الجمعة، 11 أبريل 2008

الألعاب الأولمبية تتحول إلى مصدر قلق للصين

صحيفة الاقتصادية السعودية
جديون راتشمان
رحلة الشعلة الأولمبية إلى أولمبياد بكين تهدد بأن تتحول من رحلة نصر إلى سباق إذلال. فقد تدفق المحتجون كأسراب الحشرات على الشعلة الأولمبية.
إشعال الشعلة في أثينا تم بطريقة مرتجلة بدرجة كبيرة. وتطلب الأمر اتخاذ إجراءات أمنية مكثفة لإبعاد المتظاهرين المؤيدين لأهالي التبت. ويمكن أن تسوء الأوضاع خلال نهاية هذا الأسبوع، عندما تصل الشعلة إلى لندن لتتم تحيتها بمزيج قابل للاشتعال من الشرطة والمتظاهرين والطلاب الصينيين الوطنيين. وثمة مشاكل مرتقبة في النقاط الموجودة على الطريق المؤدي إلى حفل افتتاح الدورة الأولمبية في آب (أغسطس) تشمل سان فرانسسكو ونيودلهي، وهناك أيضا الرحلة عبر التبت نفسها. والنقطة الوحيدة في رحلة الشعلة الأولمبية التي يمكن أن نضمن عدم وجود مظاهرات شعبية فيها هي بكين.
هل بدأت الحكومة الصينية تندم على فوزها باستضافة الدورة الأولمبية في بكين؟ فالألعاب قصد منها أن تكون بمثابة حفل استعراض للصين الجديدة – بحيث تلعب دوراً مماثلاً لدور أولمبياد طوكيو عام 1964 وأولمبياد سيئول عام 1988.
ولسوء الطالع بالنسبة للصين، فإن النظير الذي يقفز بسرعة متزايدة إلى الذاكرة ليس هو طوكيو أو سيؤول – وإنما أولمبياد برلين عام 1936. ولا نريد بذلك أن نقول إن الحكومة الصينية تمثل النازيين في العصر الحالي، لأن أي مقارنة من هذا النوع تعتبر مقارنة شاذة.
هناك تشابه بين دورة ألعاب برلين وبكين لأسباب أخرى. فالصين قوة – مثل ألمانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي. وخلال 20 عاماً من المرجح أن يكون لديها أكبر اقتصاد في العالم. ونهضة الصين – مثل نهضة ألمانيا في الثلاثينيات – تعيد تشكيل النظام العالمي. لذا، المقارنة مع أولمبياد طوكيو وسيئول لا تعبر عن الأثر السياسي لألعاب بكين. فالصين الجديدة أكبر بكثير من أن تكون مجرد آخر وأكبر اقتصاد في اقتصاديات النمور الآسيوية.
إن دورة الألعاب في بكين ستكون معبأة بقدر كبير من الرمزية السياسية. فالمعركة بين الولايات المتحدة والصين على احتلال أعلى قائمة الميداليات في بكين ستكون معركة شرسة لأسباب ليس لها علاقة كبيرة بالرياضة. (ونسجل هنا حقيقة، وهي أن ألمانيا احتلت المركز الأول في قائمة الميداليات عام 1936).
الحكومة الصينية تحب أن تكون الألعاب بمثابة احتفال بالصين الجديدة. ويوجد الكثير مما يستحق الاحتفال به. فخلال الجيل السابق تم إخراج أكثر من 300 مليون صيني من دائرة الفقر. والصينيون العاديون أصبحت لديهم فرص وحريات لم يكن من الممكن تخيل وجودها إبان الثورة الثقافية. وبقية العالم أصبح يستفيد من المشاريع والاستثمارات الصينية.
لكن قوة الصين المتنامية خلقت قلقاً أيضاً. وهذا سيكون أمراً واقعاً حتى إذا كان لدى الصين نظام ديمقراطي أنموذجي. فالقوى العظمى ينتابها إحساس بالضيق والامتعاض لسبب بسيط، وهو حجمها. وحتى بعض حلفاء أمريكا أصيبوا بالإحباط من الهتافات التي كانت تردد اسم "الولايات المتحدة" في أولمبياد لوس أنجلوس وأتلانتا.
لكن الصين ليست مجرد قوة عظمى ناشئة. فهي أيضاً دولة استبدادية تسودها نزعة قومية ويحكمها حزب واحد. هذه المخاوف كان يمكن أن تتوارى تحت حفاوة الاستقبال، لو أن ألعاب بكين لم تصبح مصدراً للاحتجاج على الحكومة الصينية. لكن العنف في التبت – والاحتجاجات العالمية التي أعقبته – قضت على أي أمل في أن تخلو الألعاب من البعد السياسي.
وتعلق الحكومة الصينية كل آمالها في إمكانية احتواء الاحتجاجات المحيطة بالألعاب الأولمبية. والعديد من الحكومات الغربية ستنضم إليها بهدوء في التعلق بتلك الآمال. وإذا تزايدت الاحتجاجات وأصبحت قوية – وقوبلت بقمع عنيف – فإن الحكومات الغربية ستواجه مأزقاً يذكر بالمأزق الذي حدث في الألعاب الأولمبية في برلين.
وهم (الحكومات الغربية) لا يرغبون في معاداة مستضيفيهم. لكن في أي مرحلة من المراحل يمكن أن يعتبر غض الطرف عن السياق السياسي الذي تجرى فيه الألعاب الأولمبية تصرفاً ينم عن جبن أخلاقي وتواطؤ؟ الحقيقة المتمثلة في أن جورج بوش قبل على نحو غير حكيم دعوة لحضور الألعاب الأولمبية في بكين سيجعل من المستحيل على الأمريكيين التدخل في الخلافات السياسية التي تحيط بالألعاب.
والرغبة في الابتعاد عن المشاجرات الرمزية مع الصين حول الألعاب الأولمبية، هو على كل حال، أمر مفهوم. وأي مجهود غربي "للتشويش" على الألعاب الأولمبية سيصب في مصلحة أكثر العناصر هوساً بالنزعة القومية في المجتمع الصيني. وسيتم استغلاله لكسب التأييد للقصص التي يقصد بها استدرار العطف، وهي قصص ظل الغرب على الدوام يستخدمها لكبح الصين وإذلالها. ووسط هذا الصخب والضجيج في الصين، ستضيع الأصوات التي تدعو للانفتاح والصداقة مع الشعوب.
لكن الأمر ليس متروكاً للغرب ليختار تفادي المواجهة. فالحكومة الصينية لا تستطيع تحمل الاكتفاء فقط بالشكوى والتهديد والوعيد عندما تتفاقم الأحداث.
الصين تريد من العالم أن يحتفل بنهضتها باعتبارها دولة حديثة ذات منهج واقعي في التعامل وذات حركة ديناميكية. لكن في لحظات الشدة – أو عندما تتم إثارة مواضيع مثيرة للأعصاب مثل التبت وتايوان – فإن الصينيين يمكن أن يرتدوا إلى أسوأ أنواع الخطاب السياسي الذي كان سائداً في فترة الثورة الثقافية. ما الذي يقصد بقية العالم أن يفعله إزاء التصريح الذي يصف الدلاي لاما بأنه "وحش بوجه بشر وقلب حيوان"؟ هذه اللغة الفظة وغير المرنة تعبر عن سياسات فظة وغير مرنة تجاه تايوان والتبت – تقوم على التهديد والقوة العسكرية.
إن الافتقار إلى الحوار في الصين حول سياسة الحكومة في هذه المسائل أمر يدعو إلى القلق أيضاً. فوجود إجماع على الالتفاف حول النزعة القومية في بلاد يبلغ عدد سكانها أكثر من مليار نسمة بالكاد تجعل الأجانب يشعرون بالاطمئنان.
فإذا كان لدى الحكومة الصينية نظرة صادقة إلى الأمام وكانت واقعية، فستستغل الضجة التي أثيرت حول الألعاب الأولمبية التي تجرى في بكين باعتبارها فرصة لتشجيع الحوار والانفتاح السياسي. أما الارتداد إلى النزعات القديمة والسياسات القديمة فسيتسبب في كارثة علاقات عامة في بكين هذا الصيف.

ليست هناك تعليقات: