الاثنين، 3 مارس 2008

أولمبياد بكين" حرب خفية بين الصين والولايات المتحدة

موقع محيط الإخباري
خالد زلط
الخطة في الرياضة تكتيكية وفي السياسة إستراتيجية لمن تكون الغلبة ، سؤال بدأ يطرح نفسه فى الاونة الاخيرة مع تصاعد حدة الابتزاز والضغوط التى بدأت تمارسها الولايات المتحدة وحلفائها من الغرب على الصين من أجل "تسييس" دورة الالعاب الاولمبية والتى تستضيفها بكين فى الفترة من 8 إلى 24 أغسطس 2008.
وتقوم الخارجية الصينية حاليا بجهود مضنية ومكثفة لحين انطلاق الدورة من أجل كسب الرأى العام حول موقفها السياسى فى السودان وذلك بعد تعرضها لانتقادات حادة ولاذعة ، بدعوى أنها تعرقل جهود المجتمع الدولي لإرسال قوات حفظ سلام إلى إقليم دارفور، بعدما اشترطت موافقة الخرطوم أولاً قبل إرسال هذه القوات.
ولعل ما دفع الخارجية الصينية للقيام بهذه الجهود المضنية هما شئين اساسيين اولهما تزايد الحملات التى تشنها بعض منظمات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية، والتى تدعو إلى مقاطعة "أولمبياد بكين 2008"، بسبب موقف السياسى ، ازاء الاقليم.
وقد تعدى الامر أكثر من ذلك عندما قامت سيجولين روايال المرشحة السابقة فى غمرة السباق الانتخابي على الرئاسة في فرنسا، ، بضرورة مقاطعة الدورة الاولمبية ، إن لم تغير الصين موقفها من الأحداث الجارية في إقليم دارفور السوداني.
ثانيا الهدف التى تسعى اليه الصين وهو تحطيم الرقم القياسي السابق لدورة لوس انجليس عام 1984 من حيث أرباح الاولمبياد ، والذى بلغ 220 مليون دولار ، حيث قامت بجهودا كبيرة فى السنوات الماضية لهذا الغرض في مجالات البنية التحتية ،وبناء المواقع والملاعب الرياضية والتنمية الاجتماعية.
ولم تقف الصين مكتوفة الايدى ازاء تلك المحاولات بل جاء الرد قاسيا عندما أكد وزير الخارجية الصيني يانج جيتشي، في تصريحات للصحفيين، عقب مباحثات نظيرته البريطانية مارجريت بيكيت، قائلا "هناك البعض ممن يحاولون تسييس الألعاب الاولمبية"، إلا أنه أضاف قائلاً: "إنهم لن يتمكنوا أبداً من تحقيق أهدافهم أو مصالحهم التي يسعون إليها."
بداية الحملة الامريكية على الصين
الحملة الشرشة على الصين من قبل الحكومة الامريكية بدأت عندما طالبت الاخيرة شريطة مشاركتها فى الاولمبياد الموافقة على بعض المطالب والتى جاءت على النحو التالى ، وهو عمل حكومة بكين على إنهاء التوتر في شبه الجزيرة الكورية بممارسة ضغوط من بكين على كوريا كي تفكك برنامجها النووي.
هذا المطلب الأمريكي الذي طالما حلمت به الولايات المتحدة تحول فى يوم وليلة الى واقع حقيقى بعدما بدأت لجنة فنية بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة والصين لتفكيك المفاعل الذري في كوريا الشمالية والذي مكنها من دخول النادي الذري منذ عامين.
ومن ضمن الضغوط التى مارستها الولايات المتحدة على الصين هى مطالبتها لها بعدم مساعدة نظام الحكم في بورما الذي يمارس القتل ضد معارضيه وصدر مؤخرا تقرير حقوق الإنسان من الخارجية الأمريكية يدين الممارسات التي تقوم بها حكومة بكين ضد الأقليات خاصة الإسلامية في الشمال الغربي والبوذيين في التبت.
وكانت أخر المطالب الامريكية لحكومة بكين يتمثل فى التوقف عن دعمها لإيران في برنامجها النووى ،ومنع معارضة المطلب الأمريكي بتوجيه قوات دولية إلى دارفور ، لكن الصين الى الان مازالت صامدة على موقفها الداعم لحوكة الخرطوم.
بينما تمثلت مطالب الدول الأوروبية بمطالب بكين بأحترام حقوق الإنسان ووقف الرقابة على أجهزة الإعلام والتزام الحكومة الصينية بحماية حقوق الملكية الفكرية، ومنع القرصنة التي ترتكبها شركات صينية وتحريك سعر العملة الوطنية لرفع أسعار المنتجات التي تغزو الأسواق الأوروبية وتهدد صناعاتها المحلية.
هل يتحول حلم الاولمبياد إلى كابوس
سؤال بدأ يتردد كثيرا فى الصين حاليا بعد التقارير التى سربتها أحدى الصحف فى الفترة الاخيرة عن عزم الولايات المتحدة مقاطعة الأولمبياد ، على غرار ما حدث فى أولمبياد موسكو عام 1980 ، عندما أصدر الرئيس الراحل رونالد ريجان قرار بمقاطعة الدورة عقب الغزو السوفيتى لأفغانستان وهو ما ادى بدوره الى تحويل حلم روسيا الاتحاد السوفيتى إلى كابوس بعدما ظلوا طيلة اربع سنوات يجهزون لهذا الحدث الكبير.
كل هذا جعل القلق يتسرب الى اللجنة المنظمة للدورة وهو ما ظهر واضحا فى التأخر في تنفيذ أغلب المنشآت الستة عشر التي ستشهد المسابقات الرياضية في المجالات المختلفة خاصة فى استاد عش الطائر الذي سيشهد حفل الافتتاح والختام والذى يحتاج بدوره الى عدة أشهر لاستكماله.
سبيلبرج يعتذر عن حفل الافتتاح
لم تكتفِ الولايات المتحدة بالضغط على الصين السياسى بل مارست ضغطا اعلاميا كبير عندما أنسحب المخرج العالمي الأمريكي الشهير ستيفين سبيلبرج من العمل كمستشار فنى للدورة مبررا سبب الانسحاب بأنه أحتجاج رسمي على الموقف الذي تتبعه الصين فى إقليم دارفور السوداني.
وكان سبيلبرج ، والذي يعتبر من عملاقة الإخراج في العالم قد انسحب من الإشراف على حفل الافتتاح بسبب الموقف الصيني الموالى لحكومة الخرطوم ، حيث برر ذلك بأن القوة والطاقة التي سيقوم بها في حفل الافتتاح يجب توجيهها من أجل وضع نهاية للجرائم الوحشية التي ترتكب بحق الإنسانية في دارفور.
ولم يأتِ موقف المخرج الأمريكي مفاجئ للحكومة الصينية ، حيث سبق وأن أعلن سبيلبرج وعددا من نجوم هوليوود أمثال ميا فارو ، وجورج كلوني في أغسطس الماضي تضامنهم مع إقليم دارفور منتقدين في ذات الوقت حكومة الخرطوم ، حيث اعتبروها بأنها السبب الرئيسي في هذه الانتهاكات.
تاريخ علاقة السياسة بالرياضة
لعل أول تدخل بين السياسة والرياضة يعود إلى بدايات تنظيم البطولات الرياضية، فمنذ أقيمت الدورات الأوليمبية احتاجت لقرارات الأباطرة كي تستمر وتأخذ المكانة التي وصلت إليها ، أما كرة القدم نفسها فقد منعت بقرار ملكي وأبيحت بأسلوب مشابه، وفي القرن العشرين كان التدخل بين الجانبين في أوضح صورة؟ فقد تعطلت بطولة كأس العالم ودورة الألعاب الأوليمبية لسنوات بسبب الحربين العالميتين.
كما استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية والغربية لأولمبياد موسكو في سنة 1980.
ورد الروس وحلفاؤهم بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات، ورغم محاسن الرياضة التي أعادت العلاقات بين أميركا والصين عبر دبلوماسية كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأميركية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، رغم كل ذلك فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين الطامحين لاستضافة أولمبياد 2008 بكين.
أما على الصعيد العرب فحدث ولا حرج، فطالما تأجلت دورات عربية بسبب المعاناة من الخلافات السياسية البينية ولطالما تكررت الغيابات والانسحابات بغير سبب، ولطالما تحولت ملاعب الرياضة وقاعاتها إلى فضاءات لتفريغ الاحتقان السياسي العربي، ولطالما تدخلت القرارات والرغبات السياسية في العمل الرياضي واستخدمت الأنشطة الرياضية لغايات شتى مثل التلميع والإلهاء وما شابه ذلك من مفردات.

ليست هناك تعليقات: