الخميس، 20 ديسمبر 2007

بناء السدود على نهر الميكونج بدوافع وطنية

صحيفة الاقتصادية السعودية
دافيد فولبروك
يبدو أن أيام التدفق الحر لمياه نهر الميكونج أصبحت معدودة، مما يهدد الأمن الغذائي للشعوب، وينذر باحتكاكات بين الدول التي يمر منها النهر. وأوردت وكالة رويترز في تشرين الأول (أكتوبر) أن شركة هانوي بترو الفيتنامية لتوليد الطاقة توصلت إلى اتفاق مع شركة فينتين لإقامة وتشغيل سد على هذا النهر بتكلفة تصل إلى 1.7 مليار دولار في إقليم لوانج برابانج.
وتوصلت "فينين" منذ عام 2006 إلى تفاهمات مع شركة ميجافيرست الماليزية، وشركة كادنشانج التايلاندية، وشركة صينوهيدرو الصينية، وشركة داتانج الدولية لتوليد الكهرباء، حول إنجاز دراسات جدوى لإقامة أربعة سدود أخرى على نهر الميكونج. وتم السماح لشبكة الصين الجنوبية لتوليد الطاقة بإجراء دراسة لإقامة سد على هذا النهر في كمبوديا، في الوقت الذي يدرس فيه المهندسون التايلانديون إقامة سدين على حدود بلادهم مع لاوس بتفويض من السلطات في بانكوك.
يضاف إلى كل ذلك أن 13 سداً على روافد هذا النهر ستبدأ في إنتاج الكهرباء لأغراض التصدير بحلول عام 2015، إضافة إلى عشرة سدود من هذا القبيل بدأت بالفعل في إنتاج الطاقة الكهربائية. وهنالك 35 مشروعاً مماثلاً. أما كيفية تدبير لاوس للاستثمارات الضخمة لمثل هذه السدود، فهو سؤال ما زلنا بانتظار معرفة الإجابة عنه. ويعول المسؤولون في لاوس على العوائد الناجمة عن تصدير الكهرباء لحل مشكلات الميزانية التي تترك هذا البلد الفقير تحت رحمة المساعدات الصينية، واليابانية، والغربية. وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للغذاء العالمي نشر في تشرين الأول (أكتوبر)، أن طفلاً من بين كل طفلين في لاوس يعاني من سوء التغذية.
ورأى بعض خبراء التنمية، وبناة السدود، منذ عدة سنوات، أن بإمكان هذا البلد القضاء على الفقر من خلال تصدير الكهرباء المولدة بطاقة الانحدار المائي. وأصبحت هذه الطاقة أكثر سحراً في نظر الحكومات بعد الارتفاع الشديد لأسعار النفط، وذلك في سعي تلك الحكومات إلى تخفيض فواتير الطاقة، ومحاربة التضخم. غير أنه يبدو أن هذا الاندفاع نحو هذا المصدر من الطاقة قليل التبصر، وضعيف التنسيق عبر هذا النهر الذي يمتد من التيبت في الصين، عبر يونان إلى ماينمار، ولاوس، وتايلاند، وكمبوديا، وفيتنام، ليصب في النهاية في بحر الصين الجنوبي.
وحين اجتمعت لجنة نهر الميكونج التي تشارك فيها كمبوديا، ولاوس، وتايلاند، وفيتنام، من أجل تطوير هذا النهر (لم تشأ الصين وماينمار المشاركة في هذه اللجنة)، في سيام ريب، مع وفود من الدول المانحة في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)، فإن مراسل وكالة الصحافة الألمانية كتب بسخرية عن مخاوف كبار المسؤولين الكمبوديين الذين يعارضون خطط إقامة السدود من جانب لاوس، كما أن شكاواهم من أن استفساراتهم التي قدموها إلى الفيتناميين لم تلق جواباً بعد.
إن للمخاوف ما يبررها، حيث تركت السدود الكهربائية- المائية إرثا من المشكلات في البلدان النامية، بسبب ضعف المساءلة العامة، والإهمال السياسي، والبيروقراطية الشديدة. ولم يتم حل المشكلات المتعلقة بسد نام ثيوم الثاني بسهولة، وذلك فيما يتعلق بقضايا البيئة. وسيكون هذا السد أكبر السدود في لاوس عام 2009. ولو كان البنك الدولي مشاركاً في هذين المشروعين لكانت المشاكل أسوأ بكثير.
وأدى إنشاء عدد من السدود على نهر القمر الذي يعد رافداً لنهر الميكونج في شمال شرق تايلاند إلى تخريب مصائد الأسماك، تاركاً الصيادين يعودون بشباك خالية. واضطر كثير منهم إلى مغادرة المنطقة بحثاً عن فرص عمل في بانكوك. وتعرض المتظاهرون الذين حاولوا الدفاع عن بيئة المنطقة إلى الضرب من قبل قوات الشرطة المكافحة للشغب. وتم وضع سلم خاص على مجرى نهر القمر مشابه لتلك السلالم التي توضع في بعض أنهار أمريكا الشمالية. ولكن سمك نهر القمر لا يقفز، كما يفعل سمك السالمون في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن هذا السلم ظل دون استخدام. وهذه إحدى المهازل الذي تتحدث بالكثير عن المسؤولين والمطورين في تلك المنطقة من العالم.
أما في شمال تايلاند، فاختفت مزارع الأسماك بعد الانتهاء من سدين من أصل ستة سدود يخطط لإقامتها في إقليم يونان الصيني على نهر الميكونج. ويمكن أن تكون الآثار فيما بعد أخف نظراً لأن معظم مياه الميكونج تنبع من جبال لاوس، وتايلاند، وكمبوديا. وعلى الرغم من كل هذه الآثار السيئة، فإن مطوري السدود يقولون إن منافعها تزيد على مساوئها. ويعد تقييم الآثار الفعلية للسدود من الأمور الصعبة، لأنه مازال على العلماء أن يدرسوا نهر الميكونج بدقة أعلى. ويحصل 60 مليون شخص من سكان حوض هذا النهر على البروتين اللازم لهم من أسماكه، أي نحو خمس الأسماك التي يتم صيدها في المياه العذبة في العالم. وأعلنت لجنة دراسة هذا النهر عام 2004، أن السدود تمثل تهديداً كبيراً للثروة السمكية فيه.
ويستطيع الناس العيش دون كهرباء، ولكن ليس دون بروتين. وسيؤدي تدمير الثروة السمكية إلى الدفع بملايين الأشخاص بحثاً عن العمل في المدن التي تعاني بالفعل من وطأة النمو السريع، والتلوث، والقاذورات. والحقيقة أن سير الأمور على ما هي عليه يهدد المستويات المعيشية لملايين السكان على ضفاف هذا النهر، إضافة إلى القضاء على أنواع نادرة من الدلافين النهرية.
ويبدي مانحو الإعانات لهذه اللجنة الكثير من القلق، حين قالوا "إن المشاركين في عمليات التطوير من القطاعين العام والخاص يشكون من أن أحداً لا يستشيرهم، وأن الآثار المدمرة للسدود على موارد الأسماك والغذاء لا تنال ما تستحقه من اهتمام". ووقعت على هذه المذكرة جهات من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، وست حكومات غربية أخرى.
واتهمت جماعة تيرا التي تدافع عن البيئة في تايلاند، تلك اللجنة، بالإخفاق في أداء مهامها، حين تساءلت عن شرعيتها قبل أيام من اجتماع سيم ريب. واتهمت اللجنة أنها تعمل على رضا المسؤولين، بدلاً من أن تدخل في مشكلات تتعلق بصنع السياسات لحماية هذا النهر.
وهنالك صراع بين المسؤولين في مختلف الدول التي يمر بها هذا النهر، حيث يرى الفيتناميون، على سبيل المثال، أن خطط لاوس المتعلقة بإنشاء السدود تمثل تحدياً كبيراً للمصالح الفيتنامية، إذ إن على فيتنام أن تدرس علاقاتها مع لاوس مقابل الأضرار التي يمكن أن تلحق بالملايين من الفيتناميين على ضفتي هذا النهر. ويمكن ألا تلقى هذا الشكاوى الفيتنامية آذاناً صاغية في ظل المساعدات الصينية الكبيرة، والاستثمارات الواسعة في المنطقة.
وما لم تتفق دول هذا النهر على العمل معاً من أجل استدامة الاستفادة من ثرواته، بعيداً عن التركيز الضيق على المصالح الوطنية الخاصة، فإن هناك تهديداً لبيئة وثروات هذا النهر، مما سيعمل على إثارة المشاكل الاجتماعية، ويقوض الانسجام في هذه المنطقة من العالم.

ليست هناك تعليقات: