صحيفة المستقبل اللبنانية
مسعود ضاهر
بعد انتصار الثورة الصينية تحت قيادة الرئيس ماوتسي تونغ عام 1949، وقفت الولايات المتحدة الأميركية والدول المتحالفة معها ضد تمثيل جمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة. وحتى تاريخ إعادة العلاقات بين الصين الشعبية والولايات المتحدة عام 1972، بقيت تايوان، أو الصين الوطنية، الممثل الوحيد للصين في الأمم المتحدة. فقد رفضت جمهورية الصين الشعبية الجلوس إلى جانب تايوان كدولتين مستقلتين يتمثلان معا في الجمعية العامة للأمم المتحدة على غرار ما كان قائما في تمثيل كوريا، وألمانيا، والفيتنام. فقد اشترطت الصين على جميع دول العالم التي ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية معها أن يتم الاعتراف أولا بوحدة الصين، أرضا وشعبا ومن ضمنها تايوان. على أن تكون جمهورية الصين الشعبية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصيني. وأعلنت مرارا أنها ما زالت على استعداد لقطع علاقاتها فورا مع أية دولة تعترف باستقلال جزيرة تايوان، أو انفصالها عن الوطن الأم أي "البر الصيني" الذي يضم الآن أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة، ويشكل أكبر سوق عالمية لتوظيف الرساميل الوافدة من الخارج، وإنتاج سلع تجارية ممتازة وبكلفة زهيدة .
مع ذلك، ورغم التبدلات العاصفة التي شهدتها الصين في الثلاثين سنة الماضية، بقيت لدى بعض قادة تايوان أوهام كبيرة حول تمايز شعبها عن شعب الصين. فهم يرون أن جزيرتهم التي يبلغ تعداد سكانها اليوم قرابة 22 مليون نسمة، أكثر تطورا من البر الصيني في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والدخل الفردي، وممارسة الحريات الديموقراطية. ونظامها السياسي مستوحى من النموذج الغربي بعد أن ابتعد كثيرا عن نموذج الدولة الآسيوية التقليدية التي كانت سائدة في الصين، والهند.
لكن مواقف قادة تايوان ليست موحدة تجاه الانضمام أو الانفصال عن البر الصيني. فإلى جانب دعاة استقلال برز تيار توحيدي كبير يعمل على إعادة توحيد الصين شرط الاعتراف بنوع من الحكم الذاتي للجزيرة على غرار هونغ كونغ.
وافقت الصين الشعبية على هذا المنحى في محاولة للتقارب الإيجابي مع تايوان. فأسست سلطات تايوان عام 1990 "مجلس التوحيد الوطني" الذي عقد أكثر من أربعة عشر اجتماعا، أصدر على أثرها "الخطوط العامة للتوحيد الوطني" عام 1991. ونصت الوثيقة على أن كلا من البر الصيني وجزيرة تايوان يخضعان لسيادة الصين.
واقترح المجلس تعزيز العلاقات بين أبناء الشعب الواحد، والعمل على توحيد الصين كمهمة مشتركة لجميع الصينيين. ووضع المجلس مخططا طويل الأمد لتحقيق وحدة الصين على ثلاث مراحل متدرجة بالاستناد إلى خطوات ديموقراطية. ورفض المجلس استخدام القوة أو إراقة الدم الصيني على أرض الصين، وبأيدي الصينيين أنفسهم . عندما تولى رئيس تايوان، تشن شوي بيان، حكم الجزيرة في أيار 2000، تعهد بعدم إعلان استقلال تايوان أو إنفصالها عن الوطن الأم. ولم يتضمن دستورها أي نص حول وجود دولتين في الصين. كما تعهد بعدم إجراء أي استفتاء شعبي بهدف الاستقلال أو إلغاء مجلس التوحيد الوطني وسياسة التوحيد الوطني.
لكن سياسة تايوان عرفت انقلابا خطيرا في الأول من أيار 2006 . فقد تراجعت حكومتها عن المبادئ المتفق عليها منذ أكثر من خمس عشرة سنة. وتم تعطيل مجلس التوحيد الوطني، وأبطل العمل بخطط التوحيد القومي. فنددت الصين على الفور بهذا التوجه الذي قام به حكام تايوان في ظروف إقليمية ودولية تزداد فيها علاقات الصين تأزما مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن حكام تايوان اتخذوا قرارا خطيرا عندما قرروا إجراء استفتاء شعبي داخلي يحدد مستقبل تايوان. وقد اختاروا لحظة تفجر أحداث التيبت الدامية من جهة، والبدء بالألعاب الأولمبية التي تعلق عليها الصين آمالا كبيرة من جهة أخرى. فأدانت هذا التصرف غير المسؤول لأنه يشكل محاولة مدروسة لاستفزاز بكين دون أن يضمن استقلال الجزيرة. ويعرف حكام تايوان جيدا أن الصين لن تقبل أبدا باستقلال أو انفصال تايوان عنها حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية ضدها.
بعد أن نجح الصينيون في استرجاع هونغ كونغ، وماكاو سلما، جاء الاستفتاء الأخير ليؤكد نجاح الحل الديموقراطي لاسترجاع تايوان عبر صناديق الاقتراع. فقد حقق مرشح الحزب القومي التوحيدي في تايوان، ماينغ ـ جيو، انتصارا ساحقا في الاستفتاء الذي أجرته الحكومة في 23 آذار 2008. فحصل على أكثر من 58 بالمائة مقابل 41 بالمائة ضد دعاة الانفصال عن الصين. وكان الحزب القومي قد حصل في انتخابات المجلس التشريعي في 12 كانون الثاني 2008 على 81 مقعدا من أصل 113 مقعدا، مقابل 27 مقعدا للحزب التقدمي الديموقراطي الحاكم.
ختاما، أثبتت سياسة الصين الثابتة تجاه تايوان صدقيتها. فتايوان جزء لا يتجزأ من الصين. وهو شعار لا يخدم مصلحة البر الصيني فقط بل أيضا مصلحة شعب تايوان الذي أعرب في الاستفتاء الأخير عن رغبته في التوحد مع الوطن الأم. فالصين اليوم أكبر دولة في العالم، وأحد ابرز أقطاب عصر العولمة. وليس من شك في أن الاستفتاء سيساعد على تحسين العلاقات بين تايوان والصين تمهيدا للوحدة التامة بينهما.
مسعود ضاهر
بعد انتصار الثورة الصينية تحت قيادة الرئيس ماوتسي تونغ عام 1949، وقفت الولايات المتحدة الأميركية والدول المتحالفة معها ضد تمثيل جمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة. وحتى تاريخ إعادة العلاقات بين الصين الشعبية والولايات المتحدة عام 1972، بقيت تايوان، أو الصين الوطنية، الممثل الوحيد للصين في الأمم المتحدة. فقد رفضت جمهورية الصين الشعبية الجلوس إلى جانب تايوان كدولتين مستقلتين يتمثلان معا في الجمعية العامة للأمم المتحدة على غرار ما كان قائما في تمثيل كوريا، وألمانيا، والفيتنام. فقد اشترطت الصين على جميع دول العالم التي ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية معها أن يتم الاعتراف أولا بوحدة الصين، أرضا وشعبا ومن ضمنها تايوان. على أن تكون جمهورية الصين الشعبية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصيني. وأعلنت مرارا أنها ما زالت على استعداد لقطع علاقاتها فورا مع أية دولة تعترف باستقلال جزيرة تايوان، أو انفصالها عن الوطن الأم أي "البر الصيني" الذي يضم الآن أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة، ويشكل أكبر سوق عالمية لتوظيف الرساميل الوافدة من الخارج، وإنتاج سلع تجارية ممتازة وبكلفة زهيدة .
مع ذلك، ورغم التبدلات العاصفة التي شهدتها الصين في الثلاثين سنة الماضية، بقيت لدى بعض قادة تايوان أوهام كبيرة حول تمايز شعبها عن شعب الصين. فهم يرون أن جزيرتهم التي يبلغ تعداد سكانها اليوم قرابة 22 مليون نسمة، أكثر تطورا من البر الصيني في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والدخل الفردي، وممارسة الحريات الديموقراطية. ونظامها السياسي مستوحى من النموذج الغربي بعد أن ابتعد كثيرا عن نموذج الدولة الآسيوية التقليدية التي كانت سائدة في الصين، والهند.
لكن مواقف قادة تايوان ليست موحدة تجاه الانضمام أو الانفصال عن البر الصيني. فإلى جانب دعاة استقلال برز تيار توحيدي كبير يعمل على إعادة توحيد الصين شرط الاعتراف بنوع من الحكم الذاتي للجزيرة على غرار هونغ كونغ.
وافقت الصين الشعبية على هذا المنحى في محاولة للتقارب الإيجابي مع تايوان. فأسست سلطات تايوان عام 1990 "مجلس التوحيد الوطني" الذي عقد أكثر من أربعة عشر اجتماعا، أصدر على أثرها "الخطوط العامة للتوحيد الوطني" عام 1991. ونصت الوثيقة على أن كلا من البر الصيني وجزيرة تايوان يخضعان لسيادة الصين.
واقترح المجلس تعزيز العلاقات بين أبناء الشعب الواحد، والعمل على توحيد الصين كمهمة مشتركة لجميع الصينيين. ووضع المجلس مخططا طويل الأمد لتحقيق وحدة الصين على ثلاث مراحل متدرجة بالاستناد إلى خطوات ديموقراطية. ورفض المجلس استخدام القوة أو إراقة الدم الصيني على أرض الصين، وبأيدي الصينيين أنفسهم . عندما تولى رئيس تايوان، تشن شوي بيان، حكم الجزيرة في أيار 2000، تعهد بعدم إعلان استقلال تايوان أو إنفصالها عن الوطن الأم. ولم يتضمن دستورها أي نص حول وجود دولتين في الصين. كما تعهد بعدم إجراء أي استفتاء شعبي بهدف الاستقلال أو إلغاء مجلس التوحيد الوطني وسياسة التوحيد الوطني.
لكن سياسة تايوان عرفت انقلابا خطيرا في الأول من أيار 2006 . فقد تراجعت حكومتها عن المبادئ المتفق عليها منذ أكثر من خمس عشرة سنة. وتم تعطيل مجلس التوحيد الوطني، وأبطل العمل بخطط التوحيد القومي. فنددت الصين على الفور بهذا التوجه الذي قام به حكام تايوان في ظروف إقليمية ودولية تزداد فيها علاقات الصين تأزما مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن حكام تايوان اتخذوا قرارا خطيرا عندما قرروا إجراء استفتاء شعبي داخلي يحدد مستقبل تايوان. وقد اختاروا لحظة تفجر أحداث التيبت الدامية من جهة، والبدء بالألعاب الأولمبية التي تعلق عليها الصين آمالا كبيرة من جهة أخرى. فأدانت هذا التصرف غير المسؤول لأنه يشكل محاولة مدروسة لاستفزاز بكين دون أن يضمن استقلال الجزيرة. ويعرف حكام تايوان جيدا أن الصين لن تقبل أبدا باستقلال أو انفصال تايوان عنها حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية ضدها.
بعد أن نجح الصينيون في استرجاع هونغ كونغ، وماكاو سلما، جاء الاستفتاء الأخير ليؤكد نجاح الحل الديموقراطي لاسترجاع تايوان عبر صناديق الاقتراع. فقد حقق مرشح الحزب القومي التوحيدي في تايوان، ماينغ ـ جيو، انتصارا ساحقا في الاستفتاء الذي أجرته الحكومة في 23 آذار 2008. فحصل على أكثر من 58 بالمائة مقابل 41 بالمائة ضد دعاة الانفصال عن الصين. وكان الحزب القومي قد حصل في انتخابات المجلس التشريعي في 12 كانون الثاني 2008 على 81 مقعدا من أصل 113 مقعدا، مقابل 27 مقعدا للحزب التقدمي الديموقراطي الحاكم.
ختاما، أثبتت سياسة الصين الثابتة تجاه تايوان صدقيتها. فتايوان جزء لا يتجزأ من الصين. وهو شعار لا يخدم مصلحة البر الصيني فقط بل أيضا مصلحة شعب تايوان الذي أعرب في الاستفتاء الأخير عن رغبته في التوحد مع الوطن الأم. فالصين اليوم أكبر دولة في العالم، وأحد ابرز أقطاب عصر العولمة. وليس من شك في أن الاستفتاء سيساعد على تحسين العلاقات بين تايوان والصين تمهيدا للوحدة التامة بينهما.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق