الأحد، 13 أبريل 2008

هل يفسد الرهبان فرحة الأولمبياد؟

صحيفة الوطن السعودية
أشرف إحسان فقيه
بلباسه الأحمر الشبيه بالإحرام وابتسامته الطفولية يبدو (الدالاي لاما) أبعد ما يكون عن الشخصية السياسية المؤثرة. والحقيقة أن قلة من القادة الروحيين يتمتع بالنفوذ الذي يحظى به كبير رهبان البوذية التبتي هذا.. في هذه الأيام بالذات. ليس لأنه يمثل طائفة دينية مهولة العدد وحسب.. بل ولأنه أيضاً يُستخدم كشوكة في خاصرة القوة العالمية الواعدة والمتفشية عالمياً: الصين.
الفعل الأخير جاء أعلاه مبنياً للمجهول لأن هناك أكثر من جهة معنية بالضغط على الصين وابتزازها والأولمبياد الذي ستستضيفه بكين يطرق أبوابنا. (الدالاي لاما) هو لاجئ سياسي يرأس حكومة منفى في الهند منذ اجتياح القوات الصينية لبلاده (التبت) في 1959. لكن حكومة المنفى هذه تملك من أسباب القوى والتمكين.. وتحظى بدعم واهتمام دوليين لم تكن لتحلم بجزء منهما لو أنها كانت مستقرة آمنة في بلدها الأصلي.
منذ أن اختيرت بكين لاستضافة الأولمبياد، ثارت ثائرة المنظمات الحقوقية حول العالم. سجل الصين في مجال (حقوق الإنسان) لم يكن مثالياً تماماً. الحكومة الصينية تعتبر واحدة من أكبر الأنظمة القامعة لحريات التعبير في العالم. الإنترنت هناك تحظى برقابة حديدية تعتبر مثالاً يحتذى للسلطة الشمولية. العلاقات الدولية مع الصين هي دوماً على صفيح ساخن. هناك (تايوان) و (كوريا الشمالية). هناك أيضاً قضية (التبت) هذه العالقة والمفروغ منها في نفس الوقت منذ نصف قرن. هناك انفصاليون مسلمون في (سينكيانج) بأقصى الغرب الصيني.. هؤلاء نادراً ما ينفذون عبر منخل الأخبار العالمية لكنهم يظلون جزءاً من الغسيل الصيني القابل للنشر.
كثيرون رأوا في فوز (بكين) باستضافة أولمبياد 2008 مكافأة من الغرب وجائزة ترضية. الصين وفقت كثيراً في الحفاظ على (هونغ كونغ) كقلب للرأسمالية العالمية وأبقتها بعيدة عن قبضة اقتصادها الشمولي عقب استعادتها من بريطانيا عام 1997. وأكثر منذ ذلك فقد حررت الصين أسواقها أكثر.. واستفحلت أكثر في أسواق الغرب. بين تقديم عطاءات استضافة أولمبياد 2008 وبين اليوم نما الاقتصاد الصيني أكثر ليصير ذا تأثير مريع على الشأن العالمي. لن نجانب الحقيقة كثيراً إذا اعتبرنا أن فوز (بكين) باحتضان الأولمبياد مع ما يجلب معه من بريق إعلامي واستثماري كان بمثابة "المعلوم" الذي قدمه الغرب للصين مقابل المزيد من تبادل المنافع الكبرى.
كيف يتفق كل ذلك إذاً وما نشهده هذه الأيام من الضغط على الصين.. واستخدام ورقة الأولمبياد بالذات في هذا الضغط. هناك أصوات تعلو وتيرتها كل يوم تطالب بمقاطعة أولمبياد الصين جملة وتفصيلاً. وثلة متزايدة من زعماء العالم (الحُر) تبدي تحفظها على حضور تدشين الأولمبياد على الأقل. يوم السبت الماضي أعلن الرئيس الفرنسي (ساركوزي) مثلاً عن موافقة مشروطة لتشريفه حفل انطلاق الأولمبياد.. واحدة من الشروط كانت متعلقة بحل التوتر في (التبت) تلك الرقعة الجبلية التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أرضها.. فيما يثير الرهبان البوذيون المتشحون بالأحمر والأصفر شجون العالم عليهم.. وتعاطفه معهم!
هل يجدر بنا نحن أيضاً أن نتعاطف مع الرهبان البوذيين المحتجين.. في الصين والتبت.. وفي (بورما) أيضاً التي كانت لهم بها صولة مشهودة قبل أشهر. ربما آذت الصين نفسها فوق ما تعتقد حين فشلت في اعتقال التجسيد الروحي لبوذا وكبير العارفين (الدالاي لاما) يوم اقتحمت التبت قبل خمسين عاماً. فهذا الرجل فر واستغل مأساته ليحقق للبوذية -وهي الديانة المغرقة في شرقيتها وآسيويتها- اختراقاً في الغرب لم تكن لتحلم به. منذ الستينات والبوذية (موضة) روحية رائجة. طقوسها وتعابيرها من (يوغا) و (كارما) وسواها تحظى بالإقبال حتى من الخاصة وأبناء الطبقات المخملية.. فيما ارتضى البعض الانغمار في تفاصيلها. مشهد الأميركي الأشقر حليق الرأس والمتلفع بزي الرهبان البوذي عبر شوارع (سان فرانسيسكو) لم يعد صادماً.. ليس للمواطن الأميركي على الأقل. البوذية تكاد تكون أنجح ديانة كبرى غير سماوية تكرس نفسها كعقيدة سلمية.. كرمز للسلام.. وحين ثار الرهبان في بورما على العسكر فإنهم قد حظوا بتعاطف الشباب والمؤسسات الإعلامية في الغرب بشكل واسع.. أوسع حتى من ضحايا حروب العراق وغزة! بسبب (الدالاي لاما).. المنفي البوذي الوحيد في الهند.. يقوم الغرب بابتزاز المارد الصيني ويطالبه بمراجعة سياساته.. واقتصاديات أسواقه بالمرّة.. الآن والمونديال على الأبواب. إنه يبتزه بحجة مأساة (الدالاي) فيما لا يعنيه كثيراً أن تعدم الصين عشرات (الأويجور) المسلمين بين فينة وأخرى بحجة تهديدهم المحتمل لأمن الأولمبياد.
(ستيف جوبز) رئيس شركة (آبل).. (روبيرتو باجيو) هداف إيطاليا الأسطوري والنجم السينمائي (توم كروز) في وقت من الأوقات اعتنقوا البوذية وبشروا بها متأثرين بنضال (الدالاي لاما) وبرسالة السماحة والسلام التي جاء بها (بوذا) بين المخلوقات. لا أحد في الغرب أنكر على هؤلاء (الرموز) تحولاتهم الجذرية نحو البوذية. لا أحد سيسائل كثيراً في مشهد الراهب البوذي الحليق وهو يدلف لفرع (ماكدونالدز) كي يقتات على البرجر النباتي. عل العكس.. كلنا نذكر كيف ثار العالم أيضاً على (طالبان) أيام كانت تحكم أفغانستان حين نسفت أكبر تماثيل بوذية في العالم قبل سنين.
ماهو تفسير هذا النفوذ البوذي حول العالم؟ كيف يتأتى لعقيدة (سلبية) كهذه أن تحظى بثمة إقبال و (كاريزما).. في عالم تعرفه قواعد التنافسية والإنتاجية والإنجاز؟ في مقالته الشهيرة (العالم بلا إسلام) التي نشرت في فبراير الماضي.. تنبأ (جراهام فولر) بعالم تسود فيه العقيدة البوذية بحياديتها على باقي الديانات السماوية! هذه معلومة قد نستقبلها بازدراء وقد نضحك منها. لكن الآن فيما (الدالاي لاما) يبتسم في تجلٍ وأذن الصين تفرك دولياً.. فإن هناك دروساً كثيرة يسعنا نحن أن نتعلمها من الرهبان البوذيين المتلفعين بالأحمر والأصفر.. وبالذات من كبيرهم صاحب الوجه الطفولي والنظارات المربعة.. الذي يتم استخدامه لإفساد فرحة الصين بالأولمبياد من قبل حتى أن يبدأ.

ليست هناك تعليقات: