صحيفة الخليج الامارتية 16/3/2008
مسعود ضاهر
في تقريرها الأخير الصادر في 11 مارس/آذار ،2008 سحبت الولايات المتحدة الصين عن لائحة وزارة الخارجية “لأسوأ منتهكي حقوق الإنسان بشكل دائم في العالم” وذلك عن العام 2007. وكانت تقارير الخارجية الأمريكية قد أدرجت الصين خلال العام 2006 والأعوام التي سبقته على تلك اللائحة.
في الواقع، لم تهتم الصين بسحب هذا الاتهام لأنها لم تهتم به أصلا عند صدوره، وكانت وسائل الإعلام الصينية تتساءل عن شرعية صدور مثل هذا الاتهام في تقرير سنوي تنشره وزارة الخارجية الأمريكية ويضمن لائحة مطولة بالدول التي تنتهك حقوق الإنسان فيها بشكل ثابت. علماً أن “إسرائيل” والولايات المتحدة هما من أكثر دول العالم في هذا المجال. وذلك باعتمادها سياسة العنف الدموي في العراق، وفلسطين، وأفغانستان، ودول أخرى من العالم. كما أن واشنطن أصدرت قوانين غير أخلاقية تجيز لقواتها انتهاك حريات الأفراد وسيادة الدول من دون أن تخضع لأية رقابة أو محاسبة من جانب مؤسسات الأمم المتحدة. وهي بين قلة من الدول التي ما زالت ترفض التوقيع على اتفاقية “كيوتو” لمكافحة الاحتباس الحراري الذي يقود تدريجياً إلى تصحر الكثير من المناطق وتهديد الأمن الغذائي والبيئي في العالم كله.
لكن الصين حريصة على تطوير الديمقراطية بخصائص صينية، من دون الالتفات إلى الديمقراطية الغربية، خاصة الأمريكية منها. فالإدارة الصينية تعمل على منح المزيد من الحرية المسؤولة لشعبها، وبشكل تدريجي لا يهدد الانتظام العام في أكبر دولة مركزية في العالم، وذات كثافة سكانية تتجاوز المليار والثلاثمائة مليون نسمة.
ففي 15 اكتوبر/تشرين الأول 2007 قدم أمين عام الحزب الشيوعي الصيني “هو جين تاو”، تقريرا بالغ الأهمية إلى المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب، حمل إضافات نوعية في مجال توسيع الحريات الفردية والجماعية على أسس ديمقراطية. فبالإضافة إلى التأكيد على الثوابت المعروفة حول طليعية الطبقة العاملة وحزبها، وبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وفق المقولات الأكثر تقدما في الثقافة الصينية، والدمج بين مبادئ الماركسية - اللينينية، وأفكار ماو تسي تونغ، ونظرية دينغ شياو بينغ كمرشد عملي لقيادة الصين، تضمن التقرير عناوين جديدة ومهمة. فقد نصحت القيادة الشعب الصيني بالمثابرة على مواجهة الوقائع الجديدة بعقول منفتحة وبما يخدم المصالح العليا للدولة والمجتمع في الصين. إلا أن حماية تلك المصالح تحتاج إلى مركزية صارمة بقيادة الحزب الشيوعي لكي تستمر سياسة الانفتاح والإصلاح التي بدأت عام ،1978 وقادت إلى قفزة نوعية في تنمية البلاد بنسبة نمو تراوحت ما بين 7% 10% سنويا من دون انقطاع.
ومع أن الحزب سيستمر منفردا في إدارة دفة الحكم وفق “المركزية الديمقراطية” التي أشار إليها التقرير، إلا أن الدستور الجديد المعدل للحزب بشر الصينيين بمزيد من الإنجازات على قاعدة تخطيط علمي دقيق وعقلاني تم الإعداد له حتى العام 2020 وهو يهدف إلى تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة والرخاء الاجتماعي الشامل للشعب الصيني، في مختلف مناطقه الجغرافية، وقومياته الإثنية والدينية. وأدرج شعار التنمية العلمية في دستور الحزب الذي أوصى بالتغيير السلس فى قيادته. وبدا واضحا أن الصين تمر في مرحلة مصيرية تتطلب الاستمرار في سياسة الإصلاح والتنمية.
وتوقف معظم الباحثين الصينيين حول مفهوم التنمية العلمية، ومواصلة تحرير العقل الصيني من رواسب المراحل السابقة، واستمرار الانفتاح على العالم الخارجي، وحفز التنمية البشرية المستدامة بهدف تعميق التجانس الاجتماعي بين الصينيين، وبناء مجتمع جديد يحقق الأمن والاستقرار في البلاد.
وكان لافتاً للانتباه تمسك قيادة الحزب بأولوية البناء الاقتصادي كنقطة مركزية تخضع لها جميع الشعارات الأخرى. وهي ترى أن الفرصة مؤاتية للتنمية البشرية والاقتصادية، وتنفيذ استراتيجية النهوض بالصين على أساس نشر العلوم الحديثة والتعليم الجيد، وتعزيز ركائز الدولة والمجتمع بالاعتماد على إدارة نظيفة ذات كفاءة عالية لتحقيق التنمية المستدامة، واعتبار العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة قوة الدفع الأساسية للتقدم.
لذلك تمسكت القيادة بمقولة الاستمرار في اقتصاد السوق بخصائص صينية، وبما يتلاءم مع سياسة الانفتاح الشامل على العالم وفق متطلبات عصر العولمة. وبعد أن كانت كلمة الديمقراطية مغيبة عن الوثائق الرسمية الصينية أصبحت في الآونة الأخيرة موضوعا للتداول والمناقشة في المؤتمرات الرسمية. وتجاهلت تماماً تقارير المؤسسات الغربية التي تعنى بشؤون الديمقراطية، وفي طليعتها “منظمة هيومان رايتس ووتش” التي كانت تصف الصين بأنها دولة غير ديمقراطية حتى العام 2006 ثم بدلت موقفها في العام 2007 من دون أن تغير الصين نهجها المتبع سابقا تحت أي ضغط خارجي.
ترى القيادة الصينية أن الديمقراطية هي نتاج التقدم الحضاري للبشرة. وعندما قام الصينيون بثورتهم، كانت الديمقراطية مكتوبة على رايتها. وهي تبني اليوم الاشتراكية بخصائص صينية، ومن سماتها الأساسية دولة غنية، ديمقراطية، حضارية، ومتناغمة. وليس في العالم نمط ديمقراطي قابل للتطبيق في كل مكان وزمان. كما أن الأنماط الأمريكية والأوروبية واليابانية تختلف في ما بينها، وحسب الأوضاع الداخلية لتلك الدول. فتطوير الديمقراطية في كل دولة هي سياسة وطنية تقررها حالة التنمية الاقتصادية والثقافية والتاريخية لكل منها ولا يمكن فرضها بالقوة. لذلك لم تول القيادة الصينية اهتماما يذكر بالانتقادات التي توجه إليها حول رفضها للديمقراطية على النمط الغربي. فهي ترى أن الديمقراطية الحقيقية تكمن في حل مشكلات الشعب الأساسية كالفقر، والجوع، والبطالة، والأمية، والتصحر، وليس بالديمقراطية الشكلية.
وهي تفخر بأنها حققت لشعبها إنجازات كبيرة على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية. وهي في صلب الديمقراطية بخصائص صينية.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق