الجمعة، 11 يناير 2008

هذه تركة العظماء فماذا ترك العملاء؟

د. عادل سمارة
صحيفة الحقائق من لندن
"الشرق أحمر، لقد غابت الشمس" هذا ما بثه القمر الصناعي الصيني عام 1976 عندما رحل ماو تسي تونغ، المناضل الشيوعي من الصين. وهي العبارة التي تناقلتها وسائل الإعلام الثورية آنذاك. قضى ماو أكثر من خمسة عقود في تحرير الأكثرية الشعبية في الصين الحديثة وبنائها.
عن ماذا نتحدث بشأن ماو تسي تونغ،؟ عن القصائد التي كان يكتبها للأطفال، أم عن إبداع العلاقة بين القومية والإشتراكية، العلاقة التي لا تزال عصيّة على مقرئي الماركسية بدوجمائية مفرطة، أو بشبهات التضمخ بالفكر الرأسمالي والصهيوني، أم عن تحرير الفلاحين من عبودية الإقطاع، عن إبداعه في مسالة التناقض أم تطويره لقراءة التركيب الطبقي للفلاحين في الصين أم عن اعتماد الريف في الصين كقواعد للثور بعد أن وصفهم ماركس بـ "كيس من البطاطا"؟
الأمر مختلف هنا، فالحديث عن مسألة أخرى مختلفة، مسألة بسيطة، شيوعية. فبعد أكثر من ثلاثة عقود، وجد الصينيون أنفسهم أمام التركة المالية لماو تسي تونغ إذ بلغت قيمة ما توفر من مبيع كتاباته المطبوعة 17 مليون و 600 ألف دولار. لم يكن ماو قد وقف تركته على أسرته، فأممها، وهي أمور شخصية لا خاصة، وأبقاها للصين نفسها. إعتبر ماو أن كل ما أنتجه وطوره فكرياً كان من عرق الشعب الصيني والإنسانية. ولأن ماو لا ينتمي إلى أسرة أو سلالة، بل ينتمي إلى الناس كلها، أحال ما يخصه للجميع.
لم يقلق ماو على مصير أسرته من بعده، فهو نفسه نتاج الصين، لذا كان قلقه على مصير الصين، فأعطاها كل شيء حتى ما لا يسأله فيه أحد.
يُسجَّل فيما يسجل لماو قولته: "الإمبريالية نمر من ورق". وبقدر ما اثبت ذلك بقيادته ورفاقه ثورة الإنتصار الأضخم في التاريخ، فهذا القول يثبت أن هناك جيوشاً من الحكام أقل من "نمور من ورق". هذا لا يعني أن الإمبريالية ليست بأنياب، أو أنها لم تفتك بمئات ملايين البشر، أو أن الحكام العرب ذوي أيادٍ بيضاء. فالكينونة من ورق شيء والولوغ في دماء الشعوب شيء آخر.
أليس نمراً من ورق "صاحب العظمة، صاحب الجلالة، صاحب الفخامة" الذي يحمل تحت إبطه إلى واشنطن باستدعاء او تطوعاً ملفات عن العراق "مساهمة" في العدوان الأميركي عليه. أليس هذا نمراً من ورق، وأقل كثيراً لا سيما من قداسة الورق الذي يحوي ملفات التاريخ. أليس من ورق ذلك الحاكم الذي قضى عمره وهو يتقاضى راتباً ثابتاً من وكالة المخابرات المركزية؟ أليس من ورق ذلك الحاكم الذي حينما تنتصب قامة "رايس" الممشوقة، ينحني ويرتمي! وحين يستدير إلى شعبه ينتفض الصولجان وتُفرش البُسُط، وتنتشر المخابرات والعسس والجنود والضباط والقادة بكل تفاهة ووضاعة لحماية سيدهم! أما هؤلاء فيعودون في المساء إلى بيوتهم ليمارسوا تنفيس وضاعتهم في النهار، ورشوة أزواجهم بما سرقوا من مال الشعب. وبالتأكيد يترك هؤلاء لمن حولهم ما اعتبره ماو من عَرَض الدنيا، وكأنه يعمل للآخرة، وهم لا رغم ذهابهم وإيابهم إلى المساجد تحت عدسات الإعلام التافه.
بأي وجه نواجه العالم الذي يعرف ماو تسي تونغ؟ ماذا نقول لمتحف التاريخ؟
رحل ماو، ولم يقتَنِ شيئاً مقابل جهده، ورحل الحكام القتلة، وقد سرقوا ونهبوا وارتشوا وقبضوا، فماذا حملوا معهم غير عارٍ لم يغطسوا فيه وحدهم، بل اصاب بعضه الأمة كلها!
أما والحديث عن الفكر والثقافة، فأين ماو من كثرة تتكاثر من مثقفينا الذين يكتبون تقارير مخابراتية للسفارات والملحقيات الثقافية الأجنبية، والمنتديات المفروشة جيداً والمدفَّأة في الشتاء والمكيفة في الصيف والمحاطة بسوار ذهبي من الحسان، أو يفعلون ذلك لمنظمات الأنجزة والأنظمة والأكاديميا فيُثرون ويكنزون؟ ينتشر هؤلاء كالفطر والأميبيا الثقافية، ويرتمون على أبواب لصوص المال جاهزين لكتابة ما يُطلب حتى لو كان أسرار الفراش. فهل يمكن أن يكون هؤلاء بعض مشروع تغيير؟
وحين يموت هذا الحاكم أو أحد كَتَبَتِه من "العرضحالجية" يكتب الإعلام الوضيع: "رحل الزعيم أو المفكر العظيم عن 70 "خريفاً" قضاها في خدمة شعبه ووطنه وفي خدمة العلم والإبداع". لا يذكر هذا الإعلام كم ترك، لأن ذلك يعني : كم سرق.
يتناقل الفقراء في بلادنا قصة غني كبير حينما تيقن أنه سيقضي، أي سيتوقف عن استغلال الناس، قال لأبنائه، أي وارثيه، أخرجوا يدي من الكفن وهي فارغة، تعبيراً عن أنه لم يأخذ معه إلى القبر شيئاً. لا ندري بالطبع هل كان ذلك للزهد، والأرجح لا، وربما كان ما يقصده شعوره بالأسف أن يده لم تعد قادرة على الإستغلال! ففعل الوارثون. أما الفقراء بدورهم، فيعزون أنفسهم لأنهم لم يحصلوا إلا على تضخيم جيبه وتسمين عنقه ويتشفون بأنه لم يأخذ ما سلبهم إياه. لكنهم لم يأخذوه أيضاً وسيواصلوا خدمة ورثته. ولكن، هل الحكمة في فراغ يده، أو تعبئة عينه بذرةٍ من التراب، أم باستعادة الأموال المسروقة. فهل يتعلم الفقراء من ماو؟

ليست هناك تعليقات: