الخميس، 3 أبريل 2008

منشد ملحمة تبتية لا يغير لحنه

وكالة أنباء الصين الجديدة ـ شينخوا
ستظل اسطورة ملحمة الملك جسار تنتقل من جيل الى جيل حتى اذا اصبحت الخيول السابقات خشبا ذابلا واختفت الجبال المغطاة بالثلوج وجفت الانهار وفقدت الشمس والنجوم تألقها.
يشرق وجه سامتشوب المملوء بالتجاعيد وناتىء العظام بيما يغنى ويحكى تلك الملحمة على غرار الالياذة والاوديسة، التى تتوج الادب الشعبى التبتى.
يعانى سامتشوب البالغ من العمر 86 عاما من ضعف البصر والسمع. ولكن الرجل الذى يرتدى نظارات كبيرة يمكنه ان ينشد بلا توقف عندما يكون فى حالة مزاجية جيدة وهو يحمل مسبحة فى يد وعجلة الصلاة فى الاخرى. اكمل سامتشوب الذى يعد احد اكثر من 150 من منشدى ملحمة الملك جسار الذين مازالوا على قيد الحياة، تسجيل 45 نشيدا من الملحمة و30 مطبوعة فى حملة البلاد المستمرة منذ ثلاثة عقود للحفاظ على الملحمة التبتية ذات المليون بيت، التى ترجع الى 1000 عام.
تحكى الملحمة التى تعتبر الاطول فى العالم، كيف هزم ملك تبتى نصف انسان ونصف اله الاشرار من قبائل اخرى وسعى للحصول على مساعدة المواطنين عاديين.
ويتجلى سامتشوب فى تألق الملحمة بينما ينشد أغانيها وييحكى اساطير حياته الشخصية فى منزله فى ضواحى لاسا.
" الله علم المنشد البارع"
ومثل جميع المنشدين التبتيين الاخرين، فان مهارات سامتشوب مكتسبه او بالاحرى مما " علمه الله".
ولد سامتشوب فى اسرة رحالة فى تشامدو، كان راعيا عاديا ولم يتعلم ابدا القراءة او الكتابة.
وفى يوم من الايام عندما بلغ التاسعة، حوصر بسبب الامطار وسقط نائما بينما كان يحتمى بشجرة صنوبر. وعندما استيقظ وجد نفسه عالقا فى شق تحت بعض الاحجار وسمع والديه يرددان اسمه.
تم العثور على الصبى اخيرا وانتشاله من بين الصخور -- وتذكر انه كان نائما لبعض الوقت ولكن المواطنين قالوا انه كان مفقودا لايام.
وبعد هذه المغامرة شعر سامتشوب الصغير بالسعادة ولكنه كان يمرض دائما. وعندما لم يتمكن طبيب القرية من علاجه، تم نقله الى دير حيث شاهد بوذا حى فيه دلائل على انه منشد ملحمة الملك جسار "مما علمه الله".
وقام بوذا الحى بجس نبضه وبعد فترة قصيرة من ذلك ، تمكن ساتشوب من انشاد فصول كاملة من الملحمة.
وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، كان ملحوظا بين جميع الاطفال بفصاحته وحكمته وتقديمه المفعم بالحياة لاكثر من 60 فصلا من الملحمة.
ونجا سامتشوب بالكاد من محاولة لقتله عندما حشد اصحاب الاقنان كل رجال القرية لمحاربة الرهبان. ووسط احداث الشغب كان مدعوا لمنزل احد اصدقائه، ولكن الصديق الذى كان والده يمتلك اقنانا، حاول قتل سامتشوب فى احدى الليالى. ولكنه استيقظ فى الوقت المناسب وفر وترك قريته فى اليوم التالى.
منشد جوال
وانتهاجا لطريق الملك جسار، سافر عبر التبت من تشامدو فى الشرق الى نينغتشى وشاننان فى الجنوب وقطع الطريق الى نجارى فى اقصى الغرب. وزار اطلال الحروب التاريخية على طول سلسلة جبال جانغديسه على الحدود الغربية ليفهم الملحمة على نحو افضل.
وكان سامتشوب اينما ذهب يأتى بالمال لماكله وملبسه بغناء الملحمة. وكون صداقات مع العديد من المواطنين والحجاج ورجال الاعمال والشحاذين وقد اتبعهم بعضهم الى لاسا.
ونقل عنه احد المتمردين قوله ان "المنشد الجوال يشبه الشحاذ الذى يتجول فى الشوارع لكسب عيشه، ولكنه يتمتع احيانا بمكانة ورفاهية الاستقراطيين وكبار اللامات".
وكان يتحدث عن خمسة اعوام قضاها فى منزل احد الارستقراطيين الذى ينعم بالرفاهية فى شاننان. وهى فترة وصفها بانها اوج نشاطه." انه امر مؤسف ان ايا من الملاحم الطويلة التى انشدتها فى هذه الايام لم تسجل".
عندما بدأ سامتشوب الغناء كان يشعر انه يرى مشاهد الحرب حية: كيف حارب الملك ورجاله وكيف كانوا يحملون سكاكينهم بمهارة وكيف كانت تطير سيوفهم.
وبعد ان غادر شاننان سافر الى لاسا حيث التقى بامرأة اصبحت زوجته.
حصل الزوجان على نصيبهما من الارض الزراعية والماشية بعد هروب الدالاى لاما فى 1959. واخيرا استقر المغنى الجوال فى محافظة جونجار على بعد 80 كم من وسط مدينة لاسا. وفى وقت فراغه، ظل يسافر الى مناطق بدوية على ظهر حصان ويشارك الرعاة اسطورة الملك.
لحن لم يتغير
"سقف العالم" لم ينج من الثورة الثقافية" التى اجتاحت انحاء الصين من 1966 الى 1976.
وتم حظر اسطورة الملك جسار الى جانب ظواهر ثقافية تقليدية اخرى. وعاد سامتشوب للعمل فى احدى المزارع، ولكنه فيما وصفه هو نفسه بانه "سحر" كان دائما ينجو من العمل الشاق والاضطهاد. وكان قادة المجموعة يكلفونه باعمال اسهل مثل الطهى وكانوا يدعونه لمنازلهم فى المساء ليروى لهم القصص.
ولمدة عشرة اعوام لم يجرؤ فقط سامتشوب على انشاد الملحمة علنا ولكنه ظل متعلقا ايضا بمشاهد الحرب واللحن.
وعاد للساحة مرة اخرى فى 1979. وفى هذا العام ، اقامت حكومة التبت الاقليمية مجموعة مهمتها حماية الفن التقليدى من الانقراض وسجلت لشامتشوب ومعه ما لايقل عن 40 اخرين من منشدى الملاحم الباقين على قيد الحياة باعتبارهم متخصصين كبارا.
وتوسع الفريق حتى الان ليشمل 150 شخصا ما بين تبتيين ومنغوليين وبعضهم من مجموعة تو العرقية. ويبلغ سن اصغر منشد للملاحم سيتار دوجه من تشامدو حوالى 18 عاما.
ولاستعادة الشكل الاصلى للملحمة ، قام الخبراء ب4800 ساعة من التسجيلات الحرفية لانشادهم وجمعوا 36 مطبوعة. وقد اعطت الملحمة الالفية دفعة لمجال كامل من الدراسة يشار اليه بانه " علم جسار".
ويعرف سامتشوب بانه استاذ علم جسار و"هوميروس على سقف العالم". وحصل على سكن وعلاج بالمجان ويحصل على دعم قيمته 1000 يوان (حوالى 140 دولارا امريكيا) شهريا بالاضافة الى 3 الاف يوان (420 دولارا امريكيا) حقوقا عن كل كتاب يطبعه.
والرجل المسن لديه الاشياء التى تقلقه: فالقليل جدا من ابنائه وبناته السبعة واحفاده العشرين لديهم عمل مستقل. والكثير منهم مازال يعتمد عليه فى العيش.
غير ان سامتشوب يعتقد ان اختيار بوذا له كابرع منشد للملحمة كان ضربة حظ وان " المرء لا يمكن ان يتوقع الكثير" وقد اختار "مدفنا سماويا" بالقرب من لاسا ليكون مثواه الاخير.
وقال "اتمنى ان يحظى جميع من يقرأون كتبى ويستمعون للاسطورة بمباركة الملك جسار نفسه".

ليست هناك تعليقات: