الجمعة، 11 أبريل 2008

"التبت" ولاية صينية

صحيفة العرب اليوم الأردنية
محمد نعمان جلال
اثارت احداث العنف في ولاية التبت عدة تساؤلات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية, وتتابع وكالات الانباء ومراكز الابحاث تلك الاحداث لترى ما يمكن ان تسفر عنه من تطورات, ويثور التساؤل حول توقيت وقوع هذه الاحداث والاضطرابات.
وهذا ما يدعو للتدقيق في الامور وعدم اطلاق الاحكام او اتخاذ المواقف بلا ترو, وللبحث الموضوعي في هذه القضية لا بد ان نضع مجموعة من الحقائق البديهية لكي نخلص منها الى النتائج التي تثبت او تنفي الافتراضات التي برزت على الساحة السياسية والاعلامية:
البديهية الاولى: ان التبت ولاية صينية منذ مئات السنين, وفي مرحلة ضعف الصين اخذت تلك الولاية وولايات اخرى قدرا من الاستقلالية, وعندما عادت للصين قوتها بعد نجاح الثورة الشيوعية بقيادة الزعيم ماوتسي تونج قامت الصين باستعادة التبت.
وبالنظر الى الفكر الشيوعي التقليدي الرافض للاديان فقد فر الزعيم الروحي للتبت ولجأ للهند عندما كانت الهند على علاقة متوترة مع الصين, فأصبحت له ملجأ وملاذا خاصة ان العقيدة البوذية هي هندية المنشأ ثم انتشرت في دول جنوب شرق وشرق اسيا الى مراحل لاحقة بصورة مختلفة في كل منطقة.
البديهية الثانية: انه لا توجد دولة قوية تفرط في جزء من اراضيها, فالولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال استولت على مناطق من المكسيك وضمتها اليها, وتتحدث تلك المناطق اللغة الاسبانية ويطلق على اهلها »الهسبانك« اي من اصول لاتينية, ولكن لا يفكر احد في الولايات المتحدة في التخلي عن اية ولاية من الولايات المتحدة الامريكية, ولو افترضنا حدوث شيء مماثل فالولايات المتحدة ستلجأ للعنف ضد اي انفصالي, وعلى سبيل التذكرة نقول ان الحرب الاهلية الامريكية الشهيرة قامت عندما حاولت بعض الولايات الانفصال وتم قمع ذلك بالقوة.
البديهية الثالثة: انه بعد الحروب العالمية الكبرى تظهر دول منتصرة واخرى منهزمة ومن ثم يتقاسم المنتصرون الغنائم ومن بينها تقسيم الدول المنهزمة, حدث هذا في اوروبا, ودفع ذلك المانيا ما بين الحربين الى الاتجاه نحو التطرف والفاشية, كما حدث ذلك مع الدول العثمانية التي تقطعت اوصالها, وها هو يحدث الان في يوغسلافيا الفيدرالية في عهد الزعيم جوزيف بروز تيتو فتحولت يوغسلافيا الى عدة دول على اساس القوميات, في حين دول اخرى قوية تتكون من عدة قوميات وعقائد واديان وسلالات تتحد فيما بينها, ولو حاولت ولاية منها الانفصال فان السلطة المركزية تستخدم القوة المسلحة غير عابئة بمواقف النقد او الادانة من الدول الاخرى!
البديهية الرابعة: ان عالم القرن الحادي والعشرين هو عالم حقوق الانسان بامتياز وهذا يعني ان على الدول جميعها احترام مبادئ حقوق الانسان واذا لم يتم ذلك فسوف يتخذ ذلك ذريعة للهجوم عليها سياسيا واعلاميا, واذا لاحق فترة ضعف منها يمكن ان يكون الهجوم عسكريا ايضا. ولعل حالة العراق هي من الحالات الصارخة.
وبناء على تلك البديهيات يمكننا النظر لقضية التبت, فهي اولا ولاية صينية, والصين دولة قوية وتزداد قوة ولم تتورط الصين في اية حروب, بل هي حريصة على عدم التورط في اية حروب والتركيز على نموها الاقتصادي والاجتماعي واستقرارها السياسي.
اذن اية مطالب باستقلال التبت لن تتحقق ولن يكتب لها النجاح وتكون كمن حرث في الماء.
ولقد طرح الدالاي لاما الزعيم الروحي للتبت في مقابلة له مع تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية في 16 اذار 2008 عدة مقولات نلخصها في الاتي:
1- ان هناك اكثر من مئة شخص اصيبوا واكثر من 80 شخصا قتلوا في اشتباكات المتظاهرين مع البوليس
2- ان الصين سوف تواجه مشاكل كثيرة اذا لم تتوقف عن سياساتها في التبت وتتراجع عنها وتغيرها
3-ان الصين تقوم بعملية ابادة للتراث الثقافي للتبت ونتساءل هل هذه المقولات يمكن ان تكون صحيحة.
ومن متابعتي لاوضاع التبت واوضاع الصين بوجه عام اجد ان هذه المقولات بها قدر كبير من المبالغات لاستدرار العطف من الدول الغربية.
فالصين في عصر الانفتاح لا تتعرض باي انتهاك للتراث الثقافي لاية اقلية »قومية« من قومياتها الـ 55 التي تعيش بين ربوعها بل ان اهم ما يميز الصين في عهد الاصلاح والانفتاح هو حرصها على الحفاظ على تراث تلك القوميات, ومن ثم فان مقولة ابادة التراث التبتي لا يمكن باي حال الاقتناع بها لان سياسة الصين تسير على خلاف ذلك بالنسبة لكل القوميات فلماذا تستثنى التبت. اما مقولة القتلى والمصابين فانها عادة مقولة مبالغ فيها لتضارب الانباء والاحداث وصعوبة التحقق من الادعاءات والادعاءات المضادة.
تبقى مقولة ان الصين يجب ان تغير موقفها في التبت, بعبارة اخرى ان الصين يجب ان تمنح التبت استقلالا, وهذه مقولة صادقة بالنسبة لصاحبها الذي يرغب في الاستقلال والانفصال, وتشجعه على ذلك وجود سمات خاصة للتبت, ولكن هذه السمات الخاصة يمكن ان نجدها في كل ولاية من ولايات الصين بل من ولايات اية دولة كبرى متعددة الاعراق والديانات بل حتى في بعض الدول الصغيرة.
لكن الخصائص المتميزة لأية ولاية لا تقتضي بالضرورة الانفصال عن الدولة الام, ومن ثم فإن مقولة الدالاي لاما هي اشبه بالتهديد بالويل والثبور للصين ما لم تسمع كلام الزعيم الروحي, وهنا نتساءل ان البوذية عقيدة مسالمة في جوهرها فلماذا يتصدى الرهبان البوذيون ويقومون باعمال عنف ليس في التبت فحسب بل في ميانمار وفي سيريلانكا وفي غيرها أليست هذه مفارقة? اذا التساؤل هل ثمة قوة اخرى خافية تحرك هؤلاء الناس الطيبين من حيث لا يدرون وتدفعهم دفعا لمبادىء الصراع والصدام الذي لن يحقق لهم فائدة لو فكروا بعقلانية, فتصادم النملة مع الفيل لن يؤدي الى نجاح النملة في كسر الفيل انها يمكن ان تؤذي جزءا من جسمه, ولكنها بالتأكيد لن تكسره ولن تقضي عليه, بل العكس سيحدث, وحقا المثل القائل لو تصارعت الافيال فإن الاعشاب ستدمر ولو مارست الافيال الحب فإن الاعشاب سوف تتدمر ايضا, اي ان الضعفاء ضائعون في الحالتين اليس في هؤلاء رجل رشيد يدرك ابعاد اللعبة الدولية?
والتساؤل الآخر اليست سياسة الصين المتشددة تجاه التبت وقمع المظاهرات تسيء الى صورة الصين, نقول نعم سيحدث ذلك ولكنها مثل رتوش تحدث على ثوب ابيض ولا مجال لتفاديها لتفكك او انفصال اجزاء اخرى, ولن يحدث ذلك مع دولة قيادتها متماسكة وذات ارادة موحدة كما هو حال الصين, او مع دولة قوية اقتصاديا وعسكريا كما هو حال الصين ايضا, ولنا في التجربتين العبرة الواضحة: الدلالة الاولى هي تجربة بيافر في نيجيريا حيث استمرت الحرب الاهلية عدة سنوات وكانت الحكومة المركزية مصرة على التمسك بالوحدة الفيدرالية للدولة وحققت ذلك. كذلك حالة اليمن عام 1992 بعد وحدتها عام 1990 سرعان ما طالب بعض قادة الجنوب بالانفصال وادار الرئيس اليمني المعركة بقوة وعزم واصرار فتم الابقاء على وحدة اليمن. ان اسبانيا تحارب الباسك الراغبين في الاستقلال, وكثيرة هي حالات الدول المشابهة, هذه هي دروس التاريخ وعبره من مختلف القارات والنظم السياسية.

ليست هناك تعليقات: