صحيفة الحقائق اللندنية
د. أحمد القديدي ـ رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية - باريس
عندما كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منذ أيام في قاعة الشرف للمدينة الممنوعة أثناء زيارة الدولة التي أداها لهذا البلد العظيم قال كلمة بليغة لخصت منزلة الصين اليوم على الساحة الدولية وهي: «كل من يكسب صداقة الصين يكسب تأشيرة دخول للمستقبل» وبالفعل فإن ساركوزي ينتمي إلى جيل نشأ وترعرع بالتوازي مع الصين التي تستيقظ كما كان يقول نابليون في عبارة شهيرة ذهبت مذهب الأمثال وهي:«يوم تستيقظ الصين يتزلزل العالم»!
ونحن اليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين بعيدون جداً عن عصر نابليون لكننا نتأكد بأن الإمبراطور الفرنسي كان يملك رؤية تستشرف المستقبل منذ حوالي قرنين وكان يدرك بإحساس القادة العظام بأن الصين الممتدة على نصف القارة الأسيوية والتي تعض بالنواجذ على حضارة عريقة وأصول متجذرة وثقافة منيعة لا بد أن تلعب في العالم دورها الريادي بحكم عدد أهل الصين ونزوعهم الفطري إلى الإبداع والتفوق وبحكم التفاعل الجدلي بين الصين وبقية أرجاء الكون. فاليوم نجد أنساناً من أصل ستة على وجه الأرض يحمل الجنسية الصينية.
يقول الخبير الاستراتيجي الفرنسي (جون جاك ميفال) إن الصين أصبحت ورشة العالم، وهي الدولة التي ضاعفت نسبة دخلها الخام ثلاث مرات في ثلاثة عقود والدولة الوحيدة في العالم التي تحقق نسبة نمو سنوي يبلغ 15% وبالتالي فهي بالفعل كما قال ساركوزي بيدها تأشيرة الدخول للمستقبل وهي إذن الجسر الضروري لكل دولة تريد أخذ نصيبها من المستقبل.
ونعتقد أن فرنسا كسبت على الأقل بزيارة رئيسها إلى بكين صفقات تجارية عملاقة سوف تخفف من وطأة أزمة الصناعة الفرنسية منها بيع طائرات ايرباص وإنشاء المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق شركة (أيرفا) وهما مجالان تتفوق فيهما فرنسا على منافساتها ويأتي اختيار الصين للتكنولوجيا الفرنسية ليؤكد توجهاً سياسياً نحو الاتحاد الأوروبي لم يكن خافياً على المراقبين الأميركان.
حيث يمكن القول إن كاتب الافتتاحيات بالنيويورك تايمز (توماس فريدمان) كان ناطقاً باسمهم حين كتب يقول: لا لم تعد الصين منتجة الأقمصة وأحذية الرياضة فقط بل إنها أصبحت منتجة المعرفة والتميز، فمدينة( داليان ) التي كانت قطباً صناعياً تحولت إلى قطب تكنولوجي متقدم وجلبت إليها شركات عملاقة وعابرة للقارات منها جنرال إلكتريك ومايكروسوفت ودال وهولات باكارد وسوني.
وكذلك قالت افتتاحية صحيفة (الايكونومست) تحت عنوان :( التنين الرقمي) إن الصين تفوقت عام 2003 على اليابان وعلى الاتحاد الأوروبي في مجال تصدير التجهيزات الرقمية ثم تفوقت على الولايات المتحدة بطم طميمها عام 2004.
أما العالم الأميركي الشهير(ألفين توفلر) فقد أكد في كتابه الجديد الصادر هذا الشهر (الثروة الثورية) بأن الصين ستكون بلا شك قاطرة القرن الحادي والعشرين في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية كما كانت بريطانيا بالنسبة للقرن التاسع عشر والولايات المتحدة بالنسبة للقرن العشرين.
ويقول (توفلر) أيضاً إن قوة الأمم التي كانت تقاس بالزراعة والعسكر ثم أصبحت تقاس بالصناعة والتصدير تحولت في مطلع هذا القرن إلى القياس بمعيار المعرفة والتحكم في نقل المعلومات والتفنن في تقنيات الأصغر فالأصغر( المعبر عنها بالنانو تكنولوجيات). وفي هذا الباب لم يعد أحد ينافس العملاق الصيني اللهم سوى الهند التي تسرع الخطى نحو اكتساب القوة الرقمية بهدوء ....الهنود.
كل هذه المحاور نجدها ترددت بعلم وحكمة أثناء المؤتمر الذي انتظم في جامعة ماريلاند قريباً من واشنطن من 16 إلى 18 نوفمبر الماضي تحت شعار ( نحو توحيد سلمي للصين) وتدخل فيه عدد كبير من أصحاب القرار ورجال السياسة والاقتصاد والأكاديميون كان من بينهم الصديق الأميركي ليندن لاروش عالم الاقتصاد والذي أكد في مداخلته أن الصين هي الأمة الفريدة التي تخطط لثلاثة عقود في المستقبل وليس للأعوام الخمسة القادمة وبأنها أيضاً هي التي وفقت إلى ملاءمة التقدم التكنولوجي والمعرفي مع رصيدها البشري ومخزونها التاريخي والثقافي.
وهكذا نفهم عبارة ساركوزي ونفهم أيضاً تسابق أمم الغرب والشرق إلى الفوز بتأشيرة الدخول إلى المستقبل من خلال التعامل مع الصين، ولكن لا نفهم لماذا يتأخر العرب عن مد جسور التعاون مع هذه الأمة التي تحتل تدريجياً مكانة الصدارة في العالم وبكل جدارة دون أن تفكر في هيمنة امبريالية أو سطوة حضارية؟ أليس القصور العربي في هذا المجال من العلاقات الدولية ذنباً من ذنوبنا العربية التي قد نندم عليها في المستقبل المنظور حين لن ينفع الندم؟
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق