صحيفة الخليج الإماراتية
فخري صالح
في مهرجان الأدب في آسيا وإفريقيا، الذي أقيم في مدينة جونجو الكورية الجنوبية في الأسبوع الأول من هذا الشهر، كانت الحلقة الأكثر صخبا، وربما الأكثر عمقا وجدلا وإثارة للأسئلة، تلك الخاصة بالمنفى. وقد شارك فيها عدد من الكتاب والنقاد والأكاديميين من كوريا وآسيا وإفريقيا، وتحدث في بدايتها كل من محمود درويش الذي أشار في كلمة جميلة إلى منفاه الفلسطيني الخاص والبعد الوجودي لهذا المنفى وتحول اللغة بالنسبة له إلى وطن. كما شارك في هذه الحلقة الروائية سلوى بكر (مصر) والروائي والكاتب مو يان (الصين)، والروائي علي بدر (العراق)، وكاتب هذه السطور، وعدد آخر من الكتاب الكوريين والآسيويين والأفارقة. وقد طرحت في هذه الحلقة أسئلة عديدة حول طبيعة خطاب المنفى: كيف يتشكل وما علاقته بالأرض المرتحل عنها أو اللغة الأم التي أصبحت في خلفية مشهد المنفى، والانشقاق الذي يولده المنفى في الشخصية والتعبير واللغة، وحتى الحضور الفيزيقي للمنفى. كما ناقشت الحلقة أوضاع المنفى في الآداب المخصوصة المختلفة: الصينية والكورية والإفريقية والفلسطينية والعراقية، حيث حاول الباحثون من جنسيات متعددة العثور على البعد الوجودي للمنفى في حياة الشعوب أو الجماعات البشرية التي ينتمون إليها.
كانت ورقة الكاتب الصيني “مو يان” حول الأدب والمنفى من بين الأوراق العميقة التي طرحت مفهوم المنفى في الآداب الحديثة والتنظيرات التي نشأت حول موضوع المنفى. لكن المشكلة تولدت في نقاش ورقته، وكذلك في الورقة التي قدمها كاتب هذه السطور حول “الأدب الفلسطيني نموذجا معياريا لآداب المنفى”.
لقد أكثر “مو يان” في ورقته من الحديث عن الكاتب “الإسرائيلي” عاموس عوز الذي التقاه مؤخرا في العاصمة الصينية بيجين، وتوصل إلى أن عاموس عوز يمثل الكاتب في المنفى في وجه من الوجوه رغم أنه من مواليد مدينة القدس قبل عام 1948. وقد أدى هذا الكلام عن منفى “الإسرائيليين”، وعودتهم من أرض الشتات إلى الوطن (أرض الميعاد!) إلى انعطافة في مجرى النقاش حول المنفى ومفهومه، خصوصا بعد أن ألقيت كلمتي التي قلت فيها إن الأدب الفلسطيني نشأ في حضن المنفى بعد القطع الذي أحدثته نكبة 48 في تطور الثقافة الفلسطينية.
الكاتب الصيني “مو يان” عاد بعد أن ألقيت ورقتي إلى الحديث مجددا عن عاموس عوز واستعاد بعض كلامه عن ضرورة حدوث سلام بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” ناقلا عنه قوله إن الشعبين يشبهان في وضعهما شاتين تعبران جسرا ضيقا لا يتسع لمرورهما معا. ورغم أن “مو يان” بدأ رده علي بالقول إن ما قلته مس وترا عميقا في قلبه وإنني استطعت أن أقدم صورة موحية عن العلاقة الحميمة المثرية بين محنة الفلسطينيين وأدبهم، إلا أنه ظل متمسكا بإعجابه بكلام الكاتب “الإسرائيلي” عاموس عوز.
وقد اضطرني التشديد من قبل “مو يان” على عاموس عوز، والرؤية “الإسرائيلية” المعتدلة (!)، وضرورة التقاء الفلسطينيين و”الإسرائيليين” في منتصف الطريق وعدم تدافع الشاتين على الجسر، حتى لا تسقطا في الماء الهادر في النهر، على القول له إن لدى عوز وجهين متعاكسين كوجهي جانوس، فهو في القدس يدافع عن وجهة النظر “الإسرائيلية” يتملق العواطف اليهودية “الإسرائيلية”، وهو محظي لدى الطبقة السياسية “الإسرائيلية” الحاكمة اليسارية واليمينية منها على السواء. لكنه خارج “إسرائيل” يمثل حمامة السلام الكوزموبوليتانية الداعية إلى تنازل “الإسرائيليين” عن جزء من أرضهم للفلسطينيين، لكنني لم أشعر أن حديثي وجد آذانا صاغية لدى “مو يان”، إذ يبدو أن “الإسرائيليين”، وطليعتهم الثقافية على الأخص، قد وصلوا إلى الصين، فيا ضيعة العرب المتقاتلين المصطرعين في ما بينهم المهملين التحولات الاستراتيجية التي تجري على قدم وساق في هذا العالم، كانت “إسرائيل” حاضرة رغم عدم دعوة أي كاتب “إسرائيلي” إلى المهرجان؛ لكن حضورها تحقق عن طريق كاتب صيني كبير.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق