الخميس، 15 مايو 2008

نموّ المارد الصيني في أعقاب غزو العراق

صحيفة الوقت البحرانية
هشام منور
تفاقم النقاش في الولايات المتحدة الأميركية أخيراً بشأن تحديد الكلفة الحقيقية التي تكبدها الاقتصاد الأميركي في السنوات الخمس الماضية جراء غزو العراق، والتي بلغت حدود (3) تريليون دولار وفق بعض التقديرات. إلا أن ما يقلق الأميركيين ليس الكلفة المباشرة، والتي لا يستهان بأرقامها بطبيعة الحال، بل الكلف غير المباشرة في الفترة نفسها والتي تفوق بكثير حجم الكلف المباشرة. أي جملة المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية التي حدثت في الفترة ذاتها والتي كان لها أثر عميق على تمدد النفوذ الأميركي وهيمنته على مستوى العالم.
ولعل من أبرز ما بات يعرف كواحد من أهم الآثار الاستراتيجية الكبرى لغزو العراق، نمو المارد الصيني الذي بات يعدّ من منظور أميركي واحداً من أهم التحديات الاستراتيجية التي يواجهها كل من الاقتصاد والجيش الأميركي على حد سواء.
ففي تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركية (CFR) بمناسبة مرور خمسة أعوام على غزو العراق[1]، اعتبر المحرر الاقتصادي للموقع المذكور مايكل موران ''أن السؤال الدائر الآن داخل المجتمع الأميركي، وخصوصا بين رجال الاقتصاد والخبراء العسكريين والمرشحين للرئاسة، وحتى الناخبين الأميركيين هو بشأن جدوى الحرب في العراق، وكم من السنوات ستبقى القوات في العراق؟ وما الهدف النهائي من الوجود في العراق؟ وكم دفعت أميركا من دمها ونفوذها وهيبتها في الحرب العراقية؟''.
ورغم اعتراف الباحث بصعوبة الإجابة على هذه الأسئلة، إلا أن الإجابة، من وجهة نظره، على الشق المتعلق بالكلف غير المباشرة يعد أمراً واضحاً وهيناً، ''فأعداء أميركا'' يعيشون العصر الذهبي الآن لهم، إيران على سبيل المثال، تقدمت إلى الأمام بعد أن سقط نظام صدام حسين في العراق واستبداله بحكومة موالية لها. وكوريا الشمالية وجدت الوقت الكافي لتثبيت نفسها داخل النادي النووي. وروسيا عادت إلى عادتها الاستبدادية بتصوير أي تحرك أميركي على أنه تهديد مباشر لمصالحها من وجهة نظرها. وتنظيم ''القاعدة'' بات يضرب القوات الأميركية في الخارج، فضلاً عن الصعود غير المتوقع لفيديل كاسترو في أميركا اللاتينية.
إلا أن التقرير يؤكد رغم ذلك على أن المستفيد الأكبر في المدى البعيد من الحرب في العراق هو الصين. ''ففي نصف قرن تحولت الصين من مجرد قوى إقليمية ناشئة متشوقة إلى الأعمال الأميركية المشتركة والتأييد الأميركي لدخولها إلى منظمة التجارة العالمية WTO إلى قوى عظمى اقتصادية لها تأثيرها المالي الكبير على الاقتصاد العالمي''.
ويحذر الباحث من خطورة تمدد الصين باعتمادها على فوائضها التجارية الضخمة سياسياً في العالم النامي. ''إذ يمكن للصين من خلال صندوق الاستثمار الحكومي الصينيِ الانقضاض على الاقتصاد الأميركي من خلال شراء السندات الحكومية وسندات الأصول وأوراق الرهن ومجموعات التأمين وإعادة بيعها مرة أخرى في ظرف أيام معدودة من خلال فوائض التصدير'' الأمر الذي قد يحدث انقلاباً كبيراً في الاقتصاد الأميركي المتداعي أصلاً.
ويذكر التقرير بوزن الصين الاستراتيجي على الساحة الدولية حالياً، ''فالصين تتحدى الغرب في أماكن كثيرة مثل منطقة دارفور في السودان، أَو في تعاملاتِه مع النظامِ الدكتاتوري في بورما''. كما يمكن ملاحظة تنامي نشاط الصين في الأمم المتحدة، إلى جانب تنامي دور الطبقة الوسطى في الصين، والتي أصبحت ذات قوة شرائية كبيرة، في حين أن الاقتصاد الأميركي يعاني من أزمة عدم الثقة، وهو ما أدى إلى تحول المستثمرين من الدولار إلى اليورو.
ويبرز الخطر الصيني بشكل واضح من خلال تسويق نفسها كبديل أصيل لنمط السوق الليبرالي - الديمقراطي برفقة روسيا، إذ يشير الوضع أنها ''ستصبح أكبر قوة عظمى استبدادية حقيقية في العالم''. وقد جعلت الحرب وآثارها الصين تتمنى أن تستمر في العراق 100 سنة أو على الأقل 20 سنة أخرى. الأمر الذي لاحظه البنتاغون في تقريره السنوي عن تنامي القوى العسكرية الصينية، فمن الناحية العسكرية تحتل القوات العسكرية الصينية المرتبة الثانية من حيث الجودة. ورغم أن الإنفاق العسكري الصيني مازال منخفضاً نسبياً 137 مليار دولار العام 2007 بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي أنفقت 450 مليار دولار على الدفاع في السنة ذاتها، دون أن تشمل مبلغ 120 مليار دولار الذي ينفق على العراق وأفغانستان. إلا أن هناك استثناء على هذا الوضع الدفاعي من خلال تطوير القدرات العسكرية ضد تايوان، ونشر الصواريخ قصيرة المدى وتحديث القدرات البرمائية. وسعي الصين إلى تطوير أجهزة الاستطلاع عن بعد والأقمار الصناعية، وهو ما يتنافى مع القدرات الدفاعية التي يراها التقرير.
ويبدو أن الحوادث المتتالية في العراق وأفغانستان وغيرها من مناطق العالم التي تشهد انكسارات الجيش الأميركي وتكبده لخسائر فادحة لم يعد المواطن الأميركي قادراً على تحمل أعبائها، سوف تحكم على مستقبل تنامي نفوذ المارد الصيني الذي ما عاد يجد مهدداً استراتيجياً كما كان الأمر في السابق، في ظل انشغال الولايات المتحدة بحروبها الدونكيشوتية على الإرهاب، والتفات القوى الأخرى الصاعدة دولياً إلى بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية على حد سواء.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

Ive read this topic for some blogs. But I think this is more informative.