الأحد، 13 أبريل 2008

الولايـات المتحـدة تنهـار والصـين تتصـدع

صحيفة هآرتس الإسرائيلية (عن صحيفة الأيام الفلسطينية)
ميخاليس فيريلاس
تبدو الأنباء الواردة من أميركا قاتمة، وقد هب الاحتياطي الفدرالي في وقت سابق من الشهر الماضي للإنقاذ، ولدعم صفقة لبيع جزء من ثقافة "وول ستريت"، وهو بنك "بير ستيرنز" الاستثماري إلى "جي. بي. مورغان تشيس" نظير مجرد دولارين للسهم الواحد. وفي الغضون، ساد الشعور بأن "ليهمان بروذرز" بنك استثماري رئيسي آخر، آخذ في الترنح هو الآخر. وتجاوب مع أزمة السيولة - أي وفرة الأموال لدى البنوك للإقراض بشكل رئيسي لبنوك أصغر، ثم لبنك "جو" في شارع المال- قام مجلس الاحتياط الفيدرالي بخفض سعر الفائدة أكثر بواقع 75ر0%. وفي أعقاب أسابيع من عدم الاستقرار المالي العسير، وبعد أشهر من جهود بذلها رئيس المجلس الفدرالي بن برنانك للجم الاتجاه اللولبي الانحداري الذي سببه انهيار الفائدة الفرعية، وهو ما تم غالباً بخفض متكرر في سعر الفائدة، بات السؤال الذي يدور على شفاه الجميع يدور حول التوقعات: إلى متى سيبقى الحال كذلك؟ وربما ينبغي على الجميع التساؤل أيضاً: "إلى كم من السوء يمكن أن يذهب الوضع الراهن؟".
لا تستبعد، حتى أكثر التنبؤات تفاؤلاً، احتمال حدوث ركود، بل والأسوأ، حدوث تضخم ركودي (أسعار مرتفعة مع عدم وجود وظائف) لعدة اشهر. كما سيقول لك الواقعيون أيضا إنه ما لم يتم تصحيح إرث الرئيس السابق للمجلس الفدرالي ألن غرينسبان، والقائم في الأغلب على منع الركود عبر إضافة السيولة إلى الاقتصاد من خلال استغلال أسعار الفائدة وقوانين إقراض مرنة، ما لم يعدل ذلك ليتواءم مع الظروف الدولية الحالية، فإننا سنواجه كلنا أزمة عصيبة. وغني عن القول إن وضع الاقتصاد رقم واحد في العالم سوف يؤثر بشكل واضح على بقية العالم. لكنك بينما ترقب أميركا وهي تسقط فيما يمكن أن يكون أكبر أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، تجد أن الصين، من منظور دولي، هي المكان الذي يجب إبقاء العين مفتوحة عليه.
دعونا نعيد قول الحقيقة الواضحة: إن الصين هي أكثر بلدان العالم سكانا؛ وفي المعدل، يظل اقتصادها هو الأسرع نمواً في كامل آسيا؛ ويتكون اقتصادها من سلة مختلطة من الإصلاحات والضوابط الصارمة التي تفرضها الدولة؛ وهي ليست دولة ديمقراطية. ولعل إدارة هذا الخليط الإشكالي من العناصر تظل مهمة معقدة في أقل الأحوال. لكن الأهم من ذلك إن هكذا إدارة هي شيء لا يمكن استمراره إلى ما لا نهاية. وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت هذه العوامل أيضاً في تكوين ثلاث عمليات متوازية، نضجت وأصبحت تلتقي في الصين عند هذا المنعطف الحساس، حيث الاقتصاد الاميركي في هبوط لولبي إلى الأسفل. وربما يعني هذا الالتقاء أن أكبر حجر دومينو في الاقتصاد العالمي ربما سينهار أيضاً، وهو انهيار لن يسمع صوته في أرجاء الأرض فحسب، ولكنه ربما يتحول إلى شيء دموي أيضاً.
كانت العملية الأولى هي إثراء الصين، إذ أفضى فتح الاقتصاد الصيني أمام الاستثمار الأجنبي إلى جعلها جزءاً من الاقتصاد الرأسمالي الكوني، جالبا بلايين الدولارات من تصدير السلع الاستهلاكية، ومسهماً في نجوم طبقة متوسطة. وكان من شأن تعطش العالم المتقدم الذي لا يمكن إرواؤه، وخاصة الولايات المتحدة، للمنتجات منخفضة الأسعار المصنوعة في الصين، قد حول البلد إلى أن يكون في الأساس مقرضا للأموال. وتملك الصين أضخم احتياطيات أجنبية في العالم، والتي تقدر بحوالي 4ر1 تريليون دولار، 70% منها مقوم بالدولارات الأميركية. وحتى مع التعديلات التدريجية، وذات المغزى مع ذلك، في قيمة اليوان خلال السنتين الماضيتين، فإن غوص الدولار إنما يعني أن العمال الصينيين يعملون بجد أكبر لإدامة معايير الحياة الأميركية العالية -وليس على الإنتاج الأميركي. وسيفضي أي انهيار في الولايات المتحدة إلى التأثير على الصين وثروتها المتراكمة بشكل سيئ.
ثانياً: إن الصين تبحث بشكل ثابت عن الموارد، وقد جعل النمو المتفجر للاقتصاد الصيني من الحاجة إلى الوقود والمواد الخام أولوية، وهو ما رفع أسعار السلع دولياً لتحلق عالياً. ولما كانت مرتبطة مع قيمة الدولار المنحدرة، وهو العملة الرئيسية للتجارة الدولية، فإنها ليست السلع الأساسية فقط مثل النفط والحبوب هي التي أصبحت غالية بشكل هائل، وإنما ذهب هذا الوضع إلى التفاقم بسبب المخاوف المتنامية من أن التغييرات المناخية ربما تفضي إلى حالات نقص كونية خطيرة في المواد الغذائية الأساسية. وفي الشهر الماضي وحده، ارتفعت كلفة المواد الغذائية في الصين بنسبة بلغت حوالي 24%. ولا شك في أن التضخم والندرة، خاصة في المواد الأساسية بما فيها وقود التدفئة، هي المسائل التي يتكون منها القلق العام.
أما العملية الثالثة، فهي اجتماعية - سياسية، إذ أفضى القرار الذي اتخذته القيادة الصينية منذ العام 1989 بفتح مجتمعها اقتصاديا والسماح له بالنمو ليصبح مكوناً كبيراً في الاقتصاد الكوني، أفضى القرار إلى خلق انفتاح على عدة مستويات، بغض النظر عن الجهود التي بذلها المسؤولون الصينيون للإبقاء على مفاتيح السيطرة المركزية في مكانها. ولعل تطبيق هذه الضوابط يكون مستحيلاً على نحو يتصف بالكمال. ونظرا لذلك، أصبح المجتمع الصيني وهو يفقد المساواة بشكل متزايد، حيث أفرز فوارق متنامية بين الطبقات ونجوم صعوبات متزايدة مع تمكن الجمهور من وصول أكبر إلى المعلومات والوسائل التي يتمكن من خلالها من الإعراب عن الامتعاض. وتضيف الأقليات التي تشكل ما يقارب 9% من مجموع سكان الصين البالغ عددهم 3ر1 بليون مواطن، إلى هذه الحالة المعقدة، نظراً إلى أن هوياتها العرقية والثقافية ظلت تتعرض للقمع في عملية وصفها الدلاي لاما مؤخراً بأنها "تطهير عرقي ثقافي".
مع أن الصين غالبا ما توصف في الولايات المتحدة بأنها "منافس" فيما يعود في جزء كبير منه إلى غياب الشفافية المزمن في نظام الحزب الواحد لديها. لكنها في الواقع وفي هذا الوقت تشكل أكثر من شريك. وفي الحقيقة، دخلت الدولتان خلال السنوات الخمس الماضية في عناق الدببة: ذلك أن كلاً منهما يظل معتمدا بعمق على الاخر من أجل الحفاظ على قيمه الاقتصادية، وبحيث يمكن للانفصال أن يكون معيقاً لكليهما. وقد كان المنطق السائد حتى الآن يقوم على فكرة أن إدخال الدولارات الأميركية إلى الصين، ثم عودتها إلى الولايات المتحدة للاستثمار (غالبا في شكل سندات خزينة) هو ما يحافظ على اقتصادي البلدين عائمين. ولكن ماذا سيحدث إذا فشل ذلك التوازن؟ وكم من انخفاض قيمة الدولار تستطيع الصين أن تقبل؟ وكيف ستتمكن بكين من التكيف مع ركود مستدام في الولايات المتحدة، والذي يعني وجود مشترين أقل لمنتجاتها الاستهلاكية؟
إن هذا هو وقت محفوف بالمخاطر بالنسبة لنظام سياسي صيني يضيق ذرعا بعدم الاستقرار. فهل سيقدم على انعطافة جسورة وينفلت حراً من العناق المالي الأميركي، مخاطراً بنموه الاقتصادي وباحتمالية نجوم الفوضى محلياً؟ ألن يفضي هذا إلى مفاقمة حال الأوضاع الاقتصادية المنهارة أصلا في الولايات المتحدة، والمتوقع أن تمتد إلى أماكن أخرى؟ سيكون علينا أن ننتظر ونرى!.

ليست هناك تعليقات: