صحيفة الوطن البحرينية
إبراهيم حامد المبيضين
ربما لم يستطع رئيس أمريكي من قبل أن يجمع حلفاء له كالرئيس الحالي جورج بوش، وربما لم يستطع رئيس أمريكي من قبل أن يجلب لبلده خسارات في مستوى النفوذ وأعداد الدول الصديقة كالرئيس جورج بوش أيضاً.. فحتى في المنطقة التي تعتبرها فناء خلفياً، خسرت واشنطن دولاً صديقة ونفوذاً كان يعتبر في الماضي أمراً حتمياً..!
في هذا الإطار، الذي يسبب انزعاجاً متزايداً في الدوائر الأمريكية الحاكمة، نشرت ''فورين افيرز'' في عدد سابق مقالة بعنوان ''هل تخسر واشنطن أمريكا اللاتينية؟'' كتبها بيتر حكيم، رئيس الحوار بين الأمريكيتين. وفيها يدين حكيم إدارة الرئيس بوش، لعدم اكتراثه بأمريكا اللاتينية، وهو الأمر الذي سمح بانفلات سطوة أمريكا في المنطقة بعد فترة سارت فيها القارة اللاتينية قدماً في اتجاه البيت الأبيض.
غير أن حكيم يقرر كذلك في مقالته الشديدة الأهمية أن تراجع النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية ودول أخرى آسيوية وشرق أوسطية، لم يحدث فقط نتيجة للسياسات الكارثية الأمريكية، بل أيضاً، بسبب التغيرات في الاقتصاد العالمي. هذه التغيرات التي فرضتها العولمة وما واكبها من هبوط نسبي متزايد في وضع الرأسمالية الأمريكية مقارنة مع دول غرب أوروبا والصين واليابان.
وعلى ما يبدو، فإن هناك كثيرين من الخبراء والباحثين الأمريكيين، يتفقون مع رؤية حكيم. فنعوم تشومسكي سبق له التنبؤ بأن ''مبدأ مونرو'' - الذي يقر برفض السياسة الأمريكية الخارجية لأي قوة خارجية عدا الولايات المتحدة بمد نفوذها إلى نصف الكرة الغربي - أصبح غير قائم. وإن التغيرات الاقتصادية حطمت هذا المبدأ، وحطمت معه العلاقات التي فرضتها أمريكا بالقوة من خلاله.
في غضون العقد الأخير، تفوق الاتحاد الأوروبي على الرأسمالية الأمريكية كمصدر رئيس للاستثمارات الخارجية المباشرة والتجارة في أجزاء كثيرة من العالم. غير أن الأمر الأكثر إزعاجاً لواشنطن، أن الصين بدأت تلعب دوراً متزايداً في مد نفوذها إلى ما تحت البساط الأمريكي، ووقعت اتفاقات تجارية وأخرى عسكرية موزعة على معظم القارات. وأصبحت دول عدة - كانت تعتبر ضمن الحريم الأمريكي - مصدراً مهماً للمواد الخام لكثير من الصناعات الصينية. وتضاعفت واردات الصين أكثر من 13 مرة خلال السنوات الست الماضية. كما تعهدت الصين باستثمار نحو 100 بليون دولار في بناء الطرق والموانئ وأعمال البنية الأساسية في دول أمريكا اللاتينية، ومثل هذا الرقم في أفريقيا ودول آسيوية وشرق أوسطية خلال العقد القادم. وتواصل الصين اقتحام عدد من الاستثمارات الكبرى، خصوصاً في الصناعات التشغيلية والنفط والغاز الطبيعي والزراعة والمعادن الأساسية.
وقد عقد الكونجرس الأمريكي جلسات استماع عدة حول ما يعرف بالتهديد الصيني البعيد المدى على النفوذ الأمريكي في العالم. وهناك الآن أكثر من ثلاثين دراسة متخصصة تم إعدادها في أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية المقربة من الإدارة، حول ما تسميه الدوائر الأمريكية ''الخطر الصيني''، وما يسميه العالم ''الامتداد الصيني''.
باختصار، هذه التغيرات في العلاقات الاقتصادية الكوكبية تعني أن الرأسمالية الأمريكية لم تعد تحتكر سيطرتها المنفردة على بلدان في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والشرق الأوسط. وهناك قلق أمريكي مكشوف من تنامي العلاقات بين هذه الدول وبين القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار هذه العلاقات توفر فرصاً لعدد من دول العالم كي تناور بين القوى الدولية المتنافسة، وتتمرد على الانفراد الأمريكي وسياساتها الموجهة للهيمنة على مناطق النفوذ والوفرة الاقتصادية.
ويبقى أن الدول العربية بشكل عام، تكاد هي الوحيدة من دول العالم التي لم تحاول الالتفات بجدية نحو الصين. وباستثناء محاولات محدودة جرت على استحياء، أو بتحفظ غير مبرر، فإن البوصلة العربية لاتزال عاجزة أو ربما متخاذلة عن استشعار الجاذبية الصينية، التي تعد بالكثير وتحمل الكثير، وتتمتع بسجل تاريخي خال من النوايا الاستعمارية وشهوة الاحتكار وهوس الهيمنة.
إبراهيم حامد المبيضين
ربما لم يستطع رئيس أمريكي من قبل أن يجمع حلفاء له كالرئيس الحالي جورج بوش، وربما لم يستطع رئيس أمريكي من قبل أن يجلب لبلده خسارات في مستوى النفوذ وأعداد الدول الصديقة كالرئيس جورج بوش أيضاً.. فحتى في المنطقة التي تعتبرها فناء خلفياً، خسرت واشنطن دولاً صديقة ونفوذاً كان يعتبر في الماضي أمراً حتمياً..!
في هذا الإطار، الذي يسبب انزعاجاً متزايداً في الدوائر الأمريكية الحاكمة، نشرت ''فورين افيرز'' في عدد سابق مقالة بعنوان ''هل تخسر واشنطن أمريكا اللاتينية؟'' كتبها بيتر حكيم، رئيس الحوار بين الأمريكيتين. وفيها يدين حكيم إدارة الرئيس بوش، لعدم اكتراثه بأمريكا اللاتينية، وهو الأمر الذي سمح بانفلات سطوة أمريكا في المنطقة بعد فترة سارت فيها القارة اللاتينية قدماً في اتجاه البيت الأبيض.
غير أن حكيم يقرر كذلك في مقالته الشديدة الأهمية أن تراجع النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية ودول أخرى آسيوية وشرق أوسطية، لم يحدث فقط نتيجة للسياسات الكارثية الأمريكية، بل أيضاً، بسبب التغيرات في الاقتصاد العالمي. هذه التغيرات التي فرضتها العولمة وما واكبها من هبوط نسبي متزايد في وضع الرأسمالية الأمريكية مقارنة مع دول غرب أوروبا والصين واليابان.
وعلى ما يبدو، فإن هناك كثيرين من الخبراء والباحثين الأمريكيين، يتفقون مع رؤية حكيم. فنعوم تشومسكي سبق له التنبؤ بأن ''مبدأ مونرو'' - الذي يقر برفض السياسة الأمريكية الخارجية لأي قوة خارجية عدا الولايات المتحدة بمد نفوذها إلى نصف الكرة الغربي - أصبح غير قائم. وإن التغيرات الاقتصادية حطمت هذا المبدأ، وحطمت معه العلاقات التي فرضتها أمريكا بالقوة من خلاله.
في غضون العقد الأخير، تفوق الاتحاد الأوروبي على الرأسمالية الأمريكية كمصدر رئيس للاستثمارات الخارجية المباشرة والتجارة في أجزاء كثيرة من العالم. غير أن الأمر الأكثر إزعاجاً لواشنطن، أن الصين بدأت تلعب دوراً متزايداً في مد نفوذها إلى ما تحت البساط الأمريكي، ووقعت اتفاقات تجارية وأخرى عسكرية موزعة على معظم القارات. وأصبحت دول عدة - كانت تعتبر ضمن الحريم الأمريكي - مصدراً مهماً للمواد الخام لكثير من الصناعات الصينية. وتضاعفت واردات الصين أكثر من 13 مرة خلال السنوات الست الماضية. كما تعهدت الصين باستثمار نحو 100 بليون دولار في بناء الطرق والموانئ وأعمال البنية الأساسية في دول أمريكا اللاتينية، ومثل هذا الرقم في أفريقيا ودول آسيوية وشرق أوسطية خلال العقد القادم. وتواصل الصين اقتحام عدد من الاستثمارات الكبرى، خصوصاً في الصناعات التشغيلية والنفط والغاز الطبيعي والزراعة والمعادن الأساسية.
وقد عقد الكونجرس الأمريكي جلسات استماع عدة حول ما يعرف بالتهديد الصيني البعيد المدى على النفوذ الأمريكي في العالم. وهناك الآن أكثر من ثلاثين دراسة متخصصة تم إعدادها في أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية المقربة من الإدارة، حول ما تسميه الدوائر الأمريكية ''الخطر الصيني''، وما يسميه العالم ''الامتداد الصيني''.
باختصار، هذه التغيرات في العلاقات الاقتصادية الكوكبية تعني أن الرأسمالية الأمريكية لم تعد تحتكر سيطرتها المنفردة على بلدان في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والشرق الأوسط. وهناك قلق أمريكي مكشوف من تنامي العلاقات بين هذه الدول وبين القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار هذه العلاقات توفر فرصاً لعدد من دول العالم كي تناور بين القوى الدولية المتنافسة، وتتمرد على الانفراد الأمريكي وسياساتها الموجهة للهيمنة على مناطق النفوذ والوفرة الاقتصادية.
ويبقى أن الدول العربية بشكل عام، تكاد هي الوحيدة من دول العالم التي لم تحاول الالتفات بجدية نحو الصين. وباستثناء محاولات محدودة جرت على استحياء، أو بتحفظ غير مبرر، فإن البوصلة العربية لاتزال عاجزة أو ربما متخاذلة عن استشعار الجاذبية الصينية، التي تعد بالكثير وتحمل الكثير، وتتمتع بسجل تاريخي خال من النوايا الاستعمارية وشهوة الاحتكار وهوس الهيمنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق