السبت، 10 نوفمبر 2007

جون دفتريوس: طريق الحرير.. شريان تجارة ثلث البشر

موقع سي أن أن
الزميل جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج "أسواق الشرق الأوسط CNN" الجديد يقوم بتسجيل انطباعاته ومشاهداته اسبوعيا، ويطرح من خلالها، وبلغة مبسطة، رؤيته لاقتصاد المنطقة، انطلاقاً من خبرته الطويلة في عالم الصحافة الاقتصادية.
وهذا الأسبوع يكتب جون زاويته من بكين فيقول:

لم أشعر بالكثير من التغيير خلال رحلتي جواً من العاصمة الماليزية، كوالالامبور، إلى بكين، قلب التنين الصيني، فقد غادرت اقتصاداً منتعشاً وقوياً مع نسبة نمو سنوية تبلغ 5.5 في المائة، لأصل إلى اقتصاد آخر يعيش طفرة غير مسبوقة، مع معدل نمو فاق 11.5 في المائة.
وبمجرد أن اجتزت باب المطار، تمكنت بسهولة من لمس الطاقة الكبيرة التي ترافق هذا التوسع، ففي الأفق لاحت العلامات التجارية للعديد من الشركات الغربية، فهنا سيتي بنك وستار بكس، وهناك يمتد إعلان لشبكة الهاتف الجوال الصينية، يظهر فيها لاعب كرة السلة الصيني الشهير، ياو مينغ، الذي يلعب في الولايات المتحدة.
أما أكثر ما لفت انتباهي، فكان شركة البريد الصينية، CNPL، التي تتولى إدارة شبكة واسعة من الخدمات تبدأ بطوابع البريد العادية، ولا تنتهي عند شحنات الحاويات العملاقة المتجهة من وإلى هذه السوق الهائلة، التي تمتلك أكثر من مليار مستهلك.
بالنسبة إلي، فإن CNPL، هي إحدى اللاعبين الأساسيين على المسرح الذي أرغب بأن أطلق عليه اسم "طريق الحرير الجديد."
ربما يرتبط اسم "طريق الحرير" بالكثير من الذكريات والرحلات التجارية التاريخية بين الشرق الأوسط والصين، ولكن العام 2007 يشهد ولادة حقبة جديدة من التجارة والاستثمار المتبادل بين الدول التي تتشارك هذه الطريق، فهناك الخليج وجنوب شرقي آسيا من جهة، والصين وآسيا الوسطى من جهة أخرى.
وبالرغم من الاختلافات الدينية واللغوية التي قد تفصل بين جميع تلك الدول والمجتمعات، إلا أنها تتشارك في ميزة أساسية واحدة، وهي توطّن حب التجارة في جيناتها الوراثية.
ولقد كان هذا الأمر جلياً للعيان هذا الأسبوع، خلال منتدى مدراء الشركات الذي حضرته في بكين، إذ شهدت جلسته مشاركة أكثر من 600 مدير تنفيذي من حول العالم، كان قرابة 15 في المائة منهم من منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، شهدتُ حضور عدد من أبرز وجوه القطاعات الاقتصادية في المنطقة العربية، كالأمير تركي الفيصل من المملكة العربية السعودية، وديفيد جاكسون من "استثمار" والشيخ محمد آل خليفة، من مجلس التنمية الاقتصادية البحريني وروبرت جونسون من "دبي لصناعات الطيران" و يوسف علي رضا من إكسينال للصناعة.
وقدم الأمير تركي مداخلة غنية عن تاريخ طريق الحرير التي شكلت في الماضي همزة وصل حيوية بين بغداد والصين حتى الحرب العالمية الثانية، وقد دخلت الطريق بعد ذلك في حالة سبات عميقة، قبل أن تبعث للحياة من جديداً مؤخراً.
فقد تضاعفت معدلات التجارة بين الصين والشرق الأوسط عشر مرات خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وتبلغ الآن أكثر من 50 مليار دولار، أما الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فهي نشطة وبأكثر من اتجاه.
فمن جهة، أطلقت العديد من المصارف البحرينية عمليات مالية لها في الصين، فيما تخطط المملكة العربية السعودية لبناء مصاف للنفط، بينما تنتشر المصانع الصينية في العديد من الدول العربية، وقد زار برنامج "CNN من بكين" واحداً منها في الأردن مخصص لمنتجات "هاير" الكهربائية.
لكن من وجهة نظري، فإن طريق الحرير خلال القرن المقبل سيمتد ليشمل عدداً أكبر من الدول، فأنا أراه وقد انطلق من شمالي أفريقيا مروراً بدول الخليج وآسيا الوسطى وصولاً إلى الصين وجنوبي شرق آسيا.
وربما كان الإعلان عن مشاركة تحالف من الشركات الخليجية في إنشاء منطقة اقتصادية ماليزية خاصة المثال الأصدق على ما سبق ذكره، دون أن ننسى ما يحدث في وسط آسيا، حيث زار الرئيس الصيني إلى تركمانستان في خطوة جديدة علي طريق "دبلوماسية الطاقة."
يبقى أن أشير إلى أن الثقل الأساسي لهذه الطريق سينبع من واقع أنها تربط أكثر من ثلث سكان الكرة الأرضية، مع إمكانيات تطويرية هائلة، ذلك إلى جانب ما تقوم به الهند والصين على صعيد تنمية الدول الآسيوية التي كانت في السابق جزءا من الاتحاد السوفيتي، فالرئيس الصيني زار أيضاً أوزبكستان وكازاخستان حيث تم التباحث في بناء خط لأنابيب النفط.
وكملاحظة نهائية حول هذه الرحلة، لا بد أن أشير إلى زخم الشباب الواعد في المنطقة، فبعدما شاهدوا المجهود الهائل الذي بذله الجيل السابق في صراعه للبحث عن فرص، قرروا شحذ هممهم للتعلم وللسفر إلى الغرب، على أمل الاستفادة من المعلم الذي عاد ليكتسب مكانه مجدداً على خارطة العالم.. طريق الحرير.

ليست هناك تعليقات: