صحيفة المستقبل اللبنانيةد. مسعود ضاهر
على غرار موقف الغرب من النهضة اليابانية المستمرة منذ القرن التاسع عشر، يكرر غالبية المثقفين الأوروبيين والأميركيين اليوم مواقف مشابهة تجاه حركة التحديث في الصين ولا يرون فيها سوى تقليد لمقولات الغرب، وبالإستناد إلى رساميله، ومقولاته النظرية، وتكنولوجيته المتطورة.
لكن نهضة الصين قد إنطلقت بسرعة مع بداية حركة الإصلاح والإنفتاح المستمرة مع نسبة نمو هي الأعلى في العالم والتي تراوحت ما بين 7 ـ 9% دون إنقطاع. ولم يعر المثقفون الصينيون، على غرار ما فعل مثقفو اليابان ودول النمور الآسيوية، إهتماماً كبيراً للأفكار السائدة في أوروبا وأميركا عن تجارب التحديث الآسيوية، فقادة تلك الدول أدركوا أن الغرب متقدم عليهم، وأن من واجبهم الإستفادة من تجاربه في التحديث، والأموال الوفيرة لديه، والتكنولوجيا المتطورة التي يملكها لسنوات طويلة إلى أن تتملك تلك الدول شروط نهضتها وتنافس الغرب على مختلف الصعد. وقد أدركوا ان مصالح القوى المسيطرة في الغرب هي التي أملت على شركاتها دعم البلدان الآسيوية التي تحولت إلى مراكز إنتاج تقدم لشعوب الغرب سلعة جيدة بكلفة رخيصة جداً.
لذلك إتخذ الباحث أندريه تشانغ موقفا عقلانيا من المقولات الإيدولوجية الغربية التي فندها بالتفصيل في كتابه الجديد "الممارسة الصينية" والذي شكل نقطة تحول مهمة في الدراسات الغربية تجاه الصين بشكل خاص، والدول الآسيوية بشكل عام.
فهو باحث فرنسي من أصل صيني، على درجة عالية من الثقافية النظرية والخبرة الإقتصادية معاً، ويتقن اللغة الصينية إلى جانب الفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى، ويقيم بين باريس وبكين، ويتولى إدارة مجموعة كبيرة من المؤسسات العاملة بين فرنسا والصين، ويقدم إستشارات مهمة لشركات عالمية توظف مليارات الدولارات على الساحة الصينية.
لم يكن هاجسه إيديولوجيا لأنه ليس على قناعة بأولوية الغرب على الشرق في النظام العالمي الجديد، بل يقدم صيغاً عقلانية للتعاون تمهد الطريق لعلاقات طبيعية بين الجانبين على أساس المصالح المشتركة ودون النظر إلى الشعارات الإيديولوجية السائدة .فهل صحيح أن الصينيين واليابانيين وباقي شعوب دول النمور الآسيوية هم في موقع المنفذ لمقولات الغرب ويضعون أنفسهم في خدمة رساميله التي توظف بكثافة في منطقة جنوب شرق آسيا؟ وكيف حققوا إذا نهضة سريعة، ومنهم من ينافس الغرب بأسلحته لا بل تفوق عليه على غرار تفوق اليابان في مجال صناعة الروبوت وبعض السع الإلكترونية المتطورة؟. وهل أن الصناعات المتطورة وثورات العلوم والتكنولوجيا والبيولوجيا وغيرها هي الآن حكر على الغرب كما كانت حتى أواسط القرن العشرين؟
لقد باتت بعض الدول الآسيوية شريكا للغرب في تلك الثورات، ولم تعد مجرد ملحق إقتصادي للتوظيفات الغربية. لذا يبدأ المؤلف كتابه بسؤال منهجي بالغ الأهمية: هل أن الصينيين مشاركون فعلا في بناء النهضة الصينية بمقولات صينية وأخرى مستفادة من تجارب التحديث الناجحة في العالم أم أنهم في حالة تبعية ثقافية، وتقنية، ومالية للغرب؟ أليس لديهم نظام قيم مختلف، وطريقة أخرى في التفكير والممارسة؟ وكيف بمقدور الغرب أن يقيم علاقات تعاون مع الصينيين إذا كانوا مقلدين له؟ وما هي أفضل الطرق للتخلص من تلك المقولات الإيديولوجية البالية ولبناء مؤسسات مشتركة بين الصينيين والغربيين على أساس الإحترام المتبادل؟
لقد تشوهت علاقات الغرب بالشرق الأقصى إنطلاقا من رؤيتين خاطئتين: إعجاب الغرب الخادع بحكمة الشرق من جهة، والخوف المضمر الذي يكنه الغرب لنهضة الشعوب الآسيوية من جهة أخرى. فهناك عشرات الكتب والدراسات التي تظهر خوف الغرب من نهضة العرق الأصفر إنطلاقا من مقولة تتكرر بإستمرار: "إذا إستيقظت الصين إهتز العالم". فالغرب يريد الشرق أن يبقى حكيماً لكن فقيراً ومتخلفاً، يعتاش على فتات الرساميل الغربية، ويبقى في حالة إستيراد دائم للتكنولوجيا الغربية. وحين تملك الآسيويون التكنولوجيا وطوروها، وغزت سلعهم الرخيصة الأسواق العالمية، وإختل الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة بشكل حاد حتى تجاوز المائتي مليار دولار في العام 2006، دب الذعر في صفوف عتاة الرأسمالية الغربية. فقد تحولت الصين بسرعة إلى دولة عملاقة ذات كثافة سكانية تزيد على المليار وثلاثمائة مليون نسمة. وتتمتد أراضيها على تسعة ملايين وستمائة ألف كلم 2، ولديها موارد إقتصادية وافرة، وتمتلك قوى بشرية هائلة وقادرة على المنافسة الجدية. وتملكت الصين التكنولوجيا المتطورة، وفائضاً كبيراً من الرساميل، وأمدت أسواق العالم بسلع جميلة أسعدت مليارات الناس على إمتداد العالم كله.
في هذا المجال يدور سجال حاد بين الإقتصاديين الصينيين والغربيين حول دور الرساميل الخارجية في إطلاق نهضة الصين. فقسم كبير من السلع ينتج في الصين لخدمة تلك الرساميل. وهي تقدم فوائد كبيرة لأصحاب الرساميل، وتستفيد منها الطبقات الفقيرة والوسطى في دول الغرب أكثر مما يستفيد منها العامل الصيني الذي لا ينال سوى أجر ضئيل جداً. ولا تنال الصين سوى نسبة ضئيلة جداً من الأرباح أو فائض القيمة المنتجة في تلك السلع. وهذه السياسة الإقتصادية هي اليوم موضع شكوى كبيرة في الصين نفسها. ويعاد النظر فيها بصورة جذرية بعد أن أنهكت القوى العاملة الصينية، وإستنزفت موارد الصين الطبيعية، وأدت إلى تلوث البيئة، وزادت في حدة التناقضات الداخلية.
تضمن الكتاب مقدمة وسبعة فصول حملت العناوين التالية: الحقيقة والمواربة، الإبداع والتحول، الفضيلة والتناقض، البطل والإستراتيجي، الفاعلية، التنظيم الإجتماعي، الإستدراك والعولمة .
تبدو هذه العناوين ذات طابع شمولي تجمع بين الفلسفة، والتاريخ، والإجتماع ، والإقتصاد، والسياسة، وعلم الحضارات. فالكتاب بأكمله دراسة مستفيضة للمقارنة بين أبرز المقولات الغربية وما يماثلها في الصين. فقد نظر الصينيون والغربيون إلى الموضوعات عينها من زوايا مختلفة تماماً. والسبب في ذلك إختلاف المخزون الثقافي لدى الجانبين، وكثافة التقاليد الموروثة التي تسهل أو تعيق وضع المقولات النظرية في التطبيق العملي.
لذا يصاب كثير من الباحثين الغربيين بالدهشة، وبالمرارة أحياناً، لتعثر مشاريعهم الإقتصادية في الصين لأسباب تبقى مجهولة لديهم. وفي طليعتها عدم معرفتهم بتراث الصينيين وميلهم إلى إتخاذ القرارات بطريقة جماعية وليس فردية على غرار ما هو سائد في المؤسسات الأوروبية والأميركية. يضاف إلى ذلك أن لدى الصينيين حدسا طبيعيا بأن الغربيين يعملون على إفشال تجربتهم في التحديث وإدخال الصين في أزمات داخلية وإجتماعية حادة يمكن أن تقود إلى تفكيكها من الداخل على غرار ما حل بالإتحاد السوفياتي. وهم يبدون حذرا شديداً، لا بل مبالغاً فيه، من المقولات الغربية التي تنصح الصينيين بإعتماد طرق غربية، حتى لو كانت ناجحة، في إدارة المؤسسات السياسية والإقتصادية والثقافية والإدارية الصينية. ويرى بعضهم في المقولات الغربية، خاصة الديموقراطية على الطريقة الأميركية، محاولة مكشوفة لإحتواء الصين وإدراجها قسرا في النظام العالمي الجديد من موقع التبعية لمقولات الحداثة الغربية دون سواها. بالمقابل، يجهد الصينيون في إعادة إكتشاف تراثهم الثقافي الخاص بهم، وإستنباط طرائق للإصلاح والتحديث تنسجم مع تقاليد الصين وتراثها التقليدي.وليس صدفة أن تستعاد مقولات حكماء الصين القدامى ويعاد نشرها على نطاق واسع. يكفي التذكير بأن الصين فتحت قرابة مائتي معهد في جميع أنحاء العالم خلال السنوات الخمس الماضية، وحملت جميعها إسم كبير حكماء الصين كونفوشيوس. وتدرس هذه المعاهد اللغة الصينية وآدابها، وتاريخ الصين، وفلسفتها، والطب الصيني، والمطبخ الصيني، والموسيقى الصينية. وهاجسها إظهار دور الصينيين في الإكتشافات العلمية التي مهدت للنهضة الغربية المعاصرة وأبرزها: إكتشاف البارود، والطباعة، والبوصلة، والورق وغيرها. فقد بقيت الصين حتى مطلع النهضة الأوروبية الحديثة في القرن السادس عشر ترى نفسها مركز العالم بدون منازع. وكان لتلك النظرة الإنطوائية الأثر السلبي في تخلف الصين عن ركب الحضارة الحديثة التي إنطلقت من أوروبا وعمت العالم كله. وإستمرت ترفض كل ما هو غربي حتى تم إيقاف الثورة الثقافية فيها والتي جمدت الصين خلال سنوات 1966 ـ 1976 وأرجعتها كثيرا إلى الوراء.
بالمقابل، إستفادت اليابان من نهضة الغرب طوال أكثر من قرن منذ بداية إصلاحات الإمبراطور المايجي في العام 1868 قبل أن تتعرف إليها الصين المعاصرة بعد حركة الإصلاح والإنفتاح التي قادها دينغ شياو بينغ في العام 1978.
لقد عالج هذا الكتاب، وبقدرة بحثية فائقة، مكامن الخلل في العلاقات بين أوروبا والصين. وأبرز بوضوح كيف أن تفسير المفاهيم السائدة كالحقيقة، والفضيلة، والأخلاق وغيرها من القيم الإنسانية يختلف جذريا بين الصينيين والغربيين. فهناك موروث عريق لدى الصينيين بربط أي مفهوم إنساني بخدمة الناس. فهم أقرب إلى الممارسة التطبيقية الملموسة من التجريد النظري الذي برعت فيه الفلسفة الغربية. وهم يطبقون مبدأ الواقعية المتدرجة في مختلف المجالات مع ميل واضح نحو الشمولية في معالجة القضايا بشكل تدريجي، وتجنب الحلول الجذرية والسريعة. وهم يستندون في ذلك إلى الحكمة الصينية القائلة "من أدرك الكثير لا يأبه لفقدان القليل".
يغوص المؤلف في تحليل قضايا التحديث في الصين على خلفية مفاهيم التراث التقليدي الصيني في المعالجة الشمولية. وترتكز الفلسفة الصينية على مبدأ التوازن والإنسجام بين الإنسان والعناصر الكونية الأربعة: البيئة، والماء، والموارد الطبيعية، والفضاء الكوني. وهي مستقاة من المكونات الخمسة للعناصر الطبيعية في الفلسفة الصينية القديمة: التراب، والماء، والنار، والأخشاب، والمعادن. ويواجه الصينيون إنتقادات لاذعة، من الداخل والخارج، بسبب سياسة الإستنزاف التي تقوم بها الصين اليوم إلى جانب الدول الصناعية الكبرى في عصر العولمة والتي أدت إلى إستنفاد حاد للموارد الطبيعية، يهدد بتدمير البيئة الطبيعية، والتصحر. فقد برز خلل واضح في التوازن بين عناصر البيئة الأرضية يقود لاحقا إلى خلل مدمر في علاقة التوازن بين الأرض والفضاء الكوني المحيط بها.
ختاما، يقدم هذا الكتاب المتميز دراسة تحليلة معمقة ومستقاة من دروس التاريخ لدى الصينيين والغربيين معاً. وهي دروس مفيدة جدا لقادة العولمة التي تشكل محطة بارزة في مسار التاريخ العالمي. فالثورات المتواصلة في المعلومات والتواصل والجينات والتكنولوجيا وغيرها أحدثت قفزات سريعة في المراحل التاريخية لم تكن ممكنة في العصور السابقة. وفي حين كانت الأديان، والنظم الأخلاقية تحض على الفضائل السلوكية لدى الأفراد والجماعات وتحتل مكانة بارزة في التاريخ العالمي، فإن عصر العولمة يشهد تراجعا مريعا في نظام القيم يهدد الإنسجام والتوازن بين الناس من جهة، ومع البيئة أو الطبيعة من جهة أخرى. ولا بد من إبداع قواعد جديدة لضبط سلوك الأفراد والجماعات. وإستفاض المؤلف في مناقشة مفهوم الإبداع الذي يركز على الطابع الفردي في الحضارة الغربية، والجماعي في الحضارة الصينية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق