الخميس، 17 يناير 2008

تجديد الحافز: الصين تشق طريقا فريدا لحداثتها

صحيفة العرب أون لاين
لي داتونج (كاتب صيني)
دعيت منذ بعض الوقت لحفل عشاء مع دبلوماسى غربى وأثناء مناقشة عن الصين ومستقبلها، أثار الدبلوماسى سؤالاً مثيراً للاهتمام: "أظن أن الكثير من انتقادات الصين فى وسائل الإعلام الغربية زائدة على الحد وغير معقولة، ويستخدم النقاد قيما غربية للحكم على الصين، لكن ماذا لو وجدت الصين طريقاً جديداً للحداثة والتنمية مختلفاً عن الطريق الذى يتبعه الغرب؟ " بدا لى أنه من منظور اقتصادي، نبذت الصين بالفعل التخطيط المركزى لصالح اقتصاد سوق على الطراز الغربي، وبالتالى فسرت سؤال الدبلوماسى كالتالي: هل تستطيع الصين اتباع طريق التنمية السياسية بشكل مختلف عن الديمقراطية الغربية؟
ميراث شيانلونج
ناقش العلماء والدارسون من كل أنحاء العالم بلا نهاية قضية تنمية الصين منذ حرب الأفيون الأولى عام 1840، وكان الرأى "المحفز ـ الاستجابة" هو أن الصين ينقصها الحافز الداخلى لتحفيز وترويج التغيير، وكل التحولات فى التاريخ الصينى الحديث وقعت كرد فعل أو استجابة للغزو العسكرى والثقافى والاقتصادى الوافد من الخارج.
لكن مؤخراً بدأ بعض الأساتذة الجامعيين بالقول بأنه بدون المدخلات الأجنبية فإن الصين آجلاً أم عاجلاً ستبدأ فى التحديث بأسلوبها الخاص. إن العديد من أصدقائى من الأساتذة الجامعيين لديهم نفس الرأي، وفهمت أن هذه النظريات الأكاديمية لها منطق خاص بها مقنع للغاية، لكن من وجهة نظر رجل الشارع مثلي، لا أظن أن الصين ستجد طريقاً شرقياً فريداً كنموذج للتنمية. سيظل الماضى كما هو ولا مجال لكلمة "ماذا لو.....".
لأكثر من 2000 عام مضت منذ توحيد البلاد لأول مرة على يد الديكتاتور المركزى من عائلة سين الحاكمة "فى العام 21 قبل الميلاد" والإطاحة بالنظام الإمبراطورى عام 1911. فى هذه المرحلة، هل تطورت ونمت الصين بمفردها؟ بالتأكيد لا. وفقاً لكلمات "هيغل" فالصين ليس لديها تاريخ بلا دورات سقوط وصعود ملوك كثيرون ولم يحدث أى تقدم يذكر.
حقاً لم يذهب هيغل أبداً لزيارة الصين بالفعل، وقال ملاحظاته بناءً على قصص ذكرها آخرون له، وربما قد يشوب آراءه بعض المغالطات. فى التاريخ الحديث، أول من ذهب للصين ودون ملاحظاته بالنيابة عن دولته هو اللورد ماكارتنى عام 1793 وذهب للصين فى عهد عائلة شينج الحاكمة تحت إمرة الإمبراطور شيان لونج.
انتهت بعثه ماكارتنى بالفشل الذريع، والسبب فى ذلك كان هو رفض ماكارتنى لتحية الإمبراطور شيان لونج بـ 3 مرات ركوع و9 مرات سجود، لكن الحقيقة أن فشل البعثة يرجع إلى جهل وغرور وصلف شيان لونج الإمبراطورى الذى نتج عنه رفضه لرؤية الدول الغربية كدول مساوية للصين.
ربما لم تنجح بعثة ماكارتني، لكنه تمكن على الأقل من تدوين مسح شامل عن تجربة فعلية للإمبراطورية الشرقية. كان رأى ماكارتنى أن إمبراطورية شينج تتمثل فى "عملاق له أقدام من الطين" وسيهبط أرضاً من أقل لمسة. وكتب ذلك منذ غزو المانشو للصين، ولم يكن هناك تقدم أو تنمية فقط بل إن المجتمع نفسه تقهقر وتراجع، وشعر بالأسى لأن بريطانيا كانت فى صراع يومى للتقدم فى مجالات الفن والعلوم، وكانت الصين فى طريقها لتكون بدائية أكثر كالوحوش.
بالنسبة لماكارتني، كان المجتمع الصينى مؤسساً على نظام سخيف وأحمق من المسؤولين والقيادات الذين جعلوا الناس "جبناء وقساة القلوب وكريهين"، وتنبأ أن الصين ستتقهقر فى النهاية وترتد لعصر التوحش والنقص والفقر المدقع والحرمان ـ وهو تنبؤ أثبت التاريخ صحته.
المؤرخ الفرنسى آلان بيرفين مؤلف كتاب "الإمبراطورية الراكدة" كتب ذات مرة ما يلي: "فى حوالى أغسطس-آب أو سبتمبر-أيلول 1960 انطلقت من هونج كونج فى رحلتى الاستكشافية الأولى للصين وصدمت على الفور بمدى تشابه المجتمع الحالى مع الذى رآه ماكارتنى ورفاقه، ربما جينات أهل الصين مازال بها معلومات وراثية من عهد شيان لونج".
حائط القوة
التكرار والركود والتراجع ردة، والمعلومات الوراثية لهذا المجتمع الذى لا يتغير ـ كلها سمات خاصة بالصين الأوتوقراطية. قادة الصين منذ الإطاحة بالحكم الإمبراطورى ـ سواء كان سون ياتسين أو يوان شيكاى أو شيانج كاى شيك أو ماو زيدونج ـ كلهم بلا استثناء كانوا خلفاء بحق للديكتاتوريين الإمبراطوريين، وكلهم يمثلون المحفز الداخلى التقليدى للصين.
يرى أساتذة الجامعة من الصين الدوافع المتشابهة للإصلاح وسياساته فى الماضى منذ 30 عاماً هى نفسها مثل مرحلة الإصلاح فى عهد شينج الراحل، ففى كلتا المرحلتين وصلت الصين لنقطة أصبح فيها معنى الإخفاق المستمر فى الإصلاح هو خسارة مكاسب الصين فى الغرب ـ نقطة كانت بها البلاد على حافة فقدان أمنها وحالتها كقوة عظمى وكبرى.
أظهرت مظاهرات تيانانمن لعام 1976 أن الشعب غاضب لدرجة أنه تحدى القوة المطلقة لـ "متوزيدونج"، وانتاب الخوف من هم فى الحكومة بسبب فقدانهم للسيطرة. إن أساس هذه الإصلاحات هو قبول العلوم والتكنولوجيا الغربية لكن مع نبذ النظام السياسى الغربى ـ وهذا مجرد شعار حديث أجوف من شعارات إصلاح "شينج".
كان هدف الإصلاحات هو تعزيز سلطة الحاكم وليس تحسين الرخاء العام للشعب، وتلك هى الحقيقة التى كانت تُفضح فى كل مكان. هذا هو الأصل الحقيقى للتقاليد الصينية السياسية.
ولكن أدى مجىء اقتصاد السوق على تحرير الشعب الصينى ورغبته المكبوتة سابقاً فى الرخاء المادي، ومنحهم وسيلة لتحقيق الثروات. الصين الآن أكثر قوة من ذى قبل، لكن الثروات التى تنمو وتزيد بسرعة أصبحت مركزة فى أيدى قلة من الأثرياء، مما يسبب مشاكل اجتماعية. كما وصل الفساد البيروقراطى لمستويات غير مسبوقة، وكرد فعل هناك تكرار للمظاهرات الحاشدة الضخمة مع استياء كل مستويات المجتمع.
فى خلال 2000 عام من التقاليد السياسية الصينية، لم يحدث أن جاء حاكم مستنير واحد تمكن من إحضار سياسات تؤدى لحكم طويل يسوده السلام. عنف الحكام كان يقابله العنف من الشعب، والأسر الحاكمة سقطت بعد 200 ـ 300 عام، وحل محلها نظام شبيه جداً بها. أنا لا أصدق أن هناك محفزا داخليا يمكن أن يخرج الصين من هذه الدورة.
كما فحص مكارتنى الصين بعمق، فإن فى أواخر عهد شينج قام السفراء الصينيون والموظفون بالخارج بتدوين تعليقاتهم عن أوروبا وأمريكا، ووجدوا القوة الاقتصادية والتكنولوجية نابعة من النظام السياسى وخاصة من الدستور الذى يخول السلطة للشعب. للأسف، فإن من يدعو للتعلم من الغرب يتلقى لقب "خائن".
لكن الأمور اختلفت قليلاً اليوم، وأصبحت الصين متداخلة أكثر فى الاقتصاد العالمى بشكل كبير وكعضو فى منظمة التجارة العالمية يجب أن تعمل بمستويات عالمية. ولكن التغييرات فى الصين لن تحدث إلا كنتيجة للضغوط الدولية. وإذا تراجعت الضغوط الدولية ستعود الصين "لتقاليدها" وسيسود أسوأ نوع من اقتصادية السوق ـ الرأسمالية ذات المحسوبية الفاسدة. وبالتالى فإن الضغوط الدولية للإصلاح السياسى تعتبر أساسية لتنمية الصين فى المستقبل، وبدونها سيلجأ حكام الصين "كأباطرة أو أحزاب" غريزياً إلى الطرق المعتادة المألوفة المريحة للسلطة بلا حدود.
الجمع بين اقتصاد السوق والنظام السياسى الديمقراطى هو الخيار الوحيد للدول التى تسعى للسلام والاستقرار على المدى الطويل، ومن المستحيل للصين أن تنتج ذلك بمفردها تحت طاقاتها والغضب العارم والسخط العام. درس التاريخ هو أنه فى الصين يحدث التغيير فقط كنتيجة للضغوط المكثفة.

ليست هناك تعليقات: