الخميس، 17 يناير 2008

المظالم والوعي الحقوقي جنبا إلى جنب في الصين

إذاعة هولندا العالمية
تقرير: سيغريد ديترس

الصين تنمو سريعاً، إلى حدّ يكاد يخرج عن كل سيطرة. تتوسع المدن بشكل فائق السرعة، حتى أنها تحاصر القرى المجاورة تتمدد على حسابها. هذا هو الحال مثلاً في "قينغداو" المدينة الكبيرة على الساحل الشرقي حيث أزيلت هناك الكثير
الرافعات تحيط بالقرية
من بيوت الفلاحين من أجل بناء عمارات ضخمة تضم مجمعات سكنية الحديثة. في مقابل النمو المتسارع للمدن وما يترتب عليه من نزاعات حول ملكية الأراضي، يـُلاحظ أيضاً نمو آخر في مستوى الوعي الحقوقي لدى الصينيين.
تبرز السيدة يو دافانغ (52 عاماً) مفاتيح بيتها الذي أزالته الجرافات، وتشير إلى الرافعات الضخمة والجرافات التي تهدم القليل الذي تبقى من منازل القرية وحياتها، تقول السيدة دافانغ:
"كان لي بيت هناك. لقد تقرر هدمه دون علمي. فقدتُ كلّ شيء، لم أعد أملك سوى مفاتيح البيت."
على طرف المساحة المخصصة للبناء الجديد هناك منزل لم يتعرض للهدم بعد، وقد تجمع سكان القرية فيه. الأجواء مشحونة بالتوتر، والرافعة الضخمة تكاد أن تلامس سقف البيت الوحيد الذي ظل سالماً. رغم هذه التهديدات المباشرة يصر القرويون على البقاء في البيت معاً ويصرون على شرح حكايتهم دون وجل.
إخلاء المكان
في أحد الأيام تلقى سكان القرية رسالة من إدارة المدينة تخبرهم فيها بأنّ عليهم إخلاء المكان لغرض تشييد عمارات سكنية حديثة. ويحصل القرويون الذين يفقدون منازلهم على تعويض مالي. لكن التعويض يتم تحديده وفقاً لمساحة المنزل فقط، ولا تؤخذ المساحات التابعة غير المبنية المحيطة بالمنزل في الحساب. لم يوافق القرويون على العرض وطالبوا بمبلغ أعلى بكثير. رفضت إدارة المدينة مطالبهم وقررت البدء بأعمال الهدم. تعرض سكان القرية طوال أشهر للممارسات ترويعية من قبل رجال يأتون ليلاً ليبلغوهم بأن عليهم إخلاء منازلهم. قـُطعت عنهم إمدادات الماء والكهرباء. وفي صيف عام 2007 بدأت أعمال الهدم بالفعل، مما أدى إلى اضطرابات ومصادمات مع الشرطة.
يقول يو قيان، عمدة القرية، "نحن مستعدون للمغادرة، لكننا نريد تعويضا عادلا عن منازلنا." أبرز قيان وثائق الملكية العائدة للسكان، وصوراً التقطت أثناء الصدامات مع الشرطة. أحد السكان اعتقل في ذلك اليوم وما زال في السجن. "لن نخضع!" يقول العمدة. لم يكتف القرويون بالاعتصام قرب المنازل، بل بحثوا عبر الإنترنت عن محامٍ جيد أصبح يدافع عن مصالحهم في القضية التي رفعوها ضدّ إدارة المدينة.
الوثائق لا تكفي
يعتقد الباحث بيتر هو، مدير قسم الدراسات التنموية في جامعة خرونينغن (شمال هولندا)، أن الحكومة الصينية تدرك جيداً حجم المشاكل المتعلقة بالاستيلاء على الأراضي، وما تسببه من صدامات. تحاول السلطات الإسراع في سنّ قوانين جديدة لحماية المواطنين من هذه الإجراءات المتعسفة. يعمل بروفسيور بيترهو، بطلب من الحكومة الصينية، وبالتعاون مع مصلحة العقارات الهولندية، على وضع نظام تسجيل فعال للعقارات والأراضي في الصين. لا بدّ من تحديد المالك الحقيقي أولاً من أجل حماية المواطنين من إجراءات الاستيلاء غير القانونية.
لكن وثائق الملكية ليست كافية في الصين لكي تطالب بحقك في ما تملكه، وفقاً لرأي هو: "تعتبر الأرض في القرى ملكية جماعية. لا تصمد هذه الملكية الجماعية للفلاحين أمام الصلاحيات والوسائل التي تمتلكها إدارات المدن. إذا كانت إدارة المدينة تريد شيئاً ما، فلن يعيقها تجمع للفلاحين البسطاء، حتى بوجود وثائق تثبت حقوقهم، وقوانين لحماية تلك الحقوق."
حكم القانون
يرى بيتر هو أنه لضمان تطبيق القوانين لا بد أن يكون هناك نظام للتدقيق والمراقبة، ووسائل لتنظيم المواطنين في تجمعات قوية، لكي يتمكنوا من الوقوف بموازاة السلطات المحلية
يدرك بيتر هو أن تطوير النظام القضائي سيؤدي تلقائياً إلى مزيد من الحريات الفردية. لكنه يرى أن هذا الأمر يجب أن يكون مقبولاً. البلد الذي يسعى إلى تنظيم النمو الاقتصادي في أطر قانونية سليمة، أي يسعى إلى التحول إلى دولة قانون، لن يستطيع أن يتجنب ما يترتب على ذلك من تحولات ديمقراطية وحقوقية. لكنه يشك، مع ذلك، في أن تؤدي هذه التطورات إلى تحول الصين إلى دولة ديمقراطية. "لن تتحول الصين قريباً إلى دولة ديمقراطية بالمعنى الذي نعرفه في الغرب. ستختط الصين طريقها الخاص. لكن العدالة واحترام حقوق الناس قادم، رغم كل شيء."
يتوجه قرويو قينغادو إلى القضاء حالياً لمعرفة سقف مطالبهم القابلة للتحقق. تلوّح يو دافانغ مرة أخرى بمفاتيح منزلها. لم تفقد الأمل بعد بأن تحصل على مبلغ كبير من المال مقابل منزلها الذي تمّ هدمه. وحينها سيكون بوسعها أن تسكن في إحدى الشقق الحديثة التي ستبنى في القرية، كما تقول وإن كانت الشقة ليست بجمال منزلها الريفي السابق بالطبع.

ليست هناك تعليقات: