الجمعة، 27 يونيو 2008

دولة لليهود في الصين

صحيفة دنيا الوطن الفلسطينية
محمد خليفة
أنتجت فضائية "العنقاء" الصينية التي تبث من هونج كونج بالتعاون مع محطة هاربين الصينية التلفزيونية فيلماً وثائقياً بعنوان "حياة اليهود في الصين ، ذكريات خلت" وهو يتحدث عن خطة يابانية في النصف الأول من القرن العشرين . تتلخّص في العمل على إنشاء دولة لليهود في منطقة منشوريا الصينية .
وكانت هذه الخطة تُسمى "قنفذ البحر" وقد عملت اليابان على تنفيذها من خلال تشجيع هجرة اليهود من روسيا وأوروبا والشرق الأوسط إلى منشوريا ، حتى أصبح هناك نحو 25 ألف يهودي أنشأوا مجتمعاً متكامل الوظائف ، يضمّ المدارس والمستشفيات والبنوك والنوادي والمقابر حتى دور العجزة والمسنين .
وقد عاش هؤلاء في منشوريا قرابة نصف قرن ـ كما يقول الفيلم ـ قبل أن يشرعوا في مغادرتها تباعاً متوجهين إلى إسرائيل الوليدة للمساهمة في بنائها ودفعهم إلى ذلك هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية .
والواقع أنه سواء كانت قصة هذا الفيلم واقعاً أو مجرد خيال ، فإنها تكشف حقيقة الشعور الذي يكنّه الشعب الصيني تجاه اليهود ، وهو شعور سلبي ينظر إلى هؤلاء على أنهم أدوات الاستعمار في كل مكان ، الأمر الذي يجب على العرب استثماره من خلال تقوية أواصر الصداقة والتعاون مع الصين بهدف هزيمة المشروع الصهيوني في أرض فلسطين .
ولا شك أن اليهود في القرن التاسع عشر ، وبعد أن استشعروا في أنفسهم القوة ، سعوا إلى بناء دولة خاصة بهم ، وكانت فلسطين مركزاً لهذا التفكير بسبب اعتبارها في التوراة "أرض الوعد" .
لكن اليهود فكروا في أماكن أخرى مثل الأرجنتين ، إلاّ أنهم ما لبثوا أن اعتمدوا أرض فلسطين وحصروا جهودهم في إقامة وطن قومي لهم فيها ، وبدأت رحلة استيطانهم هناك منذ عام 1860 . وقد ظل الاستيطان اليهودي يسير بخطى بطيئة حتى انهزمت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918 . إذ بعد هذا التاريخ ، انفتحت أبواب فلسطين أمام اليهود ، وذلك بمساعدة المستعمر البريطاني حتى استطاعوا إعلان دولتهم المشؤومة عام 1948 . وكانت اليابان من عام 1894 حتى عام 1945 أكبر عدو للصين ، وقد بدأت العداوة بين الدولتين إثر حدوث النهضة اليابانية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . إذ احتاجت هذه النهضة إلى المواد الأولية اللازمة للصناعة ، وأيضاً إلى أسواق تصريف المنتجات .
وكانت الصين تمثل الفضاء المفتوح أمام اليابان بسبب ضعف الحكومة الصينية آنذاك ووقوعها في قبضة المستعمر الغربي البريطاني والفرنسي والأمريكي . وقد بدأ الصراع بين اليابان والصين أولاً ، حول كوريا التي كانت تحت السيادة الصينية . فاندلعت الحرب بين الدولتين عام 1894 واستمرت عاماً واحداً وانتهت بهزيمة الصين وأصبحت كوريا ومناطق صينية أخرى تحت الهيمنة اليابانية .
وبدأت اليابان تتدخّل في الشؤون الداخلية للصين ، فكانت تشجع على الفوضى فيها وتثير الأحقاد بين زعماء الأقاليم الصينية . ومن ثم في عام 1937 استغلت اليابان تقهقر القوى الاستعمارية الغربية أمام النفوذ الألماني المتعاظم في أوروبا .
فقامت باجتياح الصين واكتسحت المناطق الشمالية والساحلية منها ، وقد نهض الشعب الصيني يقاوم هذا الغزو الياباني لأرضه . ونجحت المقاومة الصينية في منع احتلال كامل الصين ، ولكنها لم تستطع طرد الغزاة من الأرض الصينية التي ظلت تحت سيطرتهم حتى انهزموا هزيمة ساحقة في الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، حيث اضطروا إلى الجلاء عن الأرض الصينية وهم يجرّون أذيال الخيبة .
وقد ظل الشعب الصيني يحمل أبشع الذكريات عن تلك السنين المجدبة في ظل الاستعمار الياباني . ولعل إنتاج فيلم وثائقي صيني عن مسعى اليابان لإقامة دولة لليهود في الصين ، هو أبلغ دليل على أن الشعب الصيني لا يمكن أن ينسى إجرام المستعمرين بحقه . كما أنه لا يمكن أن يكون نصيراً وحامياً لأذيال المستعمرين الذين يعيشون في إسرائيل .

ليست هناك تعليقات: