الاثنين، 26 مايو 2008

الشعلة الأولمبية والقومية الصينية

صحيفة الاقتصادية السعودية
هيو يو- فونج
تسلقت الشعلة الأولمبية قمة إفرست، وهي تحل الآن ضيفة على كافة مقاطعات الصين، بما فيها التبت. ولا بد أن إعادة الشعلة التي تمثل الروح الأولمبية إلى الأراضي الصينية جلب نفسا من الصعداء للصينيين، إذ إن الاستقبال الدولي للشعلة لم يكن على الدوام متسما بالودية.
بعد أن حاول محتجون تعطيل مسيرة الشعلة الأولمبية في العاصمة البريطانية لندن، ومحاولة إخماد الشعلة في باريس، عمدت السلطات في سان فرانسيسكو إلى السرية على نحو يشبه لعبة "الاستغماية" و"هرَّبت" الشعلة من خلال تغيير مسارها، الأمر الذي لم يضلل المعارضين فقط، ولكنه حرم المؤيدين من فرصة المشاركة في هذه المسيرة التاريخية.
وفي إسلام أباد، اقتصرت المسيرة على ستاد رياضي في إسلام أباد ولم تمر بشكل احتفالي، حيث لم يشاهدها سوى الضيوف المدعوين. وفي دلهي، مرّت الشعلة عبر الطريق الرئيسي الذي أصبح هادئا على نحو غير معهود، حيث أفرغ من الحشود المعتادة بفعل الترتيبات الأمنية المشددة. ومن المفارقات، أن المخاوف بشأن الشعلة من الناحية الأمنية حرمت المسيرة من واحد من أهم عناصرها، وهو الحشود الصاخبة المبتهجة.
بعض مظاهر الاحتفال تم استردادها في المسيرات التي عبرت شوارع تايلاند وماليزيا، حيث احتفل المحليون من السكان ذوي الأصول الصينية والمغتربون الصينيون بمرور الشعلة. وبينما لم يغب المحتجون، فإن الوجود الأمني الهائل ضمن ألا تقوم الحشود المحتجة بسرقة الأضواء بعيدا عن الشعلة وعن حامليها من المشاهير.
وُصِفت دورة بكين للألعاب الأولمبية 2008 بأنها حفل خروج الصين إلى الضوء، واستعراض لتقدمها الاقتصادي بعد مرور 30 عاماً بالضبط على إعلان دينج زياوبينج لسياسة الباب المفتوح في 1978. وكمقدمة للحفل، خطط الصينيون لإقامة أضخم مسيرة للشعلة على الإطلاق لإيصال الأولمبياد إلى أقصى زاوية من العالم. ورمزيا، فإن هذه الطقوس ستتم ترجمتها أيضا على أنها دعوة إلى التأييد العالمي للإنجازات التي حققتها الصين.
وهكذا، عندما يحرم المحتجون أو التشديد الأمني مسيرة الشعلة من الجماهير المؤيدة والمبتهجة، فإنهم يحرمون الصين من هذا النوع من التأييد العالمي المنشود. ومرور الشعلة بدون الهيبة التي تمنحها الحشود المؤيدة مرادف للحرمان من التكريم، أو "فقدان ماء الوجه"، وهي استعارة مجازية يعرفها الصينيون حق المعرفة، حيث إن فقدانها يتسبب بالإذلال وفقدان السلطة والهيبة في المفاهيم الاجتماعية الصينية.
لذا، لم يكن من المستغرب أن يتسم رد فعل الصينيين بالغضب القومي المتفجر. ويبدو أن موقعهم على خشبة التاريخ، الذي تم الحصول عليه من خلال التخطيط الدقيق وتعبئة الموارد الضخمة، قد اختطف من مجرد فورة من الاضطرابات المحلية. وكان الغضب واضحا من خلال الرسائل التي نشرت على مواقع مدونات عبر الإنترنت تحتوي على دعوات لمقاطعة سلسلة متاجر كارفور الفرنسية لتجارة التجزئة.
بالنسبة للصينيين، نرى في حالة كارفور أن الخلط بين شركة تجزئة ذات أصول فرنسية وبين الحكومة الفرنسية يكشف عن نوع من القومية التي أصبحت تميل إلى كونها تفتقر إلى وضوح الرؤية. كما أنها شكل من أشكال القومية التي أصبحت تميل إلى عدم التسامح، بل وحتى عدم تقبل الحلول المنطقية، كما حدث مع الطالبة الصينية في السنة الأولى في جامعة ديوك، والتي أدينت من قبل أبناء بلدها لمحاولتها للوساطة بين المحتجين الموالين للتبت والمتظاهرين الموالين للصين.
إن مشاعر الاعتزاز القومي لدى الصينيين، حين تقف في وجه نظام عالمي قائم على الدول القومية، فإنه سيتعين على هذه المشاعر التوصل إلى تسوية مع الأصوات المعارضة. إن الشعلة الأولمبية لن يكون لها معنى لو أنها كانت تنتمي إلى الصين وحدها وليس إلى العالم بأسره. إن الإعلان عن شعار الصداقة الدولية هو في الوقت نفسه تقَبُّل لفكرة المعارضة الدولية. وسيكون من غير الواقعي أن يتوقع من باقي دول العالم أن تقيم حفل استقبال للشعلة بالشكل الذي استقبلت فيه في كوريا الشمالية، حيث اصطف المرحبون في ملابسهم الأنيقة في الشوارع، وهم يلوحون للرياضيين بإحساس من الواجب والولاء مع مرور الشعلة.
وحتى في هونج كونج، التي ميزت عودة الشعلة إلى الأراضي الصينية في الثلاثين من نيسان (أبريل)، فقد كان رد الفعل متبايناً. وكرد على بعض التعطيلات السابقة لمسيرة الشعلة، نظم بعض مواطني الإنترنت تلقائيا مجموعة تطوعية لحراسة الطريق الذي ستمر خلاله الشعلة. ومن الناحية الأخرى، استغل صينيون آخرون من هونج كونج هذه المناسبة لعرض علم التبت، وهو العلم ذاته الذي توشحت به طالبة في جامعة هونج كونج.
وعلى النقيض من البعض الذين هتفوا "الصين، إلى الأمام" أو أنشدوا النشيد الوطني الصيني خلال مشاهدتهم مسيرة الشعلة، فقد كان هناك آخرون، مثل أنصار تحالف هونج كونج لدعم الحركات الديمقراطية الوطنية في الصين، الذين اختاروا التظاهر ضد سجل حقوق الإنسان المضطرب في بلادهم، متأثرين بقوة من الشعار الذي اتخذته الصين لدورة الألعاب الأولمبية 2008، منشدين اللازمة التالية:

" عالم واحد- حقوق إنسان نفسها
حلم واحد - أعيدوا إصلاح الرابع من حزيران (يونيو) ( الحادثة التي وقعت عام 1989)
الأولمبياد إلى الأمام، حقوق الإنسان، إلى الأمام
الديمقراطية إلى الأمام، الصين إلى الأمام"

يربط هذا الشعار الوطنية مع الاحتجاج، مرددا صدى النغمة السياسية للحركة الديمقراطية التي ظهرت في الرابع من حزيران (يونيو) عام 1989، عندما خرج الطلاب والعمال بقوة للاحتجاج على الفساد المستشري في المؤسسة الصينية. وفي هذه المرة، فإن مثل هذه القومية العميقة ليست منتشرة على نطاق واسع، ربما لأن الصيني العادي يجد صعوبة في التعاطف مع محنة أهالي التبت وتفهمها.
ربما يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين قد ارتفع بمعدل سنوي يزيد على 9.8 في المائة منذ 1979، ولكن من الواضح أن التقدم بالنسبة للمجتمع الدولي، ولبعض قطاعات المجتمع المدني داخل الصين، لا يقاس بالمعايير الاقتصادية وحدها. وبالمثل، فإن مسيرة الشعلة ليست مجرد نقل للشعلة الأولمبية من نقطة إلى أخرى، بل إنها تتعلق بكسب الاحترام على طول الطريق.

ليست هناك تعليقات: