مجلة سيدتي
جمال الغيطاني
الوجهة التي يقصدها الإنسان تحدد حالته عند السفر، بلاد تثير عندي البهجة والرغبة في الاكتشاف، وأخرى أقصدها لضرورة عملية فلا تحفز ولا سرور، إنما أداء واجب، كذلك تحدد المسافات الطاقة المستنفرة، لو أنني متجه إلى أي بلد أوروبي، فلن تزيد المسافة المقطوعة على أربع ساعات ونصف الساعة، بعد انقضاء ساعة واحدة يبدو ما مرّ طويلاً وما تبقى أطول، لكن عندما تكون الوجهة أقصى الشرق أو الغرب، فإن قدراً مغايراً من الطاقة والقدرة على الاستعداد يتم استنفاره، الليلة أقصد الصين، ورغم تقدم وسائل السفر التي ألغت البُعد المكاني عملياً، فإن مجرد لفظ اسم الصين يثير إحساساً بالبعد بالأقصى، رغم أن المسافة مجرد ساعات، كما أن الصين حاضرة بقوة في عالمنا اليوم، ويتزايد دورها وتأثيرها، إنها الرحلة الثانية خلال عامين، رغم ذلك ما زلت في مرحلة استكشاف هذه الديار، كما أن معرفتي القديمة بالصين تؤثر في رؤيتي، ترتبط الصين بالبعد، إنها الأبعد، المكان الذي كان صعباً بلوغه حتى وقت قريب، يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وفي رحلته التي استغرقت جل عمره، احتاج ابن بطوطة سنوات عديدة حتى يبلغها ويخبر عنها، هأنذا أتأهب للصعود إلى طائرة مصر للطيران، في الرحلات الطويلة أفضل شركتنا الوطنية لما ألقاه من رعاية, خاصة أنني أعرف الآن ملامح العديد، سنتجه شرقاً إذن، معظم رحلاتي غرباً، سنحط أولاً في بانكوك عاصمة تايلاند، بعد حوالي تسع ساعات من الطيران المتصل، ثم نستأنف إلى بكين، نصلها بعد خمس ساعات تقريباً، الأمر دائماً نسبي، مرحلة واحدة في الرحلة تساوي المسافة من القاهرة إلى باريس، سنتحرك عكس اتجاه الشمس، عكس النهار، لذلك سنفقد ست ساعات، نستردها في العودة، ترى كيف يكون الشروق في الشرق، فوق المحيط؟، أسئلة عديدة تجعل النوم في الطائرة صعباً، أستقر فوق المقعد، أبدأ العلاقة بالمكان على الفور، الكتب إلى جواري، أوراق بيضاء أمامي، علبة الأدوية إلى جواري، جهاز الاستماع إلى موسيقاي في جيبي الأيمن بعيداً عن موضع القلب، تغلق الأبواب، تهدر المحركات، الحركة الأولى فوق الممر في مواجهة الليل والمسافة.
إقلاع
إقلاع هين، لين يشتهر به الطيارون المصريون، مع بدء الابتعاد عن الأرض يصبح الإنسان مع نفسه أكثر، نصبح بعيداً عما ألفناه واعتدناه، عن علاقاتنا التي تركناها هناك حتى وإن شغلنا بها، عن صلاتنا بمن نحب، عن مواقفنا وما تتضمنها، تتوافد علينا الملامح والرؤى، أول من يفدون على الخاطر أولئك الذين تجري دماؤهم في شراييننا، ذوو القربى، ثم الصحاب والرفاق، نستعيد ما كان منا، نقيِّم أفعالنا، ننتقد أنفسنا أحيانا، أو نأنس إلى صلات حميمة ولحظات عزيزة، نحن، نشجو، نندم على بعض من فات، على أوقات لم نعشها كما ينبغي، ساعات السفر جواً أو براً فرصة لتقليب الذات، للمراجعة، للدنو إلى ما سيكون.
أسماء
رغم أن الحيز ضيق، مقعد أشغله في أنبوب طائر بسرعة ألف كيلومتر تقريباً، ما من فرصة للتعلق بالمواضع التي نعبرها، وإلا كان الهلاك، والسلامة الآن في اجتياز الأماكن، والعبور فوقها من دون ملامستها أو التعرف عليها، الرؤية من النافذة الضيقة المستديرة لا تمدنا بشيء، خاصة في الليل، إلا أنني أحاول بقدر الإمكان معرفة موضعي في العالم، بالنسبة للمكان الذي انطلقت منه، بالنسبة لما سأبلغه، في الشاشة الصغيرة قنوات عديدة تعرض أفلاماً مختلفة، لكنني أفضل متابعة بيانات الرحلة، سرعة الطائرة، الارتفاع، سرعة الرياح، المسار، خريطة الأرض، طوال الطيران فوق مصر تغمرني الألفة والسكينة، وبمجرد عبور البر إلى البحر، سواء كان في الإسكندرية أو البحر الأحمر، يبدأ الشعور بالخروج من الديار، بالاغتراب، بالخشية، إن الوطن ليس شيئاً مجرداً، الطائرة تتجه إلى عبور الجزيرة العربية، الشعور بالمكان أقل، أستبدل به أشخاصاً عرفتهم، أصدقائي في جدة، في الرياض، في الدمام، في البحرين، أستحضر بالملامح، في دبي التي نطير فوقها بعد ثلاث ساعات يختلف الأمر، أتطلع من النافذة، أنبه زوجتي التي ترافقني في هذه الرحلة، «نحن فوق دبي»، تبتسم، يبدو أن شيئاً طفولياً في طريقة نطقي، السبب أن ابنتنا هنا، منذ أسبوع تزور صديقة قديمة لها بعد عام شاق أمضته في جامعة لندن للعلوم السياسية لإعداد الماجستير، نحن في نقطة متحركة، وهي هنا، وربما يقع التعامد بيننا لجزء من الثانية عند المرور فوقها، تجتاز الطائرة الإمارات كلها إلى سلطنة عمان، مرة أخرى أستحضر العديد من الأصدقاء، الوجوه الحميمة، شيئاً فشيئاً نبتعد عن الساحل العربي، أدير ظهري للجزيرة العربية، نعبر بحر العرب إلى كراتشي، إلى الساحل الهندي، المعارف هنا من بعيد، أسماء من التاريخ، من الإعلام، الأماكن قرأت عنها ولم أعاينها، يختلف الأمر، إلى الجنوب يمتد المحيط الهندي، الماء هو الماء، مستواه واحد، لكن تتعدد الأسماء، بحر العرب، خليج البنغال، المحيط الهادي، كلمة محيط توحي باللانهاية، بالبعد، تماماً مثل كلمة الصين.
جمال الغيطاني
الوجهة التي يقصدها الإنسان تحدد حالته عند السفر، بلاد تثير عندي البهجة والرغبة في الاكتشاف، وأخرى أقصدها لضرورة عملية فلا تحفز ولا سرور، إنما أداء واجب، كذلك تحدد المسافات الطاقة المستنفرة، لو أنني متجه إلى أي بلد أوروبي، فلن تزيد المسافة المقطوعة على أربع ساعات ونصف الساعة، بعد انقضاء ساعة واحدة يبدو ما مرّ طويلاً وما تبقى أطول، لكن عندما تكون الوجهة أقصى الشرق أو الغرب، فإن قدراً مغايراً من الطاقة والقدرة على الاستعداد يتم استنفاره، الليلة أقصد الصين، ورغم تقدم وسائل السفر التي ألغت البُعد المكاني عملياً، فإن مجرد لفظ اسم الصين يثير إحساساً بالبعد بالأقصى، رغم أن المسافة مجرد ساعات، كما أن الصين حاضرة بقوة في عالمنا اليوم، ويتزايد دورها وتأثيرها، إنها الرحلة الثانية خلال عامين، رغم ذلك ما زلت في مرحلة استكشاف هذه الديار، كما أن معرفتي القديمة بالصين تؤثر في رؤيتي، ترتبط الصين بالبعد، إنها الأبعد، المكان الذي كان صعباً بلوغه حتى وقت قريب، يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وفي رحلته التي استغرقت جل عمره، احتاج ابن بطوطة سنوات عديدة حتى يبلغها ويخبر عنها، هأنذا أتأهب للصعود إلى طائرة مصر للطيران، في الرحلات الطويلة أفضل شركتنا الوطنية لما ألقاه من رعاية, خاصة أنني أعرف الآن ملامح العديد، سنتجه شرقاً إذن، معظم رحلاتي غرباً، سنحط أولاً في بانكوك عاصمة تايلاند، بعد حوالي تسع ساعات من الطيران المتصل، ثم نستأنف إلى بكين، نصلها بعد خمس ساعات تقريباً، الأمر دائماً نسبي، مرحلة واحدة في الرحلة تساوي المسافة من القاهرة إلى باريس، سنتحرك عكس اتجاه الشمس، عكس النهار، لذلك سنفقد ست ساعات، نستردها في العودة، ترى كيف يكون الشروق في الشرق، فوق المحيط؟، أسئلة عديدة تجعل النوم في الطائرة صعباً، أستقر فوق المقعد، أبدأ العلاقة بالمكان على الفور، الكتب إلى جواري، أوراق بيضاء أمامي، علبة الأدوية إلى جواري، جهاز الاستماع إلى موسيقاي في جيبي الأيمن بعيداً عن موضع القلب، تغلق الأبواب، تهدر المحركات، الحركة الأولى فوق الممر في مواجهة الليل والمسافة.
إقلاع
إقلاع هين، لين يشتهر به الطيارون المصريون، مع بدء الابتعاد عن الأرض يصبح الإنسان مع نفسه أكثر، نصبح بعيداً عما ألفناه واعتدناه، عن علاقاتنا التي تركناها هناك حتى وإن شغلنا بها، عن صلاتنا بمن نحب، عن مواقفنا وما تتضمنها، تتوافد علينا الملامح والرؤى، أول من يفدون على الخاطر أولئك الذين تجري دماؤهم في شراييننا، ذوو القربى، ثم الصحاب والرفاق، نستعيد ما كان منا، نقيِّم أفعالنا، ننتقد أنفسنا أحيانا، أو نأنس إلى صلات حميمة ولحظات عزيزة، نحن، نشجو، نندم على بعض من فات، على أوقات لم نعشها كما ينبغي، ساعات السفر جواً أو براً فرصة لتقليب الذات، للمراجعة، للدنو إلى ما سيكون.
أسماء
رغم أن الحيز ضيق، مقعد أشغله في أنبوب طائر بسرعة ألف كيلومتر تقريباً، ما من فرصة للتعلق بالمواضع التي نعبرها، وإلا كان الهلاك، والسلامة الآن في اجتياز الأماكن، والعبور فوقها من دون ملامستها أو التعرف عليها، الرؤية من النافذة الضيقة المستديرة لا تمدنا بشيء، خاصة في الليل، إلا أنني أحاول بقدر الإمكان معرفة موضعي في العالم، بالنسبة للمكان الذي انطلقت منه، بالنسبة لما سأبلغه، في الشاشة الصغيرة قنوات عديدة تعرض أفلاماً مختلفة، لكنني أفضل متابعة بيانات الرحلة، سرعة الطائرة، الارتفاع، سرعة الرياح، المسار، خريطة الأرض، طوال الطيران فوق مصر تغمرني الألفة والسكينة، وبمجرد عبور البر إلى البحر، سواء كان في الإسكندرية أو البحر الأحمر، يبدأ الشعور بالخروج من الديار، بالاغتراب، بالخشية، إن الوطن ليس شيئاً مجرداً، الطائرة تتجه إلى عبور الجزيرة العربية، الشعور بالمكان أقل، أستبدل به أشخاصاً عرفتهم، أصدقائي في جدة، في الرياض، في الدمام، في البحرين، أستحضر بالملامح، في دبي التي نطير فوقها بعد ثلاث ساعات يختلف الأمر، أتطلع من النافذة، أنبه زوجتي التي ترافقني في هذه الرحلة، «نحن فوق دبي»، تبتسم، يبدو أن شيئاً طفولياً في طريقة نطقي، السبب أن ابنتنا هنا، منذ أسبوع تزور صديقة قديمة لها بعد عام شاق أمضته في جامعة لندن للعلوم السياسية لإعداد الماجستير، نحن في نقطة متحركة، وهي هنا، وربما يقع التعامد بيننا لجزء من الثانية عند المرور فوقها، تجتاز الطائرة الإمارات كلها إلى سلطنة عمان، مرة أخرى أستحضر العديد من الأصدقاء، الوجوه الحميمة، شيئاً فشيئاً نبتعد عن الساحل العربي، أدير ظهري للجزيرة العربية، نعبر بحر العرب إلى كراتشي، إلى الساحل الهندي، المعارف هنا من بعيد، أسماء من التاريخ، من الإعلام، الأماكن قرأت عنها ولم أعاينها، يختلف الأمر، إلى الجنوب يمتد المحيط الهندي، الماء هو الماء، مستواه واحد، لكن تتعدد الأسماء، بحر العرب، خليج البنغال، المحيط الهادي، كلمة محيط توحي باللانهاية، بالبعد، تماماً مثل كلمة الصين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق