السبت، 9 فبراير 2008

هدية الصين إلى أوروبا ربط عملتها بالدولار!

صحيفة الاقتصادية السعودية
ميلفين كراوس
إنه لمن الخطأ أن يغضب الأوروبيون من الصين لأن ربطها عملتها بالدولار الأمريكي كان سبباً في رفع قيمة اليورو في مقابل أغلب العملات في أسواق صرف العملات الأجنبية. بل ينبغي عليهم أن ينظروا إلى مسألة ربط العملة هذه باعتبارها هدية قيمة.
ففي نيويورك والمدن الأمريكية الأخرى، انغمس المتسوقون الأوروبيون في فورة من الشراء، بعد أن أصبح بوسعهم أن يتمتعوا بالقوة الشرائية المعززة لليورو في الخارج.
كما ساعد ربط الصين عملتها بالدولار الأمريكي في تحول اليورو إلى عملية احتياطية مهمة، تنافس الدولار. ونتيجة لهذا تتدفق الاستثمارات الآن على أوروبا من أنحاء العالم كافة.
الحقيقة أنه كان من المتوقع أن يكون لربط عملية الصين بالدولار هذا التأثير. فقد اضطرت الصين إلى تكديس كميات ضخمة من الدولارات الأمريكية سعياً إلى تثبيت عملتها، الأمر الذي أعطى اليورو دفعة إضافية مع انخفاض قيمة الدولار.
والآن تسعى الصين ودول أخرى، في محاولة لحماية نفسها من انحدار الدولار، إلى تحويل قسم من احتياطياتها المكدسة من الدولار إلى اليورو. وطبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فقد ارتفعت حصة اليورو في احتياطيات العملات الأجنبية إلى 26.4 في المائة أثناء الربع الثالث من عام 2007، مقارنة بـِ 25.5 في المائة أثناء الربع الثاني من عام 2007، و24.4 في المائة أثناء الربع الثالث من عام 2006.
إن تحول اليورو إلى عملة احتياطية رئيسية يمنح اقتصاد منطقة اليورو عدداً من المزايا الاقتصادية المهمة. وينبغي للأوروبيين أن يكونوا شاكرين للصين التي لعبت دوراً في هذا بربطها عملتها بالدولار.
بطبيعة الحال، بات من المتوقع أن ترتفع استثمارات الصين في أوروبا إلى حد كبير مع المدد المتعاظم من اليورو. وهو أمر طيب، خاصة أن الصين قد أظهرت أن في الولايات المتحدة ميلاً إلى الاستثمار في المؤسسات المالية المتعثرة بسبب أزمة الرهن العقاري الثانوي. وأوروبا لديها وفرة من تلك المؤسسات.
حتى الآن كان أضخم استثمار صيني في أوروبا في الشركة المالية البلجيكية "فورتيس إن. في"، حيث اشترت شركة "بنج آن للتأمين" أخيرا 4.2 في المائة من أسهمها، فأصبحت أكبر حامل للأسهم في هذه الشركة. كما استثمر بنك التنمية الصيني في بنك "باركليز" سعياً إلى دعم عطائه لشراء بنك "إيه بي إن آمرو"، وهو العطاء الذي ساعد ذلك البنك الهولندي، على الرغم من فشله، في الحصول على القيمة الكاملة لأصوله.
كل هذا مجرد بداية. وتتوقع شركة ميريل لينش أن تنمو صناديق الاستثمار التي تديرها الدولة إلى 7.9 تريليون دولار أمريكي من أصل 1.9 تريليون الآن، مع تراكم الاحتياطيات من العملة في دول مثل الصين.
كما كان ربط عملة الصين بالدولار الأمريكي مفيداً لأوروبا في كفاحها من أجل السيطرة على التضخم، بينما تظل سياستها النقدية مقيدة بأزمة الرهن العقاري الثانوي. وفيما يتصل بالوقاية من التضخم، يقدر الخبراء أن ارتفاع قيمة اليورو على النحو الحالي يعادل رفع سعر أسعار الفائدة نحو 35 نقطة أساسية. لقد ساعد اليورو القوي في وقاية أوروبا من التأثيرات المترتبة على الارتفاع الهائل في أسعار النفط والسلع والخدمات، التي يتم تقديرها بالدولار في أسواق العالم.
من المفترض أن يكون التأثير السلبي الوحيد لربط عملة الصين بالدولار هو في مجال الصادرات الأوروبية. وهذا هو السبب الذي جعل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وغيره من كبار المسؤولين الرسميين الأوروبيين يهرولون إلى الصين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ـ وهو السبب نفسه الذي يجعل العديد من المواطنين الأوروبيين يتصورون أن الصين لا تلتزم بقواعد اللعب النـزيه.
هذه هي العقلية النـزَّاعة إلى الحماية في أصدق صورها. فما الذي يمنح الصادرات هذه الأهمية الخاصة؟ وما الذي يجعلها أكثر أهمية من الواردات الرخيصة أو الصفقات الطيبة التي يحصل عليها المتسوقون الأوروبيون في نيويورك على سبيل المثال؟ وهل ينبغي لأوروبا أن تتخلى عن كل المزايا المترتبة على ربط عملة الصين بالدولار لمجرد تسبب ذلك الربط في ارتفاع تكاليف الصادرات الأوروبية؟ كلا بكل تأكيد!
يتعين علينا هنا أن نلاحظ أن الرئيس الفرنسي ساركوزي هو الذي ذهب إلى الصين ليحتج على ربط عملتها بالدولار، ولم تفعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل مثله. ذلك أن الصادرات الألمانية لم تتضرر بصورة ملموسة بسبب قوة اليورو، الحقيقة أن تكاليف الصناعة الألمانية قادرة على التنافس إلى الحد الذي يجعل صادراتها تتمتع بالثقة في قدرتها على التأقلم مع اليورو القوي حتى إذا ما بلغ سعره 1.50 دولار أمريكي أو تجاوز ذلك.
وهذا لا يصدق بالنسبة لفرنسا. إلا أن الحل واضح: فما على فرنسا إلا أن تعمل على تخفيض تكاليف صناعتها فتصبح هي أيضاً قائدة للتأقلم مع اليورو القوي.
في خلاصة الأمر، نستطيع أن نقول إن بلدان أوروبا كافة قادرة على تخفيض تكاليف صناعتها إذا ما كانت راغبة في صيانة القدرة التنافسية لصادراتها. فالصينيون لن يغيروا نظام تحديد سعر الصرف، الذي يستند إلى دوافع استراتيجية واقتصادية، فقط لأن الأوروبيين غير راضين عن ربط عملة الصين بالدولار.
لقد منحت الصين الأوروبيين هدية، وينبغي لهم أن يكونوا شاكرين، بدلاً من إصرارهم الأحمق على أن تسترد الصين هديتها إليهم.

ليست هناك تعليقات: