السبت، 15 ديسمبر 2007

واشنطن تخشى تحالف العمالقة الثلاثة

صحيفة البيان الاماراتية
ليونيد ألكسندروفتش
فكرة تأسيس تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث روسيا والصين والهند طرحها لأول مرة رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف عام 1998، وقال بريماكوف «هذا التحالف هو الكفيل بتغيير موازين القوى العالمية لصالح السلام والأمن الدولي».
لقد كان هذا الطرح في هذا التوقيت أقرب للخيال منه للواقع، وذلك في ظل العلاقات المتردية وشبه العدائية بين الهند والصين بسبب الدعم الصيني العسكري والسياسي لباكستان العدو اللدود للهند، وكانت العلاقات الروسية الصينية.
كما هي على جفائها التي كانت عليه في زمن الحرب الباردة، ويقابلها على الجانب الآخر علاقات تجارية واقتصادية قوية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ومنحت واشنطن الصين حق الدولة الأولى بالرعاية وفتحت لمنتجاتها الأسواق العالمية، بينما اقتصرت العلاقات الروسية - الصينية على التعاون العلمي والعسكري.
العلاقات بين روسيا والهند كانت دائما جيدة ومتطورة لكنها لا تكفي لتأسيس تحالف استراتيجي بين البلدين خاصة في ظل العلاقات الوثيقة والمتطورة بين الهند والولايات المتحدة الأميركية والتي تطورت في السنوات الماضية في مجالات عديدة وخاصة التكنولوجيا الحديثة.
ولكن هذا لم يمنع ولم يلغ خصوصية العلاقات بين موسكو ونيودلهي، هذه العلاقات التي احتفل هذا العام بمرور ستين عاما على تأسيسها عام 1947، وعلى مدى الستين عاما لم تشهد هذه العلاقات أية أزمات أو عوائق رغم نموها في مجالات حيوية مثل المجال العسكري.
فقد ظلت العسكرية الهندية طيلة النصف قرن الماضي ومازالت تعتمد بشكل كبير على السلاح السوفييتي والروسي، والآن 70% من تسليح الجيش الهندي بجميع فصائله من السلاح الروسي.
وكانت ومازالت هذه العلاقة تثير دهشة وتساؤل الكثيرين، حيث الهند الدولة الرأسمالية التوجه تميل بكل قوتها العسكرية نحو الاتحاد السوفييتي ومن بعده روسيا، والحقيقة أن أحدا حتى الآن لا يدري الأسباب وراء ذلك التوجه الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنرى كيسنجر ذات يوم بقوله «إنه لغز الهند بلد العجائب».
العلاقات الروسية ـ الهندية لم تستطع إدارة الرئيس بوش اختراقها في العام الماضي باتفاق التعاون النووي الأميركي ـ الهندي، هذا الاتفاق الذي رفض الكونجرس الأميركي التصديق عليه وانهالت الانتقادات الحادة على الرئيس بوش لتوقيعه هذا الاتفاق لدرجة أن البعض وصفه بالجاهل.
وقد صرح خبير الأسلحة الأميركي «جوزف كيرنكن» عضو لجنة الأمن القومي في الكونجرس منذ أيام قائلا»من السذاجة والجهل بالسياسة الدولية أن يوقع الرئيس بوش مع الهند مثل هذا الاتفاق متصورا أنه سيقطع بذلك العلاقات بين روسيا والهند» ووصف كيرنكن العلاقات الهندية ـ الروسية ب«الزواج الكاثوليكي» الذي لا يمكن فصله ولا يمكن فهم أسرار قوته التي نمت على مدى ستين عاما منذ تأسيس العلاقات بين البلدين.
أيضا العلاقات الروسية ـ الصينية شهدت في السنوات القليلة الماضية تطورا ملحوظا خاصة في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم البلدين مع أربع دول من وسط آسيا هي كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وطاجيكستان.
هذه المنظمة التي تحولت مؤخرا إلى مصدر قلق وخوف كبير لواشنطن، خاصة بعد المناورات العسكرية الكبيرة التي اشتركت فيها دول المنظمة على الأراضي الروسية في مطلع الصيف الماضي والتي طلبت الولايات المتحدة حضورها كمراقب ورفض طلبها بينما حضرها مراقبون من الهند وإيران.
وكان العام 2005 قد شهد في شهر أغسطس أول مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين في تاريخهما، وكان حدثا مثيرا للدهشة والاهتمام البالغ لأنه لم يسبق لهاتين الدولتين الكبيرتين أن أجريا أية نشاطات عسكرية مشتركة رغم أنهما كانتا تقودان العالم الاشتراكي.
ورغم أن الصين كانت تعتمد كثيرا على التقنيات العسكرية الروسية إلا أن النشاط العسكري لكل بلد من البلدين ظل سرا وحظرا على الآخر بسبب العديد من الخلافات بينهما حول مسائل حدودية وقضايا سياسية وأيضا خلافات أيديولوجية شيوعية.
لقد لعب الرئيس الروسي بوتين دورا كبيرا في تحسين العلاقات بين الهند والصين ونجح بالفعل في إقناع الصين بوقف تعاونها العسكري مع باكستان، والآن أصبحت العلاقات الهندية ـ الصينية في أفضل وضع لها في تاريخ البلدين، وأصبحا البلدان أكبر المستوردين للسلاح والتقنيات العسكرية الروسية حيث يستحوذان وحدهما معا على 70% من صادرات السلاح الروسي.
ولكن يبقى السؤال: هل يكفي التعاون العسكري والعلاقات الطيبة بين الترويكا الآسيوية العملاقة لتأسيس تحالف استراتيجي وربما عسكري؟
هناك متغيرات وظروف جديدة ظهرت على الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، هذه الظروف هي التي قربت البلدان الثلاثة وطرحت من جديد فكرة التحالف الاستراتيجي بينهم.
لقد ظهر خطر مشترك واضح لهذه الدول الثلاث وهو الوجود العسكري المكثف للولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو في القارة الآسيوية وخاصة في منطقة وسط آسيا المشتركة بينهم.
وارتباطا بهذا الخطر ظهر خطر جديد في المنطقة وهو الإرهاب المتطرف «العابر للقارات» والذي يستهدف أمن واستقرار دول المنطقة، ولدى الدول الثلاث اعتقاد مشترك يرقى لليقين بأن واشنطن هي الداعم والمحرك لهذا الإرهاب الدولي، ولهذا اتفقوا ثلاثتهم على تسميته ب«العابر للقارات» كتسمية مرتبطة بالمؤسسات الأميركية العملاقة، وكل من الدول الثلاث يشعر بأنه مستهدف، آجلا أو عاجلا، من هذا الإرهاب.
وقد ورد هذا في تصريحات قادة الدول الثلاث أكثر من مرة، ونذكر هنا قرار قمة منظمة شنغهاي عام 2005 بطرد القواعد الأميركية من وسط آسيا، وبناء عليه تم طرد القاعدة من أوزبكستان في نفس العام وبقيت الثانية في قيرغيزيا على وشك الخروج قريبا.
الآن يمكن القول بأن التحالف الثلاثي بين روسيا والصين والهند أصبح أمرا محتملا إن لم يكن قد بدأ يخطو الخطوات الأولي نحو تنفيذه، ويعكس ذلك اللقاءات المكثفة بين وزراء خارجية الدول الثلاث والتي تتم في الغالب خلف أبواب مغلقة لا يعلم أحد مضمونها.
وكان آخرها لقائهم في الرابع والعشرين من أكتوبر المنصرم في مدينة هاربين الصينية، ولم يجد الصحافيون لدى الوزراء الثلاثة أية إجابة واضحة ومحددة حول سؤال التحالف بينهم لكن ثلاثتهم اتفقوا على تأييدهم المطلق لنظام عالمي متعدد الأقطاب والتعاون في مواجهة التهديدات العالمية المعاصرة ورفض هيمنة القطب الواحد.

ليست هناك تعليقات: