السبت، 9 فبراير 2008

الأوبرا الصينية... عراقة في تاريخها الى الأفول؟


صحيفة واشنطن بوست الأميركية
يجلس كيو جيرونغ أمام المرآة في غرفة تبديل الملابس، ويضع بدقة تبرجه المسرحي. لن يعيش هذا التحول إلا لوقت قصير. فعلى هذا الممثل الذي خضع لتدريب تقليدي، والبالغ من العمر 22 عاماً، أن يعود قريباً إلى أرض الواقع.
قبل أن يُسدل الستار، يجول بنظره على الجمهور ليرى المقاعد فارغة.
هذا الفن الذي يقدّر عمره بمئتي عام وتوارثته ستة أجيال من عائلة كيو، يفقد معجبيه من الشباب الصينيين الذين أداروا ظهرهم له لصالح أنواع الفن الاكثر حداثة.
وانخفض عدد أعضاء فرق أوبرا بكين المتجولة مع تحوّل العروض إلى إنتاج ممول بكثرة من قبل القناة التلفزيونية التابعة للحكومة. حتى إن أحداً لا يطالب بالحصول على التذاكر المجانية لحضور العروض.
ولكنّ الأجانب والصينيين الأكبر سناً يبقون مخلصين لهذا الفن. بالنسبة إلى الشاب، أصبحت العروض المتكلفة بمثابة إحراج ثقافي يوازي ضحك مراهق أميركي بازدراء من والدته وهي تستمع إلى أغنيات من ألبومات نيل دياموند القديمة التي بحوزتها.
جيل الشباب
وأطلقت الحكومة الصينية حملة لإنقاذ الأوبرا فجددت الأكاديميات الدعوة لطلاب جدد، كذلك أعرب القادة عن قلقهم حيال الوضع.
ويقول كيو: «فقد الجيل الشاب اهتمامه بهذه العروض، وإذا لم ندعم الأوبرا ستصبح في طي النسيان».
في أواخر العام الماضي، افتتحت دار أوبرا «مي لان فانغ» تيمناً بنجم الأوبرا الكبير مي لانفانغ (بألف ومئة مقعد ولجأت إلى حملة دعائية مكثفة وتخفيض لأسعار التذاكر، في محاولة لجذب الحشود.
ويقول مالك الدار ووجيانغ إنه قلق من أن تختفي الأوبرا في أحد الأيام من الثقافة الصينية. ويضيف: «أبصرت أوبرا بكين النور في الحقبة الزراعية ولعلّها فقدت رهجتها اليوم في عصر المعلومات».
يفضل الممثلون التوقف عن الأداء عوضاً عن التلاعب بما يعتبرونه جزءاً لا يُمحى من تاريخ الصين وثقافتها. ويعلّق جوشوا غولدستين، وهو أستاذ مشارك في مادة تاريخ الصين في جامعة جنوب كاليفورنيا، ومتخصص في أوبرا بكين على الموضوع قائلاً: «من دون دعم الدولة لن يختلف مصير الأوبرا عن مصير الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا في الغرب التي بقيت حكراً على النخبة».
ويتابع: «في مطلع القرن العشرين، كانت الأوبرا جزءاً من الهواء الذي يتنشقه الناس. ولكن اليوم ما عادت هذه القصص جزءاً من حياة الجمهور». يعتبر البعض انه ليس من الضروري أن تكتسي التغيّرات طابع الحداثة فقد قام كينيث باي مثلاً، وهو متقاعد من جامعة كاليفورنيا، في سانتا باربا، بأقلمة أوبرا كونتشيوي وهي من أقدم عروض أوبرا بكين وعبارة عن إنتاج ضخم مدته تسع ساعات جال بها عبر الصين وأداها أمام الجماهير التي اشترت التذاكر جميعها مسبقاً في أربع جامعات حكومية في كاليفورنيا.
يذكر أنّ الأوبرا التي ألّفها باي توظف ممثلين شبان وتستند إلى قصة رومنسية لاجتذاب الجماهير». ويضيف: «على هذا الفن أن يتغير ليتمكن من البقاء».
تعود أوبرا بكين إلى أواخر تسعينات القرن الثامن عشر خلال عهد سلالة كينغ في الصين، حين توجهت الأنظار إلى فن جاء ليشكل مزيجاً من الحركات المنسقة والغناء والحوار والتمثيل والرقص البهلواني.
ترفيه
على مدى أجيال ظل المسرح مجال العمل الوحيد للرجال الذين كانوا يؤدون أيضاً أدواراً نسائية. ولكن في العقود الأخيرة، سُمح للنساء باعتلاء خشبة مسرح الأوبرا.
ولانها وسيلة الترفيه المفضلة لدى الصينيين قبل قيام ثورة العام 1949، تمكنت الأوبرا من البقاء خلال العهد الشيوعي عندما وُصف معظم المشاركين فيها على أنهم نموذج للثوار. وبقيت الموسيقى هي نفسها ولكن عوضاً عن الناس الجميلي المظهر ورجال الفكر جسّدت الشخصيات أبطالاً شيوعيين.
بالنسبة إلى كيو جيرونغ، تمثل الأوقات العصيبة التي مرت بها الأوبرا مزيجاً من الحلاوة والمرارة. يكسب جيرونغ قوته من الأوبرا، لكن هذا الرجل النحيل بملامحه الدقيقة يفضل الرقص الحديث كالهيب هوب والمغني مايكل جاكسون على النغمات المملة التي يشتمل عليها فنه.
كان جدّ كيو شينغرونغ مؤدياً بارزاً حتى وفاته في العام 1971، وبعد وفاة والده إثر إصابته بسرطان الرئة عن 39 عاماً، ضغطت والدته عليه للاستمرار بهذا الإرث العائلي. وقد بكى مرةً عندما رأى والده يزين وجهه قبل أداء أحد العروض لأنّ تبرّجه بدا مخيفاً. وفي التاسعة من عمره دُفع إلى المسرح بأزياءٍ مزينة: «على الشاب أن يصغي إلى قلبه عوضاً عن إثقال كاهله بقصص الوفاء العائلي».
يعتبر كيو حياته مجرّد مأساة: فهو يجني 100 دولار أسبوعياً رغم التدريب الكلاسيكي الذي حصل عليه. ويعتقد أن عدداً كبيراً من الناس يرونه كمتطفلٍ أكثر منه كفنان.
في إحدى الليالي، وضع تبرجه قبل العرض في مسرح فندق من الدرجة الثانية. وقد سمح مديرو الفندق للجمهور الأجنبي بالتنزه في غرفة تبديل الملابس.
أسد في قفص
ضحك هؤلاء والتقطوا صوراً له ولممثلين آخرين. يقول بحزن: «شعرت كأنني أسد في قفص».
يعلم كيو أنّ معظم الجمهور يفتقر الى ذوق رفيع يجعله يدرك مدلولات الأوبرا الثقافية، فيسمع كثيرون الغناء كمجرّد ضجة صاخبة. ويعرف كذلك أنّ الجمهور الأجنبي هو خشبة خلاصه، فالصينيون لن يقبلوا بدفع 10 إلى 300 دولار لمشاهدة عرض حي للأوبرا، وقد منحت الحكومة تذاكر مجانية لعرض أوبرا في قاعة الشعب الكبرى ذات مرة ولم تمتلئ إلا 40 بالمئة من المقاعد!
ويضيف: «حتى أصدقائي لا يشترون التذاكر، يحضرون إذا كان العرض مجانياً، وحتى في هذه الحال لا يأتون في معظم الأحيان». لدى كيو شكوكه الخاصة في ما يتعلق بدوره في الأوبرا.
ويتساءل لمَ عليه أن يعيش كظل لأجداده؟ فهو يرتدي الأزياء التي ارتداها أجداده ويغني الأغنيات التي تعود إلى الحقبة ذاتها. وفي كلّ يوم تقريباً يناضل ليستنهض حماسته ويقصد المسرح. يريد التوقف عن ذلك. لكنه يشعر بالعبء الثقافي الملقى على عاتق فتى صيني الذي يدفعه إلى النزول عند رغبات والدته. إنه يحترم هذا الفن لكنه لا يحبه. ويقول: «أوبرا بكين هي عملي. لست شغوفاً بها كما هي الحال بالنسبة إلى الأشياء الأخرى التي أحبها لكني ما زلت أشعر بشيء ما تجاهها».

ليست هناك تعليقات: