صحيفة الوطن السورية
ربما يكون صعود النفوذ الصيني من أهم حوادث القرن الحادي والعشرين. فقد بدأ وجه شرق آسيا يتغير بفعل نمو الاقتصاد الصيني، الذي تضاعف أربعة أضعاف منذ بدء عملية الإصلاح في السبعينيات، وكذلك بفعل انتهاج بكين سياسة نشطة. واليوم تعد الصين أبرز مركز صناعي في العالم، إذ تستهلك ثلث احتياطات الفولاذ، الحديد والفحم العالمية، كما أن تراكم كميات كبيرة من العملات الأجنبية وصلت في نهاية عام 2006 إلى مبلغ مقداره تريليون دولار.
وارتفع إنفاق الصين على القطاع العسكري 18 في المئة سنوياًً في الأعوام الأخيرة. كما اتسع نفوذ الدبلوماسية الصينية ليشمل شرق آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وبخلاف الاتحاد السوفييتي، المنافس العسكري للولايات المتحدة، تنافس الصين الولايات المتحدة في المجالين الاقتصادي والعسكري.
يرى بعض المراقبين أن عصر أحادية القوة الأميركية يشارف على الانتهاء، وأن النظام العالمي الغربي التوجه يأفل، في وقت يبزغ نجم نظام عالمي يميل إلى الشرق. فقد رأى المؤرخ «نيال فيرغسون» أن القرن العشرين شهد أفول قوة الغرب، وغلبة كفة الشرق في موازين القوى العالمية.
وينبه المراقبون الواقعيون إلى أن تفوق النفوذ الصيني على النفوذ الأميركي قد ينتهي إلى تغيير بكين وجه المؤسسات الدولية، وإلى تعديل القوانين الدولية، أو إلى اندلاع منازعات في مرحلة انتقال القوة من طرف إلى آخر. والحق أن تعاظم دور الصين لا يفضي بالضرورة إلى منازعات ودمار.
فانتقال القوة والسلطة من الولايات المتحدة إلى الصين في المجتمع الدولي قد يخالف سوابق انتقال القوة من قوة استعمارية إلى أخرى، ويخرج على نموذجها.
فالصين لا تواجه الولايات المتحدة فقط، بل تواجه نظاماً غربياً مركزياً مفتوحاً، يستند إلى مؤسسات سياسية ثابتة. وإلى هذا، طوت الثورة النووية صفحة المواجهات الحربية بين القوى العظمى، وأطاحت، تالياً، وسيلة طالما توسلت بها القوى الصاعدة للانقلاب على الأنظمة الدولية التي ترعاها قوى عظمى فقدت تفوقها.
لا شك أن إطاحة النظام الغربي الراهن عسير، والانضمام إليه أمر يسير. فقد أنشأت القيادة الأميركية، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مؤسسات دولية انضمت إليها دول العالم، وأرست نظاماً سهّل مشاركة القوى العظمى، والدول المستقلة حديثاً، في النظام العالمي.
وجليّ أن مرحلة الانتقال من طرف متصدر إلى آخر محفوف بالمخاطر. والدليل ما حصل مع ألمانيا نهاية القرن التاسع عشر: ففي 1870، تفوقت المملكة المتحدة اقتصادياً وعسكرياً على ألمانيا، وكان حجم اقتصادها أكبر من الاقتصاد الألماني ثلاثة أضعاف. وفي 1903، تفوقت ألمانيا اقتصادياً وعسكرياً على المملكة المتحدة. وترافقت وحدة ألمانيا، وتعاظم قوتها، مع تفاقم مطالبها وتهديدها للقوى العظمى الأوروبية ما أدى إلى اندلاع سباق عسكري وأمني. وتحالفت فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة، وهم أعداء الأمس القريب، لمواجهة الخطر الألماني الواحد. وقد نتج عن ذلك تعاظم قوة ألمانيا، وتكتل القوى الأوروبية عليها، ما أدى في النهاية إلى نشوب حرب أوروبية.
يعتقد مراقبون كثر أن التاريخ قد يعيد نفسه اليوم.
ففرص دخول الولايات المتحدة والصين في نزاع أمني يؤدي إلى اندلاع حرب كبرى، ليست بالضئيلة، وذلك حسبما يقول الباحث الواقعي «جون مرشيمير». ولكن الحروب، والإطاحة بالنظام السائد، لا تتزامن مع كل عملية انتقال القوة من قطب إلى آخر. ففي العقود الأولى من القرن العشرين، تنازلت بريطانيا عن سلطانها إلى الولايات المتحدة من دون اندلاع نزاعات. ومنذ أواخر الأربعينيات إلى مطلع التسعينيات، حقق الاقتصاد الياباني معدلات نمو كبيرة؛ إذ بلغ حجمه أكثر من 60 في المئة من الناتج المحلي الأميركي، بعدما لم يكن يتعدى الـ 5 في المئة من هذا الناتج في الأربعينيات. وعلى رغم تنامي قوتها الاقتصادية، لم تتحدَّ اليابان النظام العالمي، ولم تنقلب عليه.
قبل تقسيم الحرب الباردة العالم إلى معسكرين، سعى مهندسو النظام العالمي الجديد إلى إنشاء نظام تندمج فيه الدول. وتمكن «فرانكلين روزفلت» من إنشاء نظام تتعاون فيه القوى العظمى ويعيد بناء أوروبا التي دُمرت جراء الحرب العالمية الثانية، ويستقبل عضوية الدول المهزومة ويدمجها فيه، ويرسي قواعد التعاون الأمني والاقتصادي. ويعود الفضل إلى «روزفلت» في منح الصين عضوية دائمة في مجلس الأمن.
فهو أراد الحفاظ على علاقات جيدة مع هذه الدولة التي قد تصبح بعد أربعة أو خمسة عقود قوة عسكرية كبيرة. وفي نهاية الحرب الباردة، نجح النظام الغربي في اختبار كبير، واستقبل في صفوفه دولاً جديدة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، مهدت المؤسسات الدولية أمام القادة السوفييت الطريق لانضمام دولهم إلى النظام الدولي. فإدارة الرئيس الأميركي «رونالد ريغان» انتهجت سياسة متشددة تجاه موسكو، في حين انتهج الأوروبيون دبلوماسية مهادنة تدعو إلى التعاون.
ربما يكون صعود النفوذ الصيني من أهم حوادث القرن الحادي والعشرين. فقد بدأ وجه شرق آسيا يتغير بفعل نمو الاقتصاد الصيني، الذي تضاعف أربعة أضعاف منذ بدء عملية الإصلاح في السبعينيات، وكذلك بفعل انتهاج بكين سياسة نشطة. واليوم تعد الصين أبرز مركز صناعي في العالم، إذ تستهلك ثلث احتياطات الفولاذ، الحديد والفحم العالمية، كما أن تراكم كميات كبيرة من العملات الأجنبية وصلت في نهاية عام 2006 إلى مبلغ مقداره تريليون دولار.
وارتفع إنفاق الصين على القطاع العسكري 18 في المئة سنوياًً في الأعوام الأخيرة. كما اتسع نفوذ الدبلوماسية الصينية ليشمل شرق آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وبخلاف الاتحاد السوفييتي، المنافس العسكري للولايات المتحدة، تنافس الصين الولايات المتحدة في المجالين الاقتصادي والعسكري.
يرى بعض المراقبين أن عصر أحادية القوة الأميركية يشارف على الانتهاء، وأن النظام العالمي الغربي التوجه يأفل، في وقت يبزغ نجم نظام عالمي يميل إلى الشرق. فقد رأى المؤرخ «نيال فيرغسون» أن القرن العشرين شهد أفول قوة الغرب، وغلبة كفة الشرق في موازين القوى العالمية.
وينبه المراقبون الواقعيون إلى أن تفوق النفوذ الصيني على النفوذ الأميركي قد ينتهي إلى تغيير بكين وجه المؤسسات الدولية، وإلى تعديل القوانين الدولية، أو إلى اندلاع منازعات في مرحلة انتقال القوة من طرف إلى آخر. والحق أن تعاظم دور الصين لا يفضي بالضرورة إلى منازعات ودمار.
فانتقال القوة والسلطة من الولايات المتحدة إلى الصين في المجتمع الدولي قد يخالف سوابق انتقال القوة من قوة استعمارية إلى أخرى، ويخرج على نموذجها.
فالصين لا تواجه الولايات المتحدة فقط، بل تواجه نظاماً غربياً مركزياً مفتوحاً، يستند إلى مؤسسات سياسية ثابتة. وإلى هذا، طوت الثورة النووية صفحة المواجهات الحربية بين القوى العظمى، وأطاحت، تالياً، وسيلة طالما توسلت بها القوى الصاعدة للانقلاب على الأنظمة الدولية التي ترعاها قوى عظمى فقدت تفوقها.
لا شك أن إطاحة النظام الغربي الراهن عسير، والانضمام إليه أمر يسير. فقد أنشأت القيادة الأميركية، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مؤسسات دولية انضمت إليها دول العالم، وأرست نظاماً سهّل مشاركة القوى العظمى، والدول المستقلة حديثاً، في النظام العالمي.
وجليّ أن مرحلة الانتقال من طرف متصدر إلى آخر محفوف بالمخاطر. والدليل ما حصل مع ألمانيا نهاية القرن التاسع عشر: ففي 1870، تفوقت المملكة المتحدة اقتصادياً وعسكرياً على ألمانيا، وكان حجم اقتصادها أكبر من الاقتصاد الألماني ثلاثة أضعاف. وفي 1903، تفوقت ألمانيا اقتصادياً وعسكرياً على المملكة المتحدة. وترافقت وحدة ألمانيا، وتعاظم قوتها، مع تفاقم مطالبها وتهديدها للقوى العظمى الأوروبية ما أدى إلى اندلاع سباق عسكري وأمني. وتحالفت فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة، وهم أعداء الأمس القريب، لمواجهة الخطر الألماني الواحد. وقد نتج عن ذلك تعاظم قوة ألمانيا، وتكتل القوى الأوروبية عليها، ما أدى في النهاية إلى نشوب حرب أوروبية.
يعتقد مراقبون كثر أن التاريخ قد يعيد نفسه اليوم.
ففرص دخول الولايات المتحدة والصين في نزاع أمني يؤدي إلى اندلاع حرب كبرى، ليست بالضئيلة، وذلك حسبما يقول الباحث الواقعي «جون مرشيمير». ولكن الحروب، والإطاحة بالنظام السائد، لا تتزامن مع كل عملية انتقال القوة من قطب إلى آخر. ففي العقود الأولى من القرن العشرين، تنازلت بريطانيا عن سلطانها إلى الولايات المتحدة من دون اندلاع نزاعات. ومنذ أواخر الأربعينيات إلى مطلع التسعينيات، حقق الاقتصاد الياباني معدلات نمو كبيرة؛ إذ بلغ حجمه أكثر من 60 في المئة من الناتج المحلي الأميركي، بعدما لم يكن يتعدى الـ 5 في المئة من هذا الناتج في الأربعينيات. وعلى رغم تنامي قوتها الاقتصادية، لم تتحدَّ اليابان النظام العالمي، ولم تنقلب عليه.
قبل تقسيم الحرب الباردة العالم إلى معسكرين، سعى مهندسو النظام العالمي الجديد إلى إنشاء نظام تندمج فيه الدول. وتمكن «فرانكلين روزفلت» من إنشاء نظام تتعاون فيه القوى العظمى ويعيد بناء أوروبا التي دُمرت جراء الحرب العالمية الثانية، ويستقبل عضوية الدول المهزومة ويدمجها فيه، ويرسي قواعد التعاون الأمني والاقتصادي. ويعود الفضل إلى «روزفلت» في منح الصين عضوية دائمة في مجلس الأمن.
فهو أراد الحفاظ على علاقات جيدة مع هذه الدولة التي قد تصبح بعد أربعة أو خمسة عقود قوة عسكرية كبيرة. وفي نهاية الحرب الباردة، نجح النظام الغربي في اختبار كبير، واستقبل في صفوفه دولاً جديدة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، مهدت المؤسسات الدولية أمام القادة السوفييت الطريق لانضمام دولهم إلى النظام الدولي. فإدارة الرئيس الأميركي «رونالد ريغان» انتهجت سياسة متشددة تجاه موسكو، في حين انتهج الأوروبيون دبلوماسية مهادنة تدعو إلى التعاون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق