الاثنين، 30 يونيو 2008

لماذا ترفض البوصلة العربية اســتشعــار الجاذبيــة الصينيــة؟

صحيفة الوطن البحرينية
إبراهيم حامد المبيضين
ربما لم‮ ‬يستطع رئيس أمريكي‮ ‬من قبل أن‮ ‬يجمع حلفاء له كالرئيس الحالي‮ ‬جورج بوش،‮ ‬وربما لم‮ ‬يستطع رئيس أمريكي‮ ‬من قبل أن‮ ‬يجلب لبلده خسارات في‮ ‬مستوى النفوذ وأعداد الدول الصديقة كالرئيس جورج بوش أيضاً‮.. ‬فحتى في‮ ‬المنطقة التي‮ ‬تعتبرها فناء خلفياً،‮ ‬خسرت واشنطن دولاً‮ ‬صديقة ونفوذاً‮ ‬كان‮ ‬يعتبر في‮ ‬الماضي‮ ‬أمراً‮ ‬حتمياً‮..!‬
في‮ ‬هذا الإطار،‮ ‬الذي‮ ‬يسبب انزعاجاً‮ ‬متزايداً‮ ‬في‮ ‬الدوائر الأمريكية الحاكمة،‮ ‬نشرت‮ ''‬فورين افيرز‮'' ‬في‮ ‬عدد سابق مقالة بعنوان‮ ''‬هل تخسر واشنطن أمريكا اللاتينية؟‮'' ‬كتبها بيتر حكيم،‮ ‬رئيس الحوار بين الأمريكيتين‮. ‬وفيها‮ ‬يدين حكيم إدارة الرئيس بوش،‮ ‬لعدم اكتراثه بأمريكا اللاتينية،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬سمح بانفلات سطوة أمريكا في‮ ‬المنطقة بعد فترة سارت فيها القارة اللاتينية قدماً‮ ‬في‮ ‬اتجاه البيت الأبيض‮.‬
غير أن حكيم‮ ‬يقرر كذلك في‮ ‬مقالته الشديدة الأهمية أن تراجع النفوذ الأمريكي‮ ‬في‮ ‬أمريكا اللاتينية ودول أخرى آسيوية وشرق أوسطية،‮ ‬لم‮ ‬يحدث فقط نتيجة للسياسات الكارثية الأمريكية،‮ ‬بل أيضاً،‮ ‬بسبب التغيرات في‮ ‬الاقتصاد العالمي‮. ‬هذه التغيرات التي‮ ‬فرضتها العولمة وما واكبها من هبوط نسبي‮ ‬متزايد في‮ ‬وضع الرأسمالية الأمريكية مقارنة مع دول‮ ‬غرب أوروبا والصين واليابان‮.‬
وعلى ما‮ ‬يبدو،‮ ‬فإن هناك كثيرين من الخبراء والباحثين الأمريكيين،‮ ‬يتفقون مع رؤية حكيم‮. ‬فنعوم تشومسكي‮ ‬سبق له التنبؤ بأن‮ ''‬مبدأ‮ ‬مونرو‮'' ‬‭-‬‮ ‬الذي‮ ‬يقر برفض السياسة الأمريكية الخارجية لأي‮ ‬قوة خارجية عدا الولايات المتحدة بمد نفوذها إلى نصف الكرة الغربي‮ ‬‭-‬‮ ‬أصبح‮ ‬غير قائم‮. ‬وإن التغيرات الاقتصادية حطمت هذا المبدأ،‮ ‬وحطمت معه العلاقات التي‮ ‬فرضتها أمريكا بالقوة من خلاله‮.‬
في‮ ‬غضون العقد الأخير،‮ ‬تفوق الاتحاد الأوروبي‮ ‬على الرأسمالية الأمريكية كمصدر رئيس للاستثمارات الخارجية المباشرة والتجارة في‮ ‬أجزاء كثيرة من العالم‮. ‬غير أن الأمر الأكثر إزعاجاً‮ ‬لواشنطن،‮ ‬أن الصين بدأت تلعب دوراً‮ ‬متزايداً‮ ‬في‮ ‬مد نفوذها إلى ما تحت البساط الأمريكي،‮ ‬ووقعت اتفاقات تجارية وأخرى عسكرية موزعة على معظم القارات‮. ‬وأصبحت دول عدة‮ - ‬كانت تعتبر ضمن الحريم الأمريكي‮ - ‬مصدراً‮ ‬مهماً‮ ‬للمواد الخام لكثير من الصناعات الصينية‮. ‬وتضاعفت واردات الصين أكثر من‮ ‬13‮ ‬مرة خلال السنوات الست الماضية‮. ‬كما تعهدت الصين باستثمار نحو‮ ‬100‮ ‬بليون دولار في‮ ‬بناء الطرق والموانئ وأعمال البنية الأساسية في‮ ‬دول أمريكا اللاتينية،‮ ‬ومثل هذا الرقم في‮ ‬أفريقيا ودول آسيوية وشرق أوسطية خلال العقد القادم‮. ‬وتواصل الصين اقتحام عدد من الاستثمارات الكبرى،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬الصناعات التشغيلية والنفط والغاز الطبيعي‮ ‬والزراعة والمعادن الأساسية‮.‬
وقد عقد الكونجرس الأمريكي‮ ‬جلسات استماع عدة حول ما‮ ‬يعرف بالتهديد الصيني‮ ‬البعيد المدى على النفوذ الأمريكي‮ ‬في‮ ‬العالم‮. ‬وهناك الآن أكثر من ثلاثين دراسة متخصصة تم إعدادها في‮ ‬أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية المقربة من الإدارة،‮ ‬حول ما تسميه الدوائر الأمريكية‮ ''‬الخطر الصيني‮''‬،‮ ‬وما‮ ‬يسميه العالم‮ ''‬الامتداد الصيني‮''. ‬
باختصار،‮ ‬هذه التغيرات في‮ ‬العلاقات الاقتصادية الكوكبية تعني‮ ‬أن الرأسمالية الأمريكية لم تعد تحتكر سيطرتها المنفردة على بلدان في‮ ‬أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والشرق الأوسط‮. ‬وهناك قلق أمريكي‮ ‬مكشوف من تنامي‮ ‬العلاقات بين هذه الدول وبين القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬باعتبار هذه العلاقات توفر فرصاً‮ ‬لعدد من دول العالم كي‮ ‬تناور بين القوى الدولية المتنافسة،‮ ‬وتتمرد على الانفراد الأمريكي‮ ‬وسياساتها الموجهة للهيمنة على مناطق النفوذ والوفرة الاقتصادية‮. ‬
ويبقى أن الدول العربية بشكل عام،‮ ‬تكاد هي‮ ‬الوحيدة من دول العالم التي‮ ‬لم تحاول الالتفات بجدية نحو الصين‮. ‬وباستثناء محاولات محدودة جرت على استحياء،‮ ‬أو بتحفظ‮ ‬غير مبرر،‮ ‬فإن البوصلة العربية لاتزال عاجزة أو ربما متخاذلة عن استشعار الجاذبية الصينية،‮ ‬التي‮ ‬تعد بالكثير وتحمل الكثير،‮ ‬وتتمتع بسجل تاريخي‮ ‬خال من النوايا الاستعمارية وشهوة الاحتكار وهوس الهيمنة‮.‬

ليست هناك تعليقات: