موقع إسلام أون لاين
نبيل شبيب
لولا ما وقع في التبت من اضطرابات لوجد أهل السياسة والإعلام في الغرب أبوابًا أخرى من أجل إطلاق حملتهم الحالية على الصين الشعبية، انطلاقا من عدم سريان مفعول الحريات والحقوق الإنسانية فيها كما هي في الغرب، وعدم الأخذ بالنظام الديمقراطي بصيغته الغربية.
ولتأكيد كلمة "الغربية.. والغربي" هنا أسبابه العديدة، فالعيوب والنواقص والانحرافات باتت موضع النقد الشديد والمتواصل من جانب كثير من المفكرين الغربيين، وموضع الشكوى المتصاعدة من جانب قطاعات كبيرة من فئات الشعوب الغربية، وأصبحت تلك العيوب والنواقص والانحرافات تفرّغ على الصعيد التطبيقي كلمات الحريات والحقوق والديمقراطية من مضامينها على الصعيد التنظيري، لحساب طغيان المادّة من الأساس، وعبر انتشار السلوك الصادر عن فكر الصراع في كل ميدان، ووصول القوى الاقتصادية والمالية الكبرى إلى مستويات من الهيمنة، تجعلها هي صانعة القرار داخليا وعالميا وفي كل مجال من المجالات من وراء جميع الآليات التطبيقية وما تنطوي عليه من تعددية وانتخابات، ومن سيادة القانون واستقلال القضاء.
لن تقع مقاطعة رياضية
الصين شريك لا يستغني الغرب عنه من جهة، ومستهدفة غربيا من جهة أخرى. هذا هو ظاهر الحملة الدائرة حاليا، والشاملة لكثير من السياسيين المسئولين، والإعلاميين المحترفين، ومحورها السؤال: هل تتوجب أصلاً مقاطعة الدورة الأوليمبية المقررة في بكين؟.. هل تكون مقاطعة شاملة أم تقتصر على الامتناع عن مشاركة السياسيين باحتفالات افتتاحها؟.. هل تفيد المقاطعة أهل التبت أم لا؟..
وعند التأمّل في كثير ممّا صدر ويصدر من مواقف وتحليلات وآراء، نجد أنّ معظم هذه الأسئلة قد وجدت الإجابة عنها، وبرغم ذلك لا ينقطع الجدال.. لماذا؟..
بعض المتحدثين يقول بصراحة تامة: إنّ للدول الغربية مصالح اقتصادية ومالية كبيرة مع الصين الشعبية، فلا يمكن المخاطرة بها، ولن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
ومنهم من يقول بوضوح: إنّ المهرجانات والبطولات الرياضية الكبرى، كالألعاب الأوليمبية، هي في واقعها صفقات تجارية ومالية ضخمة، والقائمون عليها يحظرون أي تعبير عن رأي سياسي من خلال الرياضيين، أو أي تشويش رسمي على مخطّطاتهم؛ لأنهم ليسوا على استعداد لتفويت الفرصة لتحقيق ما يحقّقونه من عائدات وأرباح ضخمة، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
وبعضهم يقول معلّلا ومسوّغًا: إن الخاسر الحقيقي في المقاطعات هم الناشطون الرياضيون، والجماهير التي تتابعهم، وكلّ مقاطعة إذن لا تحقق المنفعة بقدر ما تسبّب الضرر، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
وفريق آخر يقول معللا ومسوّغًا أيضا: إنّ من يراد دعمهم بالمقاطعة، وهم هنا أهل التبت، لن يصلهم شيء من ذلك الدعم عبر المقاطعة، وقد يصل إليهم الدعم عبر المشاركة داخل الصين الشعبية نفسها، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
ولا تغيب في الجدال أصوات تقول: علام يُحظر على الرياضيين التعبير عن موقف سياسي ولو رمزي، مثل ارتداء القمصان البرتقالية (رمزًا لما سُمي ثورات برتقالية في بعض البلدان الشرقية) ولو فترة قصيرة خارج نطاق المباريات، وهذا لا يحدث دون المشاركة، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!.. ولا يغيب عن الأذهان هنا، أنّ هؤلاء أنفسهم لا يتورّعون عن المشاركة في الحملة على لاعب الكرة المصري محمد أبو تريكة وما صنع بقميصه الداخلي تضامنا مع أهل قطاع غزة المحاصر.
ومع ذلك فمسألة المقاطعة كاحتمالٍ مطروحةٌ، والجدال حولها محتدم، والجميع ينتهي إلى النتيجة ذاتها، أنّه لن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية!.
علام يتواصل الجدال إذن؟..
الجدال حول أمر محسوم سلفا، ليس جديدا، بل هو أسلوب يصعب عند رصد تكراره اعتباره جدالا دون هدف مقصود، ولكن هل الهدف هو الصين الشعبية فعلا؟..
إذا صحّ ذلك فإن كثرة الجدال حول المقاطعة، ثم الامتناع عنها في نهاية المطاف، يعني على أرض الواقع قابلية أن تصوّر الصين الشعبية ذلك انتصارا لها، وتحقيقا لمرادها، فهي تأبى أن يتدخّل أحد في شؤونها، وعلى وجه التحديد في تعاملها مع المواطنين داخل الصين (الواحدة) أي التي تضمّ التبت، بغض النظر هنا عن مدى مشروعية عدم المساس بالحدود الناشئة للصين الشعبية قبل وبعد الثورة الشيوعية فيها.
كأنّ المسئولين في الغرب، من عالم السياسة والإعلام، و"قطاع الرياضة الاقتصادي المالي" أيضا، لا يهمّهم من سيكون المستفيد من هذا الجدال، هل هم أهل التبت فعلا، أم النظام الحاكم الصيني الذي يقومون بحملتهم ضدّه!..
المواطن الغربي هو المستهدف
ليس سهلا الجزم بالغاية من وراء الإصرار على الجدال العديم الفائدة ومواصلته، فالحديث عن الغايات هو حديث تكهّنات، والثابت مبدئيا أنّ الغربيين لا يتخذون خطوة مقاطعة شاملة دون أن يكون موقفهم فيها موحّدًا، ولا يُنتظر أصلا أن يتّحد الموقف الغربي على مقاطعة الدورة الأوليمبية في الصين، ولم يسبق أن توحّد في التعامل مع الصين في كثير من الميادين الأخرى، فالمنافع المادية فوق كلّ شيء آخر في الغرب.
بتعبير آخر، من المستبعد كما هو الحال في قضايا أخرى أن يكون الجدال أرضية لمساومات، يراد من خلالها انتزاع تنازلات أو مواقف ما من جانب الصين الشعبية، ولهذا لا نرصد على الموقف الرسمي لبكين أيّ تردّد في رفض مجرّد الحوار حول قضية التبت، أو التدخل الخارجي بصددها، أو الربط بينها وبين الألعاب الأوليمبية.
ومع غياب أي جهة أخرى يمكن استهدافها بالجدال المتواصل، لا يبقى سوى المواطن الغربي نفسه، فهو الذي يتابع هذا الجدال، شاء أم أبى، على ألسنة المسئولين، وعبر وسائل الإعلام، يوما بيوم، وقد يستمر ذلك إلى ما بعد انقضاء الدورة الأوليمبية عام 2008م في الصين.
ويمكن التنويه هنا أنّه لا أحد في الغرب يتصوّر أن تطرح دول غربية احتمال مقاطعة دورة رياضية أو مهرجان فني أو سوى ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، بعد أن بلغ الغضب الشعبي والرفض الجماهيري مبلغه في الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ضدّ ما ارتكبه "النظام الحاكم" فيها من آثام الحروب والتعذيب وانتهاك الحقوق والحريات الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية.
الولايات المتحدة الأمريكية دولة ديمقراطية، فما ترتكبه يبقى -بالمنظور الغربي- في مستوى "أخطاء"، قد تثير جدالا حول ما تسبّبه من أضرار للغرب، ولكن لا تثير جدالا قطعًا على صعيد مقاطعة رياضية، أمّا الصين الشعبية فدولة "استبدادية"، وبالتالي فما تصنعه مرفوض من حيث الأساس، ولا يتبدّل موقف الرفض، إلا أن يقوم فيها نظام ديمقراطي بالمنظور الغربي!..
بغض النظر عن رفض الاستبداد من حيث الأساس، وفي كل مكان، بصورته البشعة المباشرة، وبصوره العديدة المقنّعة، داخل حدود وطنية، أو على مستوى العلاقات الدولية.. بغض النظر عن هذا الموقف المبدئي يبقى أن ما ورد بشأن إعطاء الدول الديمقراطية الغربية براءة شبه مطلقة وإعطاء سواها إدانة مطلقة، هو بالذات ما يراد تثبيته في وعي المواطن الغربي، الذي يزداد ضيقه بما يُصنع باسم الديمقراطية وباسم حقوق الإنسان وحرياته، من جانب صانعي القرار فيه، داخل الحدود الغربية، وعلى المستوى العالمي.
العزوف عن السياسة أصبح ظاهرة يشكو منها المسئولون الغربيون ويعكف على بحثها وتحليلها المتخصصون والمفكّرون.
الانسحاب من العضوية في الأحزاب ظاهرة مماثلة، وهبوط نسب المشاركة في الانتخابات كذلك، والشكوى من تغوّل الهيمنة المادية على السياسة، وازدياد انتشار هوة الثراء والفقر، وازدواجية تطبيق المعايير، وغير ذلك كثير، أصبح جميعه ممّا يزيد شكّ المواطن الغربي في النظام القائم، أو على الأقل يثير التساؤل الاستنكاري تجاهه، ولكن يعيش في ظلّه، ويقتنع به، ويدافع عنه، والسبب ببساطة: لا يوجد بديل أفضل، أو لا يوجد نظام أقلّ سوءًا، فهذا ما نشأ عليه، ولا يزال يُصنع الكثير الآن لبقاء هذه الصورة سارية المفعول في وعيه.
الجدال حول الأوضاع في الصين الشعبية، على صعيد الحقوق والحريات للأفراد والأقليات، وسيلة من وسائل التعويض عن بعض الثقة بالنظام الغربي التي تتآكل داخل الغرب، ومن وسائل التأكيد أنّ البديل عنه أسوأ منه.
ومن المؤكّد أنّ الأوضاع في الصين الشعبية تحتاج إلى كثير من الإصلاح، لا سيما على صعيد الحقوق والحريات الإنسانية.. ولكن هذا ما آل إليه حال الغرب أيضا، وتلك الأوضاع في الصين تحتاج إلى كثير من النقاش، على مستوى أهل الصين أنفسهم، والأقليات التي تحكمها الصين الشعبية رغما عنها، في أراضٍ سيطرت عليها في حقبة ماضية من حقب التاريخ، ولكنّ لمثل هذا النقاش ضرورة كبيرة في الغرب أيضا، على مستوى أهل الغرب، وعلى مستوى الأقليات فيه.
كذلك على مستوى شعوب الأرض التي كانت على امتداد عدّة قرون وما تزال تعاني من انتهاك صانعي القرار في الغرب لحقوق الآخرين وحرياتهم، وسلبهم ثرواتهم، واستغلال أنظمتهم السياسية وجماعاتهم وشعوبهم، معتمدًا على شريعة الغاب التي يريد صانعو القرار التمسّك بتطبيقها عالميا، ويريدون في الوقت نفسه أن يقنعوا أهل بلدانهم بأنهم يعيشون، أو أن يوهموهم بأنّهم يعيشون، في "نعمة" كبيرة، حُرمت منها الشعوب الأخرى، وكأنهم ليسوا في مقدمة أسباب ذلك الحرمان.
نبيل شبيب
لولا ما وقع في التبت من اضطرابات لوجد أهل السياسة والإعلام في الغرب أبوابًا أخرى من أجل إطلاق حملتهم الحالية على الصين الشعبية، انطلاقا من عدم سريان مفعول الحريات والحقوق الإنسانية فيها كما هي في الغرب، وعدم الأخذ بالنظام الديمقراطي بصيغته الغربية.
ولتأكيد كلمة "الغربية.. والغربي" هنا أسبابه العديدة، فالعيوب والنواقص والانحرافات باتت موضع النقد الشديد والمتواصل من جانب كثير من المفكرين الغربيين، وموضع الشكوى المتصاعدة من جانب قطاعات كبيرة من فئات الشعوب الغربية، وأصبحت تلك العيوب والنواقص والانحرافات تفرّغ على الصعيد التطبيقي كلمات الحريات والحقوق والديمقراطية من مضامينها على الصعيد التنظيري، لحساب طغيان المادّة من الأساس، وعبر انتشار السلوك الصادر عن فكر الصراع في كل ميدان، ووصول القوى الاقتصادية والمالية الكبرى إلى مستويات من الهيمنة، تجعلها هي صانعة القرار داخليا وعالميا وفي كل مجال من المجالات من وراء جميع الآليات التطبيقية وما تنطوي عليه من تعددية وانتخابات، ومن سيادة القانون واستقلال القضاء.
لن تقع مقاطعة رياضية
الصين شريك لا يستغني الغرب عنه من جهة، ومستهدفة غربيا من جهة أخرى. هذا هو ظاهر الحملة الدائرة حاليا، والشاملة لكثير من السياسيين المسئولين، والإعلاميين المحترفين، ومحورها السؤال: هل تتوجب أصلاً مقاطعة الدورة الأوليمبية المقررة في بكين؟.. هل تكون مقاطعة شاملة أم تقتصر على الامتناع عن مشاركة السياسيين باحتفالات افتتاحها؟.. هل تفيد المقاطعة أهل التبت أم لا؟..
وعند التأمّل في كثير ممّا صدر ويصدر من مواقف وتحليلات وآراء، نجد أنّ معظم هذه الأسئلة قد وجدت الإجابة عنها، وبرغم ذلك لا ينقطع الجدال.. لماذا؟..
بعض المتحدثين يقول بصراحة تامة: إنّ للدول الغربية مصالح اقتصادية ومالية كبيرة مع الصين الشعبية، فلا يمكن المخاطرة بها، ولن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
ومنهم من يقول بوضوح: إنّ المهرجانات والبطولات الرياضية الكبرى، كالألعاب الأوليمبية، هي في واقعها صفقات تجارية ومالية ضخمة، والقائمون عليها يحظرون أي تعبير عن رأي سياسي من خلال الرياضيين، أو أي تشويش رسمي على مخطّطاتهم؛ لأنهم ليسوا على استعداد لتفويت الفرصة لتحقيق ما يحقّقونه من عائدات وأرباح ضخمة، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
وبعضهم يقول معلّلا ومسوّغًا: إن الخاسر الحقيقي في المقاطعات هم الناشطون الرياضيون، والجماهير التي تتابعهم، وكلّ مقاطعة إذن لا تحقق المنفعة بقدر ما تسبّب الضرر، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
وفريق آخر يقول معللا ومسوّغًا أيضا: إنّ من يراد دعمهم بالمقاطعة، وهم هنا أهل التبت، لن يصلهم شيء من ذلك الدعم عبر المقاطعة، وقد يصل إليهم الدعم عبر المشاركة داخل الصين الشعبية نفسها، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!..
ولا تغيب في الجدال أصوات تقول: علام يُحظر على الرياضيين التعبير عن موقف سياسي ولو رمزي، مثل ارتداء القمصان البرتقالية (رمزًا لما سُمي ثورات برتقالية في بعض البلدان الشرقية) ولو فترة قصيرة خارج نطاق المباريات، وهذا لا يحدث دون المشاركة، فلن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية إذن!.. ولا يغيب عن الأذهان هنا، أنّ هؤلاء أنفسهم لا يتورّعون عن المشاركة في الحملة على لاعب الكرة المصري محمد أبو تريكة وما صنع بقميصه الداخلي تضامنا مع أهل قطاع غزة المحاصر.
ومع ذلك فمسألة المقاطعة كاحتمالٍ مطروحةٌ، والجدال حولها محتدم، والجميع ينتهي إلى النتيجة ذاتها، أنّه لن تقع مقاطعة رياضية أوليمبية!.
علام يتواصل الجدال إذن؟..
الجدال حول أمر محسوم سلفا، ليس جديدا، بل هو أسلوب يصعب عند رصد تكراره اعتباره جدالا دون هدف مقصود، ولكن هل الهدف هو الصين الشعبية فعلا؟..
إذا صحّ ذلك فإن كثرة الجدال حول المقاطعة، ثم الامتناع عنها في نهاية المطاف، يعني على أرض الواقع قابلية أن تصوّر الصين الشعبية ذلك انتصارا لها، وتحقيقا لمرادها، فهي تأبى أن يتدخّل أحد في شؤونها، وعلى وجه التحديد في تعاملها مع المواطنين داخل الصين (الواحدة) أي التي تضمّ التبت، بغض النظر هنا عن مدى مشروعية عدم المساس بالحدود الناشئة للصين الشعبية قبل وبعد الثورة الشيوعية فيها.
كأنّ المسئولين في الغرب، من عالم السياسة والإعلام، و"قطاع الرياضة الاقتصادي المالي" أيضا، لا يهمّهم من سيكون المستفيد من هذا الجدال، هل هم أهل التبت فعلا، أم النظام الحاكم الصيني الذي يقومون بحملتهم ضدّه!..
المواطن الغربي هو المستهدف
ليس سهلا الجزم بالغاية من وراء الإصرار على الجدال العديم الفائدة ومواصلته، فالحديث عن الغايات هو حديث تكهّنات، والثابت مبدئيا أنّ الغربيين لا يتخذون خطوة مقاطعة شاملة دون أن يكون موقفهم فيها موحّدًا، ولا يُنتظر أصلا أن يتّحد الموقف الغربي على مقاطعة الدورة الأوليمبية في الصين، ولم يسبق أن توحّد في التعامل مع الصين في كثير من الميادين الأخرى، فالمنافع المادية فوق كلّ شيء آخر في الغرب.
بتعبير آخر، من المستبعد كما هو الحال في قضايا أخرى أن يكون الجدال أرضية لمساومات، يراد من خلالها انتزاع تنازلات أو مواقف ما من جانب الصين الشعبية، ولهذا لا نرصد على الموقف الرسمي لبكين أيّ تردّد في رفض مجرّد الحوار حول قضية التبت، أو التدخل الخارجي بصددها، أو الربط بينها وبين الألعاب الأوليمبية.
ومع غياب أي جهة أخرى يمكن استهدافها بالجدال المتواصل، لا يبقى سوى المواطن الغربي نفسه، فهو الذي يتابع هذا الجدال، شاء أم أبى، على ألسنة المسئولين، وعبر وسائل الإعلام، يوما بيوم، وقد يستمر ذلك إلى ما بعد انقضاء الدورة الأوليمبية عام 2008م في الصين.
ويمكن التنويه هنا أنّه لا أحد في الغرب يتصوّر أن تطرح دول غربية احتمال مقاطعة دورة رياضية أو مهرجان فني أو سوى ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، بعد أن بلغ الغضب الشعبي والرفض الجماهيري مبلغه في الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ضدّ ما ارتكبه "النظام الحاكم" فيها من آثام الحروب والتعذيب وانتهاك الحقوق والحريات الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية.
الولايات المتحدة الأمريكية دولة ديمقراطية، فما ترتكبه يبقى -بالمنظور الغربي- في مستوى "أخطاء"، قد تثير جدالا حول ما تسبّبه من أضرار للغرب، ولكن لا تثير جدالا قطعًا على صعيد مقاطعة رياضية، أمّا الصين الشعبية فدولة "استبدادية"، وبالتالي فما تصنعه مرفوض من حيث الأساس، ولا يتبدّل موقف الرفض، إلا أن يقوم فيها نظام ديمقراطي بالمنظور الغربي!..
بغض النظر عن رفض الاستبداد من حيث الأساس، وفي كل مكان، بصورته البشعة المباشرة، وبصوره العديدة المقنّعة، داخل حدود وطنية، أو على مستوى العلاقات الدولية.. بغض النظر عن هذا الموقف المبدئي يبقى أن ما ورد بشأن إعطاء الدول الديمقراطية الغربية براءة شبه مطلقة وإعطاء سواها إدانة مطلقة، هو بالذات ما يراد تثبيته في وعي المواطن الغربي، الذي يزداد ضيقه بما يُصنع باسم الديمقراطية وباسم حقوق الإنسان وحرياته، من جانب صانعي القرار فيه، داخل الحدود الغربية، وعلى المستوى العالمي.
العزوف عن السياسة أصبح ظاهرة يشكو منها المسئولون الغربيون ويعكف على بحثها وتحليلها المتخصصون والمفكّرون.
الانسحاب من العضوية في الأحزاب ظاهرة مماثلة، وهبوط نسب المشاركة في الانتخابات كذلك، والشكوى من تغوّل الهيمنة المادية على السياسة، وازدياد انتشار هوة الثراء والفقر، وازدواجية تطبيق المعايير، وغير ذلك كثير، أصبح جميعه ممّا يزيد شكّ المواطن الغربي في النظام القائم، أو على الأقل يثير التساؤل الاستنكاري تجاهه، ولكن يعيش في ظلّه، ويقتنع به، ويدافع عنه، والسبب ببساطة: لا يوجد بديل أفضل، أو لا يوجد نظام أقلّ سوءًا، فهذا ما نشأ عليه، ولا يزال يُصنع الكثير الآن لبقاء هذه الصورة سارية المفعول في وعيه.
الجدال حول الأوضاع في الصين الشعبية، على صعيد الحقوق والحريات للأفراد والأقليات، وسيلة من وسائل التعويض عن بعض الثقة بالنظام الغربي التي تتآكل داخل الغرب، ومن وسائل التأكيد أنّ البديل عنه أسوأ منه.
ومن المؤكّد أنّ الأوضاع في الصين الشعبية تحتاج إلى كثير من الإصلاح، لا سيما على صعيد الحقوق والحريات الإنسانية.. ولكن هذا ما آل إليه حال الغرب أيضا، وتلك الأوضاع في الصين تحتاج إلى كثير من النقاش، على مستوى أهل الصين أنفسهم، والأقليات التي تحكمها الصين الشعبية رغما عنها، في أراضٍ سيطرت عليها في حقبة ماضية من حقب التاريخ، ولكنّ لمثل هذا النقاش ضرورة كبيرة في الغرب أيضا، على مستوى أهل الغرب، وعلى مستوى الأقليات فيه.
كذلك على مستوى شعوب الأرض التي كانت على امتداد عدّة قرون وما تزال تعاني من انتهاك صانعي القرار في الغرب لحقوق الآخرين وحرياتهم، وسلبهم ثرواتهم، واستغلال أنظمتهم السياسية وجماعاتهم وشعوبهم، معتمدًا على شريعة الغاب التي يريد صانعو القرار التمسّك بتطبيقها عالميا، ويريدون في الوقت نفسه أن يقنعوا أهل بلدانهم بأنهم يعيشون، أو أن يوهموهم بأنّهم يعيشون، في "نعمة" كبيرة، حُرمت منها الشعوب الأخرى، وكأنهم ليسوا في مقدمة أسباب ذلك الحرمان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق