صحيفة الاقتصادية السعودية
باتريك تيرنر
في ظل ضرب بقية العالم على طبول المسيرة المتوجهة إلى الهند والصين للاستفادة من نموهما الاقتصادي السريع، والحصول على التصنيع بتكاليف متدنية في الصين، وعلى الخدمات معتدلة التكلفة في الهند، فإن فرصاً لا تعد لإنشاء النشاطات العملية برزت في هذين البلدين.
ويوضح باتريك تيرنر، الأستاذ المشارك لإنشاء المشروعات وشؤون المشروعات العائلية في إنسياد، أن هنالك خليطاً من مؤسسي المشروعات المحليين الذين يرغبون في إنشاء مشروعات خاصة بهم، وأولئك القادمين من الخارج، وبالذات من الولايات المتحدة، الذين يطمحون إلى إنشاء مشروعات عمل ناجحة في هذين البلدين. وتتكون المجموعة الثانية في معظمها من أولئك المواطنين الذين سبقت لهم المغادرة إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، ثم قرروا أن من مصلحتهم العودة ثانية إلى بلادهم، حاملين معهم، التعليم والخبرة، وكذلك في أغلب الأحيان ثرواتهم الشخصية التي توافرت لهم في الخارج. ويمثل مزيج هاتين المجموعتين فرصة ممتازة لتشكيل فرق نشاطات عملية مشتركة، والاستفادة من كل من الأفكار، والخبرات، والقدرات التمويلية لديهما، ما ينتج عنه الكثير من قصص النجاح العملي.
مسارات مختلفة:
تتشابه الأوضاع من هذا المنطلق في كل من الصين والهند، على الرغم من أن الأستاذ تيرنر يقول إن نمط الاستثمار وإنشاء المشروعات مختلف تماماً بين البلدين. ويضيف "كان لهذين البلدين تاريخ بارز للغاية في مجال تأسيس المشروعات، حيث كان الهنود يميلون إذا هاجروا إلى المملكة المتحدة، أو قبل ذلك باتجاه شرقي إفريقيا، إلى إنشاء مشروعاتهم العملية الخاصة بهم. وأما بالنسبة للصينيين، فإن هنالك الكثير من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي أنشأها المهاجرون الصينيون، على مدى عدة عقود، في كل من ماليزيا، وسنغافورة. غير أنه حدثت فروق بين أنماط التنمية في الصين والهند، وبالذات في طريقة إنشاء المشروعات. ويعود الفرق الرئيس إلى أن الحكم الشيوعي في الصين حال دون تطوير الكثير من المشروعات الخاصة أو الفردية، في حين لم تشهد الهند حالة مماثلة لذلك الوضع".
وعلى الرغم من التاريخ المعروف للبلدين في إنشاء المشروعات، إلا أن المبادرات السياسية من جانب الحزب الشيوعي الصيني، لا سيما في الخمسينيات والستينيات، أدت إلى الابتعاد عن منهج توليد وتنمية الثروات الشخصية، وكذلك عن المشروعات الخاصة. وعمل ذلك الوضع على إيقاف تدفق إنشاء المشروعات. ولم تبدأ الصين في التطوير التدريجي لمشروعات القطاع الخاص، إلا بعد الانفتاح الاقتصادي، والإصلاحات الشاملة التي دخلت على يد الزعيم الصيني البارز دينغ هيسياو بنغ في أوائل الثمانينيات.
ويضيف تيرنر أنه نتيجة لذلك "فإن الصينين كانوا يخترعون النظام الرأسمالي الجديد في إنشاء المشروعات خلال السنوات الـ 20- 25 عاماً الماضية، بينما كان الهنود يستمرون في إبحارهم المعتاد في موجة المشروعات، لاسيما تلك التي نشأت في إطار تحويل الكثير من النشاطات العملية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات لكي تتم عملياتها الإنتاجية في الهند".
نشاطات إنشاء المشروعات:
لم تستطع المشاريع الجديدة التي تم إنشاؤها في الصين حتى في أوائل العقد الحالي، أن تنافس من حيث العدد، تلك المشروعات التي جرى إنشاؤها في الهند. وتفيد المعلومات التي ظهرت في التقرير الدولي لإنشاء المشروعات لعام 2003، وهو أحدث مصدر عن مثل هذه المعلومات، أن 12.5 في المائة من القوى العاملة الهندية كانت تعمل في إطار المشروعات الجديدة خلال السنوات الأخيرة، بينما اقتصرت تلك النسبة في الصين على 5.5 في المائة من مجموع القوى العاملة. ويقول تيرنر "إنه لاحظ من خلال مقابلات عدد من الشباب الهنود خلال رحلاته المتكررة إلى الهند، أنهم استوعبوا، ولو بصورة غير كاملة، الكثير من الأمور الخاصة بإنشاء المشروعات الجديدة، بينما لا يزال الشباب الصينيون متخلفين عنهم بدرجة كبيرة في هذا الصدد".
ويعود معظم ذلك إلى اختلاف بيئة تأسيس المشروعات في كل من البلدين. ويقول تيرنر "تزداد فرص إنشائك للمشروعات إذا كان ضمن بيئتك أحد يعمل في هذا المجال، كأن يكون والدك، أو أحد أفراد العائلة". أما فيما يتجاوز الإطار العائلي، فإن وجود مجموعة مراكز للنشاط العملي، أو ما يسمى بعناقيد مشروعات العمل التي تتركز في مدينة ما، أو مجموعة من البلدات المتقاربة، يساعد كثيراً على تنشيط إنشاء المشروعات الجديدة. ويقول تيرنر "إن الأمر يتعلق بقدرتك على رؤية عدد من المشروعات الجديدة في أثناء إنشائها، بحيث تصبح بيئة إنشاء المشروعات أمراً معتاداً لديك، وأسلوباً كثير التكرار لشق طريق حياتك العملية".
الأيقونة والشبكات:
ومن الأمور المساعدة في إنشاء المشروعات الجديدة وجود أيقونات صناعية، أي رجال أعمال بالغي النجاح في إنجاز نشاطاتهم العملية في الصناعات المختلفة، من أمثال بيل جيتس في الولايات المتحدة، أو السير ريتشارد برانسون في المملكة المتحدة. كما أن في الهند عدداً كبيراً من هؤلاء الرواد الكبار من بينهم نارايانا ميرثي، المؤسس المشارك لشركة إنفوسيز. أما في الصين، فليس هنالك ذلك العدد من مشاهير الصناعة البارزين، على الرغم من تزايد أسماء الصينيين في مجلة فوربس التي تورد أسماء أكبر أصحاب الأعمال.
ولدى الهند تاريخ متميز على الصين فيما يتعلق بشبكات النشاطات العملية مثل شبكة تاي، أو مؤسسة وادهواني التي تسعى إلى تشجيع إنشاء المشروعات من خلال عدة وسائل تتضمن تنظيم ورش العمل والندوات على صعيد وطني. وأنشأ هذه المجموعة صاحب المشروعات الهندي، روميش وادهواني، حيث تقوم بتمويل عدد كبير من المشروعات التنموية ذات العلاقة بالتعليم مثل شبكة نيل التي تنشط في مجال الجمع بين مؤسسات التعليم العالي البارزة في الهند، والنشاطات العملية الصناعية.
ويقول تيرنر إنه لا يوجد شيء من هذا القبيل في الجانب الصيني. غير أنه، على الرغم من كل ما يقال حول ذلك، فإنه يتوقع أن تفقد الهند هذه الميزة المهمة خلال العقد المقبل. وبدأت الصين بالفعل في إنشاء نماذجها المماثلة حين تم تأسيس شركة أليبانا عام 1999 من قبل صاحب المشروعات الصيني، جاك ما. واشترت ياهو 40 في المائة من هذه الشركة عام 2005. وما هي إلا خطوات سريعة حتى يتم إنشاء عدد من الشبكات العملية الداعمة لتأسيس المشروعات، حيث يتوقع أن يتولى تمويلها عدد من أصحاب المشاريع البارزين من الجيل الجديد. وسوف يعمل ذلك، من دون أي شك، على تسريع تطوير إنشاء المشاريع في الصين، ما يعمل على محو هذه الميزة التي تتمتع بها الهند في الوقت الراهن.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق