مجلة سيدتي
جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
الثالثة إلا الربع
كابتن فطين
ينصحني الدكتور جلال السعيد بالمشي كل ساعة في الرحلات الطويلة، وشرب جرعات قليلة من الماء، قبل الصعود عرفني صفوت موسى، مسؤول المحطة الأرضية، على الكابتن فطين، قائد الطائرة البوينج الضخمة، في هذه الرحلات يوجد طاقمان يتبادلان المواقع، عندما قمت للحركة وجدته واقفاً في المساحة الضيقة التي تلي الكابينة، رجل دمث، صاحب خبرة طويلة تقاس بآلاف الساعات، سألته عن الفرق بين الطيران فوق الأطلنطي، والطيران في هذه الرحلة إلى الصين، قال إن عبور الأطلنطي يحتاج إلى تكنيك معين، المسارات فوقه محددة، المفترض أن يكون بين المطار والمطار ساعة جواً، في الطريق إلى الصين مطارات عديدة، أما الأطلنطي فيكون الطيران فوق الماء لمسافة أربع ساعات على الأقل، لا بد من احتياطات معينة لتجاوز هذه المدة، لم أسأله عن هذه الاحتياطات، لكنني استفسرت عما إذا كان يبقى على صلة بنقاط المراقبة الأرضية، قال إنه يظل على صلة طوال الوقت، لاحظت أن بعض أفراد الطاقم استبدلوا بالملابس الرسمية ملابسَ النوم، لهم مكان خلف الكابينة، وثمة مكان آخر تحت مقصورة الركاب معد لطاقم الضيافة، لا بد أن يتمتع العاملون بجهاز عصبي قادر على التكيف، يمكنهم من النوم بسرعة والإفاقة بسرعة أيضاً، سألت الكابتن فطين عن الشروق، تطلع إلى ساعته، قال إنه سيكون بعد حوالي ربع ساعة من الآن فوق باكستان، إشارة إلى نافذة مجاورة للباب الذي صعدنا منه، قال إنه يمكنني الرؤية من هنا، بالطبع لم أسأله عن إمكانية الرؤية من داخل كابينة القيادة، فالتعليمات تقضي بعدم دخول أي غريب مهما كان، والآن ألاحظ عزلة مكان القيادة تماماً عن بقية الطائرة، الأسباب معروفة طبعاً.
الثالثة فجراً
الشروق
ألصق وجهي بالنافذة المحدودة متطلعاً إلى الفضاء المكسو بالليل، الآن الثالثة طبقاً لتوقيت القاهرة الذي لا أغيره أبداً مهما ابتعدت غرباً أو شرقاً، أعرف الفروق وأضيف أو أجمع بعقلي، لا أبدل عقارب الساعة، العتمة عميقة، يبدو أن الغمام كثيف، ليس هناك ملمح أرضي، لا أضواء بعيدة، أنتظر، فجأة يبدو عند الأفق الدائري حد نحيل جداً من لهب غير مألوف، أحمر، برتقالي، يتداخل معه لون أزرق كوني، حد مرهف، دقيق، رقيق، كأنه شفرة سيف تقطع العتمة، أو بداية فتق هائل لا يمكن تحديد أوله من آخره، يتزايد الفتق، تتسع مساحة اللون، تتضح الحدود بين من هو تحت وما هو فوق، تحت بحر من قتامة الغيوم، سوداء، «فوق» يبدأ من الأفق الدائري، تتضح ملامح السماء، تندفع الطائرة نحو النهار، الأمر نسبي أيضاً، فلو أنني أقف فوق الأرض سيطول انتظاري لاكتمال الشروق، لكن اندفاع الطائرة يظهره بسرعة، ها هو الانبلاج الأتم، الأفق أفق والسماء سماء والأرض أرض، كل هذه ليست إلا أعراض للأصل البعيد، القصي، الذي لا تدركه الأبصار ولا الحواس، من أي نبع هذه الأحوال، هذه الألوان، الأزرق الغميق، والأحمر اللعلاع وما بينهما الأصفر الحائر.
أخيراً، تلمسني الشمس، أشعتها تنفذ إليّ عبر النافذة، واضحة كالصراحة، ناصعة كالأبيض، أتنفس بعمق، أحمد الله كثيراً أن هذا الشروق يطلع عليّ، إنني موجود، لست موجوداً فقط، لكنني أطير، لا أطير فقط، إنما أتجه عكس النهار، رغم أنه يطويني ويلفني لكنني بالحركة أمضي إلى حيث كان الليل، إنه أقصر نهار عرفته في مساري، شروق سريع لا يمكث كأنه عمر الزهور، وهل مكث أي شروق؟ وهل دام أي غروب؟ إنما نشوتي تلك في الأعالي، لأنني ما زلت أدركه وما زال يدركني.
صباحاً: الاثنين
حيدر أباد
نعبر الهند بالعرض، أقرأ على الخريطة اسم «حيدر أباد»، لم أكن أعرف أنها في أقصى شرق الهند هكذا، هذه المرة لا أستدعي ملامح أعرفها، أو أماكن مشيت فيها، إنما عناوين كتب، منذ سنوات أقتني كتباً طبعت في حيدر أباد باللغة العربية، توجد دار نشر لا أعرف من أسسها، اسمها دائرة المعارف العثمانية، لقد قدمت نصوصاً نادرة من التراث العربي، الإسلامي، بعضها لم يطبع في موطنه حتى الآن، مثل كتاب عن غزوة القبارصة لمدينة الإسكندرية وضعه شاهد عيان من أهلها كان يعمل ترزياً ويهوى الكتابة، هذا النص حققه الدكتور عزيز سوريال عطية، وطبع هنا في حيدر أباد، كذلك رسائل ابن عربي، وغيرهما، لكم أثار في نفسي اسم المدينة!.
كابتن فطين
ينصحني الدكتور جلال السعيد بالمشي كل ساعة في الرحلات الطويلة، وشرب جرعات قليلة من الماء، قبل الصعود عرفني صفوت موسى، مسؤول المحطة الأرضية، على الكابتن فطين، قائد الطائرة البوينج الضخمة، في هذه الرحلات يوجد طاقمان يتبادلان المواقع، عندما قمت للحركة وجدته واقفاً في المساحة الضيقة التي تلي الكابينة، رجل دمث، صاحب خبرة طويلة تقاس بآلاف الساعات، سألته عن الفرق بين الطيران فوق الأطلنطي، والطيران في هذه الرحلة إلى الصين، قال إن عبور الأطلنطي يحتاج إلى تكنيك معين، المسارات فوقه محددة، المفترض أن يكون بين المطار والمطار ساعة جواً، في الطريق إلى الصين مطارات عديدة، أما الأطلنطي فيكون الطيران فوق الماء لمسافة أربع ساعات على الأقل، لا بد من احتياطات معينة لتجاوز هذه المدة، لم أسأله عن هذه الاحتياطات، لكنني استفسرت عما إذا كان يبقى على صلة بنقاط المراقبة الأرضية، قال إنه يظل على صلة طوال الوقت، لاحظت أن بعض أفراد الطاقم استبدلوا بالملابس الرسمية ملابسَ النوم، لهم مكان خلف الكابينة، وثمة مكان آخر تحت مقصورة الركاب معد لطاقم الضيافة، لا بد أن يتمتع العاملون بجهاز عصبي قادر على التكيف، يمكنهم من النوم بسرعة والإفاقة بسرعة أيضاً، سألت الكابتن فطين عن الشروق، تطلع إلى ساعته، قال إنه سيكون بعد حوالي ربع ساعة من الآن فوق باكستان، إشارة إلى نافذة مجاورة للباب الذي صعدنا منه، قال إنه يمكنني الرؤية من هنا، بالطبع لم أسأله عن إمكانية الرؤية من داخل كابينة القيادة، فالتعليمات تقضي بعدم دخول أي غريب مهما كان، والآن ألاحظ عزلة مكان القيادة تماماً عن بقية الطائرة، الأسباب معروفة طبعاً.
الثالثة فجراً
الشروق
ألصق وجهي بالنافذة المحدودة متطلعاً إلى الفضاء المكسو بالليل، الآن الثالثة طبقاً لتوقيت القاهرة الذي لا أغيره أبداً مهما ابتعدت غرباً أو شرقاً، أعرف الفروق وأضيف أو أجمع بعقلي، لا أبدل عقارب الساعة، العتمة عميقة، يبدو أن الغمام كثيف، ليس هناك ملمح أرضي، لا أضواء بعيدة، أنتظر، فجأة يبدو عند الأفق الدائري حد نحيل جداً من لهب غير مألوف، أحمر، برتقالي، يتداخل معه لون أزرق كوني، حد مرهف، دقيق، رقيق، كأنه شفرة سيف تقطع العتمة، أو بداية فتق هائل لا يمكن تحديد أوله من آخره، يتزايد الفتق، تتسع مساحة اللون، تتضح الحدود بين من هو تحت وما هو فوق، تحت بحر من قتامة الغيوم، سوداء، «فوق» يبدأ من الأفق الدائري، تتضح ملامح السماء، تندفع الطائرة نحو النهار، الأمر نسبي أيضاً، فلو أنني أقف فوق الأرض سيطول انتظاري لاكتمال الشروق، لكن اندفاع الطائرة يظهره بسرعة، ها هو الانبلاج الأتم، الأفق أفق والسماء سماء والأرض أرض، كل هذه ليست إلا أعراض للأصل البعيد، القصي، الذي لا تدركه الأبصار ولا الحواس، من أي نبع هذه الأحوال، هذه الألوان، الأزرق الغميق، والأحمر اللعلاع وما بينهما الأصفر الحائر.
أخيراً، تلمسني الشمس، أشعتها تنفذ إليّ عبر النافذة، واضحة كالصراحة، ناصعة كالأبيض، أتنفس بعمق، أحمد الله كثيراً أن هذا الشروق يطلع عليّ، إنني موجود، لست موجوداً فقط، لكنني أطير، لا أطير فقط، إنما أتجه عكس النهار، رغم أنه يطويني ويلفني لكنني بالحركة أمضي إلى حيث كان الليل، إنه أقصر نهار عرفته في مساري، شروق سريع لا يمكث كأنه عمر الزهور، وهل مكث أي شروق؟ وهل دام أي غروب؟ إنما نشوتي تلك في الأعالي، لأنني ما زلت أدركه وما زال يدركني.
صباحاً: الاثنين
حيدر أباد
نعبر الهند بالعرض، أقرأ على الخريطة اسم «حيدر أباد»، لم أكن أعرف أنها في أقصى شرق الهند هكذا، هذه المرة لا أستدعي ملامح أعرفها، أو أماكن مشيت فيها، إنما عناوين كتب، منذ سنوات أقتني كتباً طبعت في حيدر أباد باللغة العربية، توجد دار نشر لا أعرف من أسسها، اسمها دائرة المعارف العثمانية، لقد قدمت نصوصاً نادرة من التراث العربي، الإسلامي، بعضها لم يطبع في موطنه حتى الآن، مثل كتاب عن غزوة القبارصة لمدينة الإسكندرية وضعه شاهد عيان من أهلها كان يعمل ترزياً ويهوى الكتابة، هذا النص حققه الدكتور عزيز سوريال عطية، وطبع هنا في حيدر أباد، كذلك رسائل ابن عربي، وغيرهما، لكم أثار في نفسي اسم المدينة!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق