صحيفة الشرق الأوسط
زبغنيو بريجنيسكي (مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر)
الجهود المبذولة لحل تحدي كوريا الشمالية بالمفاوضات توصف بأنها ناجحة. وإذا كان الأمر كذلك ألن تقدم تلك التجربة دليلا لمواجهة التحدي الإيراني الهادف إلى توسيع برنامجها النووي؟ ألن يكون إجراء حوار شامل بخصوص هذا الملف مفيدا ما بين أميركا والصين؟
وإذا كانت المفاوضات المطولة مع كوريا الشمالية قد حققت نتيجة بناءة بشأن المخاطر التي تفرضها بيونغ يانغ في تتبعها لبرنامج تطوير الأسلحة النووية، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى التغييرات الحاسمة التي طرأت على المواقف العامة لواشنطن وبكين. التزمت أميركا أخيرا بذلك المسعى، ثم بدأت تروج لمفاوضات متعددة الأطراف ومطولة ما بين الدول الخمس المعنية بالأمر مع حكام كوريا الشمالية. والأكثر أهمية هو أن تخلي الصين عن ترددها الأولي اتضح أنه كان حاسما لإقناع بيونغ يانغ بأن عنادها السياسي قابل لأن يكون انتحاريا.
زرت في الفترة الأخيرة الصين، وسنحت لي الفرصة للتحادث مع الزعماء الصينيين، وعدت منها بانطباعين قويين يتعلقان بتصرف الصين تجاه المشكلة الإيرانية. الأول هو أن ضخامة التحول الداخلي للصين جعلها سريعة التأثر بعدم الاستقرار الدولي سياسيا واقتصاديا. فالصين قلقة بشكل خاص حول النتائج الناجمة عن أي عنف ينفجر في منطقة الخليج. وهذا الخوف مبرر إذا أخذنا التأثيرات المالية والسياسية المترتبة عن أي تصادم ضخم بين واشنطن وطهران. لذلك فإن الصين على المستوى الجيو ـ سياسي قوة وفق الامر الواقع.
ثانيا، تلتزم بكين بقوة في تعاملها مع طهران وواشنطن بمبدأ الصبر الاستراتيجي. وقد وجد الزعماء الصينيون أن الإيرانيين ظلوا ينكرون أي نية للحصول على الأسلحة النووية. وعلى ضوء ذلك فهم يجادلون بأن الانكار الإيراني (على الرغم من مصداقيتهم المشكوك بها) يخلق أرضية مناسبة للانطلاق نحو ترتيب يضمن حفظ ماء الوجه، ويحقق مراقبة دولية لبرنامج نووي إيراني خال من التهديد. ومن وجهة نظر الصين، فإن على واشنطن أن تتجنب الدخول في أسلوب العين بالعين مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، لأن ذلك يقويه داخليا؛ بل على أميركا أن تكف عن فرض شروط مسبقة لمفاوضات مع إيران يكون على الإيرانيين الاعتراف علنا بأنهم كانوا يكذبون.
عندما تنشط عملية المفاوضات مع إيران من الممكن ان تساعد الصين في التغلب على الجمود. فبكين لديها علاقات ودية نسبيا مع طهران. بكين وطهران لا ترغبان في حدوث شيء يعرقل علاقتهما الاقتصادية، ذلك ان إيران تزود الصين باحتياجاتها من النفط، فيما تزود الصين إيران باحتياجاتها من السلاح والمنتجات الصناعية. إلا ان رغبة الصين في لعب دور بنّاء يتطلب ان تلتزم واشنطن جانب التأني في الناحية الاستراتيجية. الصين تخشى من ان يكون الدافع لتعجل واشنطن لزيادة العقوبات نابعا من الاعتقاد بان العقوبات لم تكن فاعلة في السابق واحتمال اللجوء إلى خيارات أخرى. يمكن القول ان اندلاع نزاع في الخليج من المحتمل ان يترك آثاره على مصالح روسيا، إلا ان آثاره السلبية عليها لا تعدو ان يكون مجرد تكهنات. أي نزاع خطر في المنطقة ستكون له آثار ممتدة، وعلى القيادة الروسية النظر في هذا الأمر بالحصافة اللازمة. ما يمكن قوله هنا هو ان روسيا تحاول استعادة جزء على الأقل من الخسائر الجيوسياسية التي منيت بها مطلع عقد التسعينات. كما ان منع واشنطن من الوصول إلى نفط بحر قزوين وآسيا الوسطى من ضمن القضايا المدرجة على صدارة قائمة الكرملين.
وفي هذا السياق فإن اندلاع نزاع في الخليج ربما لا يعتبر في نظر كل خبراء الاستراتيجية لروسيا شرا أحادي الجانب. الارتفاع الدراماتيكي في أسعار النفط من المحتمل ان يلحق ضررا ببكين وواشنطن ويطلق موجة أخرى من العداء لواشنطن. ايضا، يحتمل ان تنأى أوروبا بنفسها عن واشنطن، في وقت تصبح فيه كل من أوروبا والصين أكثر اعتمادا على إمدادات الطاقة الروسية. وفي هذه الحالة ستصبح روسيا هي الطرف المستفيد ماليا وجيوسياسيا.
لذا، فإن احتمالات اندلاع أزمة خطيرة في الخليج ستكون بعيدة المدى والآثار. وهي آثار من المحتمل ان تحدث تحولا دراماتيكيا في توزيع القوى الدولية حتى تلك التي ظهرت بعد انتهاء الحرب الباردة. إذا أخذنا ذلك في الاعتبار، فإن الوقت مناسب لإجراء حوار استراتيجي بين واشنطن وبكين حول تجربتهما المشتركة مع كوريا الشمالية والأزمة المحتملة مع إيران.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق