الأحد، 6 يناير 2008

2008: سنة التحديات الجديدة أمام الصين
صحيفة شيكاغو تريبيون الأميركية
إذا ما أردت أن تفهم كم ستكون السنة الجديدة مهمة؛ مهمة على نحو غير عادي بالنسبة للصين، فما عليك سوى أن تسأل أحد المؤرخين.
متى كانت آخر مرة تمتعت فيها الصين بنفس مستوى الثقة، والازدهار، والانهماك مع بقية العالم كما هو مرجح لها أن تكون مع انعقاد أولمبياد بكين عام 2008؟
يجيب وانغ زياوفو، أستاذ التاريخ في جامعة بكين: "قبل حوالي 1300 سنة".
يفتتح فجر سنة 2008 فترة فوق-عادية في سياق ارتقاء الصين، والذي سوف يدفع بالأمة، على الأرجح، إلى الاضطلاع بدور أكبر في الشؤون العالمية مما سبق لها وأن لعبته في تاريخها الحديث.. لكن هذه اللحظة تحمل في ثناياها أيضاً خطراً هائلاً: ذلك أن سنة 2008 ستشكل على الأرجح اختباراً لازدهار الصين الاقتصادي الهش، وكذلك لمدى تسامحها مع حرية التعبير ورغبتها في السعي نحو السلام أو المواجهة مع الخارج.
بعد قرون من الفوضى والفقر والعزلة، أصبح لدى الصين سبب لأن ترى اليوم على أنه نقطة تحول بارزة. إنها تدخل سنة 2008 وقد انتشلت المزيد من الناس من براثن الفقر في زمن أقل مما استغرقته أي حضارة في التاريخ، وأمست موطناً لأسرع اقتصاد رئيسي نام في الكوكب، ولنظام طرق سريعة داخل حدود الدولة يحث الخطى ليتخطى نظيره في الولايات المتحدة، وفيها مجمع جديد للفنون القومي بضعف حجم مركز كنيدي، كما أمسى رجال الفضاء الصينيين الآن على بعد أشهر فحسب من الانطلاق في أول رحلة للسير في الفضاء الخارجي.
أما تجلي هذا الانبعاث وتجسده، فسيكون في شكل دورة الاولمبياد التي ستنفق الحكومة الصينية عليها 40 بلون دولار، أي أربعة أضعاف كلف معظم دورات الألعاب الأخيرة. وكانت بكين قد هدمت وأعادت بناء ضواحي أقدم عمراً من الولايات المتحدة نفسها، وقدمت لسكان المدينة دروساً في اللغة الإنجليزية، ودربت نحو نصف مليون متطوع على المساعدة في إرشاد الزائرين، حيث خصصت متطوعاً لكل زائر يتوقع حضوره طبقاً لاحدى الإحصائيات.
تمت هندسة الألعاب بحيث تعرض أقصى المتعة والتجلي، ويتزامن يوم افتتاح دورة الألعاب الاولمبية في بكين يوم 8/8/2008 مع يوم مبهج بالنسبة للجمهور الصيني، لأن الرقم 8 يدلل على شيء يشبه "الازدهار" في اللغة الصينية (أراد أصحاب شركات البث الاميركيون أيضاً أن تكون الألعاب في موعد مبكر كفاية على التقويم لتجنب المنافسة مع الرياضات الشتوية في الولايات المتحدة). وينتظر الصينيون العاديون الألعاب بحرارة، والذين يرون إليها في معظمهم على أنها تمثل انتصارا جماعياً وسبباً نادر الحدوث للوحدة في أمة تقسمها الطبقة والعرق وتوفر الفرصة.
لكن، ومع توقع تواجد 20.000 صحافي أجنبي للتغطية، فان المنتقدين في الوطن كما وفي الخارج، يعدون العدة لاغتنام فرصة المناسبة في زيادة حجم ضغوطهم. وفي عرض مسبق لما يمكن أن يتوقعه المرء، تم اعتقال ستة ناشطين أجانب قبل أن يفرج عنهم في آب (أغسطس) الماضي بسبب تعليقهم يافطة هائلة الحجم على السور العظيم. وقد عدل شعارهم شعار أولمبياد بكين "عالم واحد وحلم واحد" إلى دعوة لـ"تيبيت حرة".
يواجه منظمو الدورة معضلة: إذ ما عليك سوى قمع المحتجين بقسوة، وسيتم توزيع وبث الصور في كل أنحاء العالم، والتي تعرض الضيوف الأجانب وهم يُسحقون على يد دولة الحزب الواحد. ولكن، دع المسيرات لتذهب شأواً بعيداً على أرض سياسية مقدسة مثل ميدان تيانانمين، لتصبح السلطات وهي تقامر بتشجيع قيام اضطرابات أوسع. سيكون على الحكومة أن تعتمد، بشكل خاص، على أفراد شرطة الشوارع للتمييز بين المحتجين السلميين وبين التهديدات الأمنية.
يقول جيا تشينغ-غوا نائب عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة بكين: "يجري تطوير الكثير من الإجراءات الأمنية الصارمة لمحاربة الإرهاب، وهؤلاء الناس يعرضون أنفسهم لخطر اعتبارهم إرهابيين".
يحذر القادة الصينيون، في الأثناء، من مغبة تسييس الألعاب الاولمبية، ولكنهم كانوا قد فعلوا ذلك، على نحو ينطوي على المفارقة، في عام 2001، عندما حاجج ليو يينغمنن، نائب رئيس اللجنة الأولمبية في بكين في ان اختيار الصين لاستضافة الألعاب "سيساعد في تطوير حقوق الإنسان". وبينما نستذكر ذلك التوقع، حذرت لجنة العفو الدولية ولجنة حماية الصحافيين، كل على انفراد هذه السنة من أن الصين فشلت في الوفاء بتعهدات كانت قد قطعتها على نفسها لتأمين استضافة الألعاب. وكتب رئيس منظمة حماية الصحافيين بول ستيغر: "في الحقيقة، ومنذ ترسية الألعاب عليها، فان القيود الإعلامية التي أمرت بها الحكومة والحزب الشيوعي قد ازدادت".
ولا يفوّت المنتقدون المحليون في الغضون الفرصة لكي يسمعوا أصواتهم.. فقد قال ليو تشيو باو، المؤلف المشارك في رسالة وقع عليها نحو 40 مفكراً ومنشقاً وأرسلت عبر شبكة انترنت في آب(أغسطس) الماضي، وهي تحث الزعماء الصينيين على فعل المزيد للدفع بالتزامات الصين في مجال الحقوق، قال: "أريد أن أظهر أنه ليس أمل المجموعة الدولية فحسب، وإنما أيضا أمل الشعب الصيني في تحسين وضع الحقوق الإنسانية لديه".
ومع ذلك، فإن المحتجين قد يتوارون في الظل إذا ما وقعت اصطدمت بكين بلغم أرضي آخر في رزنامة عام 2008: الانتخابات في تايوان.. ففيما تستعد الجزيرة التي تعتبر منشقة عن الوطن الأم لخوض الانتخابات في هذه السنة، فإن الساسة المؤيدين للاستقلال يسجلون سلفاً نقاطاً سياسية في الوطن من خلال طرح إيماءات جريئة كبيرة في اتجاه الاستقلال، وهم يستمدون الشجاعة على ذلك لدى الاعتقاد بأن بكين ستقوم بفعل أي شيء لتجنب المواجهة قبل الأولمبياد.
لقد كررت بكين التعهد بأنها ستهاجم في حال خطت تايوان خطوات كبيرة نحو الاستقلال، لكن أحداً من كلا الجانبين لا يستطيع تحديد نقطة اللاعودة، إذ تبدي بكين تعنتاً في مهاجمتها من تصفهم بقوات "الانفصاليين" في تايوان، لكنها تشعر أيضاً بأنها مقيدة بفعل تبعات الخطر الحقيقي الذي يمكن أن يشكله أي اشتباك مسلح على ازدهارها الاقتصادي، وهو مصدر القوة الذي يساعد في إدامة حكم الحزب الشيوعي.
إن الطريقة التي تتعامل بها الصين مع أي مواجهة محتملة قبل الأولمبياد عبر مضائق تايوان أو أي تصاعد آخر ستجلب اهتماماً مباشراً في واشنطن، حيث يشعر المسؤولون العسكريون والمدنيون على حد سواء بالامتعاض بسبب صعود الصين.. وفي الغضون، تنهمك الصين حالياً في غمرة تحديث عسكري رئيسي.. ويتنبأ مسؤولون عسكريون بأن يصل حجم إنفاقها العسكري إلى حوالي ثلاثة أضعاف الرقم الرسمي البالغ 35 بليون دولار، بالرغم من أن ذلك الرقم يظل جزءاً صغيراً مقارنة بالإنفاق الدفاعي الاميركي البالغ حوالي نصف تريليون دولار.
أظهرت الصين نفسها بوصفها لاعباً جديداً مهماً في طائفة من القضايا، إذ بعد وقت قصير من مطالبة منتج الأفلام ستيفن سبيلبيرغ، الذي يساعد في وضع خطط الاحتفالات الأولمبية، للصين بعمل المزيد من أجل لجم العنف في إقليم دارفور في السودان، أعلنت بكين عن خطط منذ أيار(مايو) لإرسال فريق من المهندسين لتعزيز جهود السلام في السودان.
ولاحقاً، انضمت الصين أيضا إلى قرار لمجلس الأمن الدولي الذي اتخذ بالإجماع لإرسال قوات حفظ سلام إلى دارفور على الرغم من تردد الصين الطويل في التدخل في شؤون الدول الأخرى. وبعد أن وهنت إجراءات الصين حول دارفور، رفع سبيلبيرغ من وتيرة الضغط في الشهر الماضي قائلاً للرئيس الصيني هو جنتاو في رسالة وجهها له، إن سكوت الصين في الآونة الاخيرة قد بات "مقلقا".
وبالرغم من ذلك الانتقاد، يظل دخول الصين على خط الدبلوماسية في دارفور يعكس وثوق الصين المكتشف حديثاً بنفسها، وأهميتها في معالجة قضايا حساسة، بدءاً من كوريا الشمالية وإيران، ومروراً بالاحترار الكوني وسلامة السلع التي يتم تبادلها على الصعيد الكوني، وهو دور من المرجح أن يزداد فقط في الوقت الذي تنمو فيه بصمة الصين الاقتصادية والدبلوماسية في السنة المقبلة.
بالنسبة للمؤرخين، فان هذه اللحظة في بقعة الضوء تعيد إلى الأذهان نقطة بارزة أخرى في التاريخ الصيني، هي حقبة "الكايوان" Kaiyuan في أوائل القرن الثامن. وفي حينها كان إمبراطور سلالة "تانغ" وهو الإمبراطور تانغ زوان زونغ منهمكاً باستبدال المسؤولين الفاسدين بوزراء ماهرين، وفي توسيع العلاقات الدبلوماسية، وفي تحسين قنوات الصين وبنيتها التحتية. وقد انتعش في زمنه الشعراء والفنانون. وبغية الاحتفال بالمناسبة، نظم الإمبراطور احتفالاً نادراً على قمة الجبل المقدس "تاي"، والذي كرس لعبادة آلهة السموات والأرض.
يقول المؤرخ وانغ سان إن أكثر من 20 قبيلة وأمة بعثت بسفراء للتعبير عن احترامها للصين، بما في ذلك اليابان وكوريا وفيتنام. وفي القرون المضطربة التي أعقبت ذلك، كما قال وانغ، ظل الصينيون ينظرون وراءهم بإعجاب إلى تلك الحقبة من سلالة حكم تانغ كأنموذح لصين "منفتحة، ومفعمة بالقوة ومزدهرة".

ليست هناك تعليقات: