيني. وتوالت الأمثلة لتطال القطار ذا السكة المغناطيسية، والجرافات، وآلات الحفر، ...
إنها حرب باردة بكل ما للكلمة من معنى، ولعل مسرحها الأكثر إثارة وتأثيراً هو المجال المعلوماتي، أي تلك الهجمات الرقمية وعمليات القرصنة الكمبيوترية، وهجمات الفيروسات. ففي أقل من شهرين، تعرّضت مؤسسات ومصالح رسمية ألمانية لهجمات تجسس عبر الإنترنت، ولم تتوانَ ألمانيا عن توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى «المصالح الصينية»، و«مجموعات مرتبطة بالجيش الصيني». جاء ذلك على لسان هانز المار ريمبيرغ، رئيس المكتب الألماني لحماية الدستور، وتعد هذه المؤسسة بمثابة المخابرات المحلية. وقد علّل المسؤول الألماني هذه العمليات بأن الصين تسعى من خلال جمع المعلومات والأسرار الصناعية والعسكرية إلى سد الفجوات التكنولوجية بأقصى سرعة ممكنة، وذلك من أجل تحقيق هدفها في التحوّل إلى قوة صناعية كبرى في العالم (دير شبيغل، 22ـ10ـ2007).
ليست ألمانيا الدولة الغربية الوحيدة التي تتعرض للهجمات التجسسية الصينية، وإنما سبق للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا أن تعرضت لعمليات مشابهة، حيث طالت الهجمات الرقمية مواقع استراتجية حسّاسة كأجهزة كومبيوتر البنتاغون، ومؤسسات صناعية ورسمية فرنسية وبريطانية. ورجّح خبراء في المعلوماتية وأنظمة الحــواسيب آنــذاك أن تكــون الصــين مصــدر هذه الهجمات.
لم يعد الصراع بين الصين من جهة وألمانيا والدول الغربية الأخرى من جهة متوارياً، وهو آخذ في التنامي ويأخذ أبعاده في المسارات السياسية والاقتصادية والبيئية، ومن خلال التنافس الحامي على قارات التسويق وأسواقه. وما زيارة المستشارة أنجيلا ميركل إلى أفريقيا مؤخراً إلاّ لتوطيد العلاقات التجارية مع القارة السوداء ولمواجهة التمدد الصيني.
وذكر متابعون ألمان أن عمليات التجسس الصناعية الصينية لا تقتصر على عمليات الإنترنت، والتقنيات والوسائل التقليدية التي تعتمدها دول أخرى كروسيا، وإنما تتعدى ذلك إلى اعتماد الصين على خبراء في مجال الكمبيوتر وعلى الطلبة ورجال الأعمال الصينيين الذين يأتون إلى ألمانيا بهدف الدراسة أو العمل. فلوحظ ارتفاع عدد هؤلاء المقيمين في ألمانيا: 27 ألف طالب، مقابل ستة آلاف طالب عام .2000
في محاولة للتخفيف من وطأة الحملة الألمانية على كل ما هو أصفر، ذكرت «دير شبيغل»: «بالطبع، ليس كل طالب أو صاحب مطعم أو رجل أعمال صيني جاسوساً أو جامع معلومات صناعية، وعلى الأرجح أن هؤلاء يشكّلون قلّة من الجالية الصينية المقيمة في ألمانيا».
في إحدى المداهمات التي نفّذتها الشرطة الألمانية ضد مشتبه بهم في هذا السياق، تم العثور في شقــة أحــد الصينيين على 170 «ديسكت»، تحتوي على معلومات صناعية. وقد رأى محللون أن هذه العمليات تؤشر إلى ضعف أجهزة الحماية والأمن في الشركات الصناعية، حيث أن عمليات نسخ برامجها الإلكترونية تكون سهلة في كثير من الأحيان.
إلى ذلك، انتقد مراقبون ألمان الخفّة التي تتعامل بها السلطات الصينية، وخاصة دائرة الجمارك، حيال هذا الموضوع، إذ لا يتم التدقيق ولا التشديد على ملاحقة القراصنة الصينيين الذين يجلبون غنيمتهم من ألمانيا وأوروبا لنسخها في بلادهم، بل إنها تكتفي من حين إلى آخر بإجراء عملية تفتيش محدودة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق