صحيفة الوقت البحرانية
سِن مينغ شاو ( أستاذ زائر سابق لمادة التاريخ بجامعات برينستون، وكولومبيا، وهارفارد، وأكسفورد)
سِن مينغ شاو ( أستاذ زائر سابق لمادة التاريخ بجامعات برينستون، وكولومبيا، وهارفارد، وأكسفورد)
كان رئيس وزراء تايلاند السابق ثاكسين شيناواترا كريماً حين قرر إنهاء منفاه في هونغ كونغ. ''شكراً لك يا هونغ كونغ لاستضافتي بهذه الحرارة والدفء. إن هونغ كونغ هي المقصد الذي أتمنى أن أتوجه إليه دائماً''. إذا كان ثاكسين صادقاً في كلامه هذا، فلربما كان بوسعه أن يخدم تايلاند بأن يعود إليها وبصحبته القليل من الفضائل التي تتسم بها المدينة التي استضافته. من بين أبرز هذه الفضائل اثنتان: حكومة تتسم بالكفاءة والشفافية وتحمل المسؤولية والطهارة من الفساد إلى حد كبير، واقتصاد مفتوح وتنافسي. مما لا شك فيه أن هونغ كونغ لا تتمتع بالكمال: إذ أن السياسات والعادات المتبعة في البر الرئيس في الصين بدأت في التأثير ببطء على الجزيرة. إلا أن مؤسسة ''الشفافية الدولية''، الوكالة العالمية الأولى في تقدير مستويات الفساد، أعطت هونغ كونغ المرتبة الرابعة عشر بين أكثر المجتمعات خلواً من الفساد في العام .2007 منذ العام 2001 حين أصبح ثاكسين رئيساً للوزراء، وحتى العام 2007 تحت الحكم العسكري، هبط ترتيب تايلاند من حيث مستوى الفساد، من ترتيب هابط بالفعل (61) إلى ترتيب أدنى (84)، الأمر الذي يضع البلاد في الفئة نفسها مع الجابون وسوازيلاند، الدولتين المشهورتين بالزعماء الفاسدين القاسيين الذين لا يتورعون عن وطأ حقوق مواطنيهم بالأقدام.
من المعروف تاريخياً أن القطاع العام في تايلاند مبتلى بالانقلابات العسكرية المتكررة، وتديره مجموعة من الجنرالات والمدنيين الذين يفتقرون إلى الكفاءة إلى حد غير عادي، والذين يحكمون بكل غطرسة في التعامل مع الناس الذين يدفعون لهم لكي يخدمونهم. أما المسؤولية العامة، والشفافية الحكومية، والاستقامة الرسمية فهي مجرد شعارات لا أكثر.
وصِفَت تايلاند ذات يوم بأنها من ''نمور آسيا'' في المستقبل. والحقيقة أن أياً من ''النمور'' الآسيوية ـ سنغافورة، وهونغ كونغ، وتايوان، وكوريا الجنوبية ـ لا تنعم بمثل هذا القدر الذي تنعم به تايلاند من الموارد الطبيعية والأراضي الخصبة. كما عانت جميعها، على النقيض من تايلاند، من الحروب أو النزاعات الداخلية. ومع ذلك فإن أي تحليل سريع يكشف لنا عن الهوة الواسعة بين النمور الآسيوية وبين تايلاند في الأداء الاقتصادي أثناء الخمسين عاماً الماضية.
والسبب وراء ذلك واضح: ألا وهو النوعية المتدنية للحكم في تايلاند. فبينما تسيء شركات الأعمال الصغيرة نسبياً، والمؤسسة العسكرية، والنخبة السياسية إدارة وحكم تايلاند ـ بقدر كبير من الازدراء أحياناً وبسبب الافتقار إلى الكفاءة في أحيان أخرى ـ نجحت دول أخرى في آسيا، بفضل المسؤولين العموميين المتفانين الأكثر كفاءة، في احتلال مكانة تنافسية في العالم المعاصر. فقد ركزت أغلب بلدان آسيا، بما في ذلك الصين، على مواجهة التحديات التي فرضتها العولمة، بينما سارع أهل النخبة في تايلاند إلى حماية اقتصاد البلاد سعياً إلى خدمة مصالحهم الضيقة. وعلى هذا، فإن تايلاند تحتل دوماً مرتبة متدنية بين بلدان العالم في التصنيف السنوي الذي تقدمه مؤسسة التراث للدول فيما يتصل بمدى حرية اقتصادها وقدرته على المنافسة. ففي العام 2007 احتلت تايلاند المرتبة الرابعة والخمسين، مقارنة بالمرتبتين الأولى والثانية لهونغ كونغ وسنغافورة على التوالي. أما تايوان فقد احتلت المرتبة الخامسة والعشرين، وكوريا المرتبة الحادية والأربعين.
إن المرتبة المتدنية نسبياً التي احتلتها كوريا تعكس ضم كوريا الشمالية إليها في التصنيف. بيد أن الكثير من شركات كوريا الجنوبية، مثل سامسونغ، وهيونداي، أصبحت من بين الأسماء العالمية التي تنافس بنجاح في مواجهة أسماء أكثر رسوخاً، مثل سوني وهوندا.
إن كوريا الجنوبية تُـعَد مثالاً تحتذي به الدول الفقيرة التي لا تتمتع بأي موارد طبيعية في التحول إلى اقتصاد ناجح على المستوى العالمي. كانت الصين منذ ثلاثين عاماً تحتل مرتبة القاع في التصنيف، إلا أنها بالمعدل الحالي تستطيع أن تسبق تايلاند قريباً. ففي الكثير من القطاعات الرئيسة، مثل الخدمات المالية وبيع التجزئة، أصبحت الصين أكثر انفتاحاً من تايلاند. فضلاً عن ذلك فإن جودة الطرق والاتصالات في الصين تجعلها متفوقة بصورة واضحة على تايلاند، حيث الشوارع غير المستوية التي تفتقر إلى الصيانة، وحيث خدمات الإنترنت البطيئة المكلفة. وعلى نحو مماثل، نجحت الصين في تحسين جامعاتها، حتى أصبحت ثلاث منها مرشحة في المستقبل القريب للانضمام إلى أفضل عشر جامعات على مستوى العالم. فمن دون التعليم الجيد لن يتسنى لأي دولة أن تبني قوة عمل جيدة، ومن دون قوة عمل جيدة فلا يجوز لأي دولة أن تحلم بالمنافسة في عالم حيث بات من المستحيل وقف مسيرة العولمة. وفي هذا السياق، تضخ الحكومة الصينية الأرصدة العامة، بينما يصب الخريجون من الأثرياء الأموال الخاصة، على غرار الخريجين القدامى في الجامعات الأميركية. وفي المقابل نجد أن الحكومة وأهل النخبة في تايلاند يرضون لبلادهم أن تظل دولة ريفية محصنة ضد المنافسة العالمية في مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا. حتى أن أصحاب الأعمال الأجانب ينفرون من نوعية التعليم الرديئة في تايلاند، حيث لا يحصل الخريجون إلا على أقل القليل من إتقان اللغات أو المهارات التحليلية.
إن المنافسة ليست لعبة يتساوى فيها المكسب مع الخسارة. والنجاحات التي أحرزتها هونغ كونغ، وسنغافورة، والصين، وكوريا الجنوبية، لابد وأن تخدم كأداة قوية لتذكيرنا بأن تايلاند تمتلك إمكانيات عظيمة، إذا ما كف أهل النخبة فها عن التصرف وكأنهم أطفال مدللون يمارسون لعبة لا يُسمح لغيرهم بالفوز بها. إن ثاكسين يمتلك من المؤهلات ما يسمح له بخدمة تايلاند على أفضل وجه. فهو واحد من الساسة النادرين في البلاد الذين يفهمون الاقتصاد، ويعرفون كيف يسخرون الحكومة في خدمة المصلحة العامة. في حياته الحديدة كرجل ''غير سياسي''، يستطيع ثاكسين أن يحمل الكثير من أصدقائه من رجال الأعمال والساسة على وضع تايلاند على مسار جديد، من شأنه أن يساعد البلاد في التحول إلى ''شبه نمر''. وإلا فإن التاريخ سوف يكون أشد قسوة في الحكم عليه. والخيار له.
من المعروف تاريخياً أن القطاع العام في تايلاند مبتلى بالانقلابات العسكرية المتكررة، وتديره مجموعة من الجنرالات والمدنيين الذين يفتقرون إلى الكفاءة إلى حد غير عادي، والذين يحكمون بكل غطرسة في التعامل مع الناس الذين يدفعون لهم لكي يخدمونهم. أما المسؤولية العامة، والشفافية الحكومية، والاستقامة الرسمية فهي مجرد شعارات لا أكثر.
وصِفَت تايلاند ذات يوم بأنها من ''نمور آسيا'' في المستقبل. والحقيقة أن أياً من ''النمور'' الآسيوية ـ سنغافورة، وهونغ كونغ، وتايوان، وكوريا الجنوبية ـ لا تنعم بمثل هذا القدر الذي تنعم به تايلاند من الموارد الطبيعية والأراضي الخصبة. كما عانت جميعها، على النقيض من تايلاند، من الحروب أو النزاعات الداخلية. ومع ذلك فإن أي تحليل سريع يكشف لنا عن الهوة الواسعة بين النمور الآسيوية وبين تايلاند في الأداء الاقتصادي أثناء الخمسين عاماً الماضية.
والسبب وراء ذلك واضح: ألا وهو النوعية المتدنية للحكم في تايلاند. فبينما تسيء شركات الأعمال الصغيرة نسبياً، والمؤسسة العسكرية، والنخبة السياسية إدارة وحكم تايلاند ـ بقدر كبير من الازدراء أحياناً وبسبب الافتقار إلى الكفاءة في أحيان أخرى ـ نجحت دول أخرى في آسيا، بفضل المسؤولين العموميين المتفانين الأكثر كفاءة، في احتلال مكانة تنافسية في العالم المعاصر. فقد ركزت أغلب بلدان آسيا، بما في ذلك الصين، على مواجهة التحديات التي فرضتها العولمة، بينما سارع أهل النخبة في تايلاند إلى حماية اقتصاد البلاد سعياً إلى خدمة مصالحهم الضيقة. وعلى هذا، فإن تايلاند تحتل دوماً مرتبة متدنية بين بلدان العالم في التصنيف السنوي الذي تقدمه مؤسسة التراث للدول فيما يتصل بمدى حرية اقتصادها وقدرته على المنافسة. ففي العام 2007 احتلت تايلاند المرتبة الرابعة والخمسين، مقارنة بالمرتبتين الأولى والثانية لهونغ كونغ وسنغافورة على التوالي. أما تايوان فقد احتلت المرتبة الخامسة والعشرين، وكوريا المرتبة الحادية والأربعين.
إن المرتبة المتدنية نسبياً التي احتلتها كوريا تعكس ضم كوريا الشمالية إليها في التصنيف. بيد أن الكثير من شركات كوريا الجنوبية، مثل سامسونغ، وهيونداي، أصبحت من بين الأسماء العالمية التي تنافس بنجاح في مواجهة أسماء أكثر رسوخاً، مثل سوني وهوندا.
إن كوريا الجنوبية تُـعَد مثالاً تحتذي به الدول الفقيرة التي لا تتمتع بأي موارد طبيعية في التحول إلى اقتصاد ناجح على المستوى العالمي. كانت الصين منذ ثلاثين عاماً تحتل مرتبة القاع في التصنيف، إلا أنها بالمعدل الحالي تستطيع أن تسبق تايلاند قريباً. ففي الكثير من القطاعات الرئيسة، مثل الخدمات المالية وبيع التجزئة، أصبحت الصين أكثر انفتاحاً من تايلاند. فضلاً عن ذلك فإن جودة الطرق والاتصالات في الصين تجعلها متفوقة بصورة واضحة على تايلاند، حيث الشوارع غير المستوية التي تفتقر إلى الصيانة، وحيث خدمات الإنترنت البطيئة المكلفة. وعلى نحو مماثل، نجحت الصين في تحسين جامعاتها، حتى أصبحت ثلاث منها مرشحة في المستقبل القريب للانضمام إلى أفضل عشر جامعات على مستوى العالم. فمن دون التعليم الجيد لن يتسنى لأي دولة أن تبني قوة عمل جيدة، ومن دون قوة عمل جيدة فلا يجوز لأي دولة أن تحلم بالمنافسة في عالم حيث بات من المستحيل وقف مسيرة العولمة. وفي هذا السياق، تضخ الحكومة الصينية الأرصدة العامة، بينما يصب الخريجون من الأثرياء الأموال الخاصة، على غرار الخريجين القدامى في الجامعات الأميركية. وفي المقابل نجد أن الحكومة وأهل النخبة في تايلاند يرضون لبلادهم أن تظل دولة ريفية محصنة ضد المنافسة العالمية في مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا. حتى أن أصحاب الأعمال الأجانب ينفرون من نوعية التعليم الرديئة في تايلاند، حيث لا يحصل الخريجون إلا على أقل القليل من إتقان اللغات أو المهارات التحليلية.
إن المنافسة ليست لعبة يتساوى فيها المكسب مع الخسارة. والنجاحات التي أحرزتها هونغ كونغ، وسنغافورة، والصين، وكوريا الجنوبية، لابد وأن تخدم كأداة قوية لتذكيرنا بأن تايلاند تمتلك إمكانيات عظيمة، إذا ما كف أهل النخبة فها عن التصرف وكأنهم أطفال مدللون يمارسون لعبة لا يُسمح لغيرهم بالفوز بها. إن ثاكسين يمتلك من المؤهلات ما يسمح له بخدمة تايلاند على أفضل وجه. فهو واحد من الساسة النادرين في البلاد الذين يفهمون الاقتصاد، ويعرفون كيف يسخرون الحكومة في خدمة المصلحة العامة. في حياته الحديدة كرجل ''غير سياسي''، يستطيع ثاكسين أن يحمل الكثير من أصدقائه من رجال الأعمال والساسة على وضع تايلاند على مسار جديد، من شأنه أن يساعد البلاد في التحول إلى ''شبه نمر''. وإلا فإن التاريخ سوف يكون أشد قسوة في الحكم عليه. والخيار له.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق