الأربعاء، 28 نوفمبر 2007

تحليل إخباري: ساركوزي على خطى شيراك في الصين

صحيفة الخليج الإماراتية
باريس - بشير البكر
يتساءل المراقبون في باريس عما إذا كان الرئيس نيكولا ساركوزي قد وَقَّت زيارته الى بكين، لتأتي بعد سنة من دون زيادة أو نقصان من زيارة سلفه جاك شيراك، أم الأمر محض مصادفة ؟ وفي الحالين بقي ظل الرئيس السابق مهيمنا على رحلة الرئيس الحالي، في المرة الماضية أراد شيراك ان يعطي للزيارة التي دامت اربعة ايام رونقها الخاص، فكان عليه وهو المولع بالفن والحضارة الصينية القديمة، ان يختتمها بزيارة إلى موقع “شيان” الأثري الواقع في شمال الصين، والذي يعد اكبر المواقع الأثرية في العالم. وسبق له ان قصده سنة 1978 قبل عام من افتتاحه رسميا، حيث كان المسؤول الاجنبي الوحيد الذي وطأت قدماه ارض المكان. وهدف زيارته الأخيرة هو الوقوف على الصورة شبه النهائية لمتحف التاريخ الاثري لتماثيل “ليو كي” الامبراطور الصيني الرابع من سلالة “هان”، الذي حكم الصين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ويضم الموقع تماثيل لثمانية آلاف جندي بكامل عدتهم التسليحية، كانوا يشكلون جيش الامبراطور.وبذل الصينيون جهودا جبارة لإظهار عراقة وقوة تلك الامبراطورية وتطورها الفني، حيث قام النحاتون بصنع تمثال لكل عسكري لايشبه الآخر في تفاصيله.ويشكل ذلك شهادة على العمق الثقافي والتاريخي للصين.
لقد اختار ساركوزي ان تكون زيارة هذا الموقع، الأولى في برنامجه، وكأنه يريد أن يبدأ من حيث انتهى شيراك الذي يعد المؤسس الفعلي للتعاون الفرنسي الصيني، ومنذ الرسائل المتبادلة بين الزعيمين شارل ديغول وماو تسي تونج، لم يبدر عن رئيس فرنسي قدر من الاهتمام بالصين، كالذي أبداه شيراك. كانت آخر الرسائل بين الزعيمين التاريخيين في نهاية أيام ديغول في الحكم، قبل أن تطيح به ثورة الطلاب. حينها كان ساعي البريد بينهما وزير ثقافة ديغول الكاتب اندريه مالرو، الذي سافر لآخر مرة الى هناك على متن المركب “كمبوديا”، ليكتب كتابه “المذكرات المضادة”. وقد التقى ماو وسلمه رسالة من ديغول تركت عميق الأثر في نفس قائد الصين، ولم يدر في خلد أحد ان هذه الالتفاتة الرمزية سوف تفتح عيون الصينيين تجاه فرنسا، وعيون بعض الفرنسيين باتجاه الصين، ومنهم على نحو خاص شيراك الذي أثرت فيه من دون شك نظرة معلمه ديغول الى هذا البلد.
كان شيراك بطبعه وثقافته مُنْشدَّاً للشرق البعيد، وخصوصا الصين واليابان، ومنذ بداية رئاسته اظهر اهتماما خاصا بتطوير الروابط مع الصين، حتى بلغت بفضله علاقات فرنسا معها من الحميمية درجة تفوق اي علاقة لها مع أقرب بلد إليها في الاتحاد الاوروبي. وقد عبّر هذا النوع من الالتزام عن نفسه ب “الشراكة الاستراتيجية” التي تم وضع اساسها سنة 1997. لقد ادرك شيراك مبكرا الاهمية التي رآها ديغول لامبراطورية المليار نسمة منذ اربعة عقود، وسار على نفس الطريق. وأدرك المحيطون به من قارئي طالع المستقبل الكبار، رجالات الاقتصاد والسياسة، ان الصين مرشحة لأن تغدو ما بين 2030 و2050 القوة الكونية الأولى، وسوف يصبح المعيار صينياً، وليس أمريكياً.
جاءت زيارة ساركوزي للصين في اطار التطور المتنامي بسرعة شديدة للعلاقات بين البلدين، وترجمت تقاربهما، واتجاههما لإبراز الوجه المشرق ل “الشراكة الاستراتيجية”، فقد اسفرت عن توقيع جملة من العقود التجارية الضخمة لشراء طائرات وبناء مفاعلات نووية، وذلك في ظل مساعي فرنسا الحثيثة لزيادة حصتها من السوق الصينية من 1،4 إلى 2%، والقدرة على “المنافسة”، في الوقت الذي بلغ فيه عدد الشركات الفرنسية التي تعمل في الصين الألف شركة. وتضاف العقود الجديدة الى التي تم توقيعها السنة الماضية، ومنها شراء الصين 150 طائرة “ايرباص” جديدة، وبناء مركز لتجميع الطائرة هناك، وإقامة مصنع فرنسي لتجميع السيارات، الذي سيسمح برفع مبيعات السيارات الفرنسية الى نحو نصف مليون سيارة في العام.
رغم طغيان الجانب التجاري على الزيارة هناك جملة من الملفات السياسية التي تنتظر دراسة معمقة بين البلدين خصوصا الملف النووي الايراني، والوضع في دارفور. ويسعى ساركوزي إلى اقناع القادة الصينيين بالسير في منطق تشديد العقوبات ضد ايران، من خلال قرار جديد عن طريق الامم المتحدة في الشهر المقبل، لكن المؤشرات لا توحي بإمكانية قبول الصين لهذا التوجه، وبالنسبة للولايات المتحدة واوروبا فإن العقبة الاساسية في طريق جر الصين الى موقف مضاد لإيران، تكمن في التبادل التجاري بين البلدين، ومن المعروف ان معدل التبادل التجاري بين الصين وايران، يفوق حجم التبادل بين ايران وأوروبا مجتمعة. وعلى صعيد قضية دارفور يبدو كذلك من الصعب زحزحة الموقف الصيني، ولم تعر بكين في السابق اي انتباه للانتقادات الغربية للحكم في السودان، وأصمت آذانها لذلك وقررت التعامل بانفتاح مع الخرطوم، وغلّبت حاجة اقتصادها الماسة للطاقة على لائحة الاتهامات الغربية للسودان بخرق حقوق الانسان، ورفضت التجاوب مع قرار مجلس الامن بنشر قوات دولية في دارفور. وقد اكد المسؤولون الصينيون ان “السودان لايمكنه ان يتسامح في شأن قضية استقلال دارفور، ولكن الصين تسعى جاهدة لاقناع الخرطوم باتباع سياسة براغماتية، لأنه ليس لأحد مصلحة في اسقاط الحكومة السودانية”. ويلخص المسؤولون الغربيون المسألة بالمصالح النفطية، يشار الى ان الصين تغطي حوالي نسبة 7% من احتياجاتها للنفط من السودان، وتمتلك شركة النفط الوطنية الصينية نسبة 40% من اسهم شركة النيل الكبرى للنفط، واستثمرت اكثر من ثلاثة مليارات دولار في بناء المنشآت التي يحرسها الصينيون انفسهم.
في جميع الأحوال لا يمتلك ساركوزي أية ورقة ضغط فعلية على الرئيس الصيني، باستثناء التأثير الاعلامي على دورة الالعاب الاولمبية التي تستضيفها الصين في ،2008 وبالتالي لا يستطيع الرئيس الصيني هو جنتاو ادارة الظهر كليا للضغط الغربي المسلط على الخرطوم، مخافة ان ينعكس ذلك سلبا على بلاده التي يشار اليها في الاعلام الغربي، بأنها تستغل الظروف السياسية المحيطة بالسودان لتحسين موقعها هناك، ولهذا حاول ان يظهر لساركوزي بأنه يسعى لممارسة ضغط على الحكومة السودانية، بهدف اقناعها باستقبال القوات الدولية المختلطة (افريقية وغير افريقية)، طالما انها تحت رعاية مشتركة للامم المتحدة والاتحاد الإفريقي.

ليست هناك تعليقات: