صحيفة أخبار الخليج البحرانية
السيد زهره
في عدد 17 مارس الماضي من مجلة الـ «نيوزويك« الامريكية مقال مهم عن الصين كتبه مارك ليونارد، وهو مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومؤلف كتاب «ما الذي تفكر فيه الصين؟«. أهمية المقال انه يعرض ويناقش قضية ليست معروفة ابعادها بالنسبة الى الكثيرين بشكل عام، وبالنسبة إلينا في الدول العربية بشكل الخاص. القضية تتعلق بالجدل الواسع الدائر في الصين على الصعيد الفكري والسياسي فيما يتعلق باستراتيجية المستقبل، وبدور الصين في العالم وأي استراتيجية للتحرك يجب ان تتبعها. هذا الجدل يدور في مراكز الأبحاث والجامعات الصينية وليس بعيدا عن مؤسسات ودوائر صنع السياسة في الصين.
يذكر الكاتب انه بخصوص هذه القضية، هناك اليوم خلاف وصراع بين تيارين كبيرين في الصين: تيار الليبراليين، وتيار من يطلق عليهم الـ «نيوكونز« الصينيين، أي المحافظين الصينيين الجدد. التيار الليبرالي يضم مفكرين معروفين من أمثال زينج بيجيان، وهو الذي صك تعبير «الصعود السلمي للصين«. في رأي أصحاب هذا التيار ان الصين يجب ان تحترم القواعد التقليدية للنظام الدولي، وان تتجنب الدخول في صراع أو مواجهة مباشرة مع أمريكا أو غيرها. على العكس، يجب في رايهم ان تسوق الصين للآخرين فكرة انها لا تمثل تهديدا. في رأي أصحاب هذا التيار أيضا ان الصين يجب ان تستغل عدم شعبية أمريكا وتراجع واهتزاز صورتها في العالم اليوم، وتقدم نفسها كقوة جذب ثقافي وسياسي بالأساس. يريد هؤلاء الليبراليون الصينيون من الصين ان ترد على «الحلم الامريكي« القائم على النجاح الفردي، بالترويج عالميا لـ «الحلم الصيني« القائم على التنمية الاقتصادية لمساعدة الفقراء، وعلى احترام القانون الدولي والسيادة الوطنية. أما التيار الثاني الذي يمثله الـ «نيوكونز«، فيمثله مفكرون من أمثال، يان اكسيتونج، وهو أكاديمي له نفوذ واسع، وايضا يانج لي، وهو من المفكرين العسكريين اللامعين. هذا التيار يرى أصحابه ان الصين يجب الا تركز على محاولة استرضاء امريكا على الصعيد العالمي، وانما يجب ان تتبع استراتيجية مبادئة ومبادرة تركز على أولويات الصين الخاصة والدفاع عن مصالحها. وفي التطبيق العملي، يعني هذا بالنسبة الى هؤلاء ان الصين يجب ان تقاوم محاولات أمريكا للترويج للديمقراطية الغربية وفرضها في العالم، كما يجب ان ترفض دعاوى التدخل الإنساني التي تروج لها أمريكا. هم يعتبرون ان اتباع هذه الاستراتيجية مهم جدا لحماية مصالح الصين ومصالح حلفائها في العالم من التدخلات الاجنبية الخارجية. وبالاضافة الى هذا، يطالبون بان تبادر الصين الى بناء تحالفات عالمية في مواجهات التحالفات الامريكية. هذا الجدل والخلاف بين التيارين الكبيرين في الصين حول الاستراتيجية العالمية الواجب اتباعها، يهمهم جدا في الغرب بطبيعة الحال لأسباب تخصهم. لكنه يهمنا ايضا في الوطن العربي بقدر أكبر منهم لاسباب أخرى.
نحن و«النموذج الصيني«
بطبيعة الحال، هذا الجدل يمثل بالنسبة اليهم في الغرب اهمية بالغة. وبمعنى أدق، يمثل مصدر قلق بالغ. مصادر وأسباب هذا القلق عبر عنها الكاتب نفسه في مقاله على النحو التالي: اعتبر ان سعي الصين لاتباع استراتيجية تتحدى أو تواجه الغرب على الصعيد العالمي، من شأنه ان يكرس طريقا غير ليبرالي سمته الأساسية تشديد قبضة الدولة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويحذر من أن الدول النامية في إفريقيا والشرق الأوسط ووسط آسيا وأمريكا اللاتينية قد تجد ان من مصلحتها اتباع هذا الطريق.
وفي تقدير الكاتب بشكل عام انه كلما كانت الصين اكثر غنى وأكثر قوة، اصبح هذا «النموذج الصيني« أكثر جذبا واغراء للآخرين. ويعني هذا في رأيه ان تصبح الصين اكثر تهديدا للنموذج الليبرالي الديمقراطي الذي هيمن على الشئون العالمية منذ نهاية الحرب الباردة. الذي يريد الكاتب ان يقوله كما هو واضح ان تنامي قوة الصين ونفوذها في العالم وانتشار نموذجها سوف يمثل تحديا هائلا للهيمنة الامريكية والغربية على المقدرات العالمية. هذا هو ما يقلقهم في الغرب. اما بالنسبة إلينا في الوطن العربي، فإن هذا الجدل حول طبيعة الاستراتيجية العالمية للصين ودورها في العالم، من المفروض أن يكون شديد الأهمية، من ثلاث زوايا أساسية: الزاوية الأولى: تتعلق بموازين القوى في العالم اليوم، وما تقتضيه مصالحنا العربية. والأمر هنا باختصار أن من مصلحتنا، كما من مصلحة العالم كله في الحقيقة، ان تبرز الصين كقوة عالمية كبرى لها نفوذ وتأثير في الشئون العالمية. من مصلحتنا ان تتجه الصين إلى اتباع سياسات وتتخذ مواقف مبادرة في العالم. هذا الدور الصيني هو ضرورة لموازنة الهيمنة الامريكية والغربية في الشئون العالمية اليوم. وهي الهيمنة التي جرّت على العالم كله، ودولنا في الطليعة، ويلات وكوارث لا اول لها ولا آخر. ولا يتعلق الامر هنا بالصين وحدها. من مصلحتنا ان يتزايد الدور والنفوذ العالمي للقوى الدولية الكبرى الاخرى، وفي مقدمتها روسيا. والزاوية الثانية: تتعلق بتفكيرنا نحن في الوطن العربي بمكانتنا ودورنا في العالم اليوم وفي المستقبل. الحقيقة ان هذا الجدل الذي تشهده الصين حول مستقبل دورها في العالم ، تشهده كل الدول والامم الحية في عالم اليوم بأشكال مختلفة. أين مثل هذا الجدل في عالمنا العربي؟.. أم ترى اننا ارتضينا لانفسنا ان نظل بلا مكانة وبلا دور او تأثير؟. والزاوية الثالثة: تتعلق بالجدل حول نموذج التنمية والنهضة في دولنا العربية. لقد رأينا كيف يدور الجدل في الصين حول نموذج التنمية الغربي بكل ابعاده ، وحول النموذج الصيني بخصوصيته من دور رائد للدولة ومن اولويات محددة مقارنة بالاولويات الغربية. ومرة اخرى، أين نحن من مثل هذا الجدل، وخصوصا اننا نشهد كيف ان كل التجارب العربية، هي بدرجات متفاوتة، فاشلة وقادت الى مآسٍ اجتماعية وسياسية. أم ترى اننا هنا أيضا ارتضينا لانفسنا ان نسير فقط في ركاب النموذج الغربي مهما جر علينا من كوارث، و بدون نقاش، وبدون النظر الى النموذج الصيني وأي نماذج مختلفة أخرى؟
السيد زهره
في عدد 17 مارس الماضي من مجلة الـ «نيوزويك« الامريكية مقال مهم عن الصين كتبه مارك ليونارد، وهو مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومؤلف كتاب «ما الذي تفكر فيه الصين؟«. أهمية المقال انه يعرض ويناقش قضية ليست معروفة ابعادها بالنسبة الى الكثيرين بشكل عام، وبالنسبة إلينا في الدول العربية بشكل الخاص. القضية تتعلق بالجدل الواسع الدائر في الصين على الصعيد الفكري والسياسي فيما يتعلق باستراتيجية المستقبل، وبدور الصين في العالم وأي استراتيجية للتحرك يجب ان تتبعها. هذا الجدل يدور في مراكز الأبحاث والجامعات الصينية وليس بعيدا عن مؤسسات ودوائر صنع السياسة في الصين.
يذكر الكاتب انه بخصوص هذه القضية، هناك اليوم خلاف وصراع بين تيارين كبيرين في الصين: تيار الليبراليين، وتيار من يطلق عليهم الـ «نيوكونز« الصينيين، أي المحافظين الصينيين الجدد. التيار الليبرالي يضم مفكرين معروفين من أمثال زينج بيجيان، وهو الذي صك تعبير «الصعود السلمي للصين«. في رأي أصحاب هذا التيار ان الصين يجب ان تحترم القواعد التقليدية للنظام الدولي، وان تتجنب الدخول في صراع أو مواجهة مباشرة مع أمريكا أو غيرها. على العكس، يجب في رايهم ان تسوق الصين للآخرين فكرة انها لا تمثل تهديدا. في رأي أصحاب هذا التيار أيضا ان الصين يجب ان تستغل عدم شعبية أمريكا وتراجع واهتزاز صورتها في العالم اليوم، وتقدم نفسها كقوة جذب ثقافي وسياسي بالأساس. يريد هؤلاء الليبراليون الصينيون من الصين ان ترد على «الحلم الامريكي« القائم على النجاح الفردي، بالترويج عالميا لـ «الحلم الصيني« القائم على التنمية الاقتصادية لمساعدة الفقراء، وعلى احترام القانون الدولي والسيادة الوطنية. أما التيار الثاني الذي يمثله الـ «نيوكونز«، فيمثله مفكرون من أمثال، يان اكسيتونج، وهو أكاديمي له نفوذ واسع، وايضا يانج لي، وهو من المفكرين العسكريين اللامعين. هذا التيار يرى أصحابه ان الصين يجب الا تركز على محاولة استرضاء امريكا على الصعيد العالمي، وانما يجب ان تتبع استراتيجية مبادئة ومبادرة تركز على أولويات الصين الخاصة والدفاع عن مصالحها. وفي التطبيق العملي، يعني هذا بالنسبة الى هؤلاء ان الصين يجب ان تقاوم محاولات أمريكا للترويج للديمقراطية الغربية وفرضها في العالم، كما يجب ان ترفض دعاوى التدخل الإنساني التي تروج لها أمريكا. هم يعتبرون ان اتباع هذه الاستراتيجية مهم جدا لحماية مصالح الصين ومصالح حلفائها في العالم من التدخلات الاجنبية الخارجية. وبالاضافة الى هذا، يطالبون بان تبادر الصين الى بناء تحالفات عالمية في مواجهات التحالفات الامريكية. هذا الجدل والخلاف بين التيارين الكبيرين في الصين حول الاستراتيجية العالمية الواجب اتباعها، يهمهم جدا في الغرب بطبيعة الحال لأسباب تخصهم. لكنه يهمنا ايضا في الوطن العربي بقدر أكبر منهم لاسباب أخرى.
نحن و«النموذج الصيني«
بطبيعة الحال، هذا الجدل يمثل بالنسبة اليهم في الغرب اهمية بالغة. وبمعنى أدق، يمثل مصدر قلق بالغ. مصادر وأسباب هذا القلق عبر عنها الكاتب نفسه في مقاله على النحو التالي: اعتبر ان سعي الصين لاتباع استراتيجية تتحدى أو تواجه الغرب على الصعيد العالمي، من شأنه ان يكرس طريقا غير ليبرالي سمته الأساسية تشديد قبضة الدولة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويحذر من أن الدول النامية في إفريقيا والشرق الأوسط ووسط آسيا وأمريكا اللاتينية قد تجد ان من مصلحتها اتباع هذا الطريق.
وفي تقدير الكاتب بشكل عام انه كلما كانت الصين اكثر غنى وأكثر قوة، اصبح هذا «النموذج الصيني« أكثر جذبا واغراء للآخرين. ويعني هذا في رأيه ان تصبح الصين اكثر تهديدا للنموذج الليبرالي الديمقراطي الذي هيمن على الشئون العالمية منذ نهاية الحرب الباردة. الذي يريد الكاتب ان يقوله كما هو واضح ان تنامي قوة الصين ونفوذها في العالم وانتشار نموذجها سوف يمثل تحديا هائلا للهيمنة الامريكية والغربية على المقدرات العالمية. هذا هو ما يقلقهم في الغرب. اما بالنسبة إلينا في الوطن العربي، فإن هذا الجدل حول طبيعة الاستراتيجية العالمية للصين ودورها في العالم، من المفروض أن يكون شديد الأهمية، من ثلاث زوايا أساسية: الزاوية الأولى: تتعلق بموازين القوى في العالم اليوم، وما تقتضيه مصالحنا العربية. والأمر هنا باختصار أن من مصلحتنا، كما من مصلحة العالم كله في الحقيقة، ان تبرز الصين كقوة عالمية كبرى لها نفوذ وتأثير في الشئون العالمية. من مصلحتنا ان تتجه الصين إلى اتباع سياسات وتتخذ مواقف مبادرة في العالم. هذا الدور الصيني هو ضرورة لموازنة الهيمنة الامريكية والغربية في الشئون العالمية اليوم. وهي الهيمنة التي جرّت على العالم كله، ودولنا في الطليعة، ويلات وكوارث لا اول لها ولا آخر. ولا يتعلق الامر هنا بالصين وحدها. من مصلحتنا ان يتزايد الدور والنفوذ العالمي للقوى الدولية الكبرى الاخرى، وفي مقدمتها روسيا. والزاوية الثانية: تتعلق بتفكيرنا نحن في الوطن العربي بمكانتنا ودورنا في العالم اليوم وفي المستقبل. الحقيقة ان هذا الجدل الذي تشهده الصين حول مستقبل دورها في العالم ، تشهده كل الدول والامم الحية في عالم اليوم بأشكال مختلفة. أين مثل هذا الجدل في عالمنا العربي؟.. أم ترى اننا ارتضينا لانفسنا ان نظل بلا مكانة وبلا دور او تأثير؟. والزاوية الثالثة: تتعلق بالجدل حول نموذج التنمية والنهضة في دولنا العربية. لقد رأينا كيف يدور الجدل في الصين حول نموذج التنمية الغربي بكل ابعاده ، وحول النموذج الصيني بخصوصيته من دور رائد للدولة ومن اولويات محددة مقارنة بالاولويات الغربية. ومرة اخرى، أين نحن من مثل هذا الجدل، وخصوصا اننا نشهد كيف ان كل التجارب العربية، هي بدرجات متفاوتة، فاشلة وقادت الى مآسٍ اجتماعية وسياسية. أم ترى اننا هنا أيضا ارتضينا لانفسنا ان نسير فقط في ركاب النموذج الغربي مهما جر علينا من كوارث، و بدون نقاش، وبدون النظر الى النموذج الصيني وأي نماذج مختلفة أخرى؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق