صحيفة الاقتصادية السعودية
آدم سترانجفيلد
حين اتهم أحد المسؤولين الأمنيين في الحكومة الصينية أخيرا أتباع الدلاي لاما بالتخطيط لشن هجمات انتحارية ـ وهو أحد أكثر الادعاءات تطرفاً من بين وابل الادعاءات التي أطلِقَت ضد "عشيرة الدلاي لاما" ـ بدا الأمر وكأن الثورة الثقافية ما زالت مستعرة. فحين يتصل الأمر بالتيبت بصورة خاصة يبدو قادة الصين، الذين اكتسبوا قدراً متزايداً من الحنكة والحس العملي، وكأنهم ارتدّوا إلى عصر ماو، بأساليبه الدعائية الرنانة وسياساته القهرية. ولكن تُرى هل يجد المستثمرون الأجانب في كل هذا ما قد يدعوهم إلى القلق والانزعاج؟
رغم الاحتمال الحقيقي في أن تدفع الاحتجاجات الأخيرة السلطات الصينية إلى تغيير مسارها، إلا أن العلامات المبكرة ليست واعدة. فحتى الآن ما زال النظام مستمراً في تطبيق الإجراءات الفظة نفسها التي أثارت حفيظة أهل التيبت في المقام الأول. ولن تكفي الضغوط الدولية وحدها لتغيير هذا التوجه. وقد تكون الضغوط الداخلية أكثر نجاحاً، إلا أن أي فرصة لتحقيق مثل هذه الغاية قد هلكت في ساحة الحرب الدعائية.
فمن ناحية، سارعت بعض أجهزة الإعلام الدولية إلى رسم صورة قاتمة (وليست موضوعية بالكامل في كل الأحوال) لأحداث العنف التي اندلعت في آذار (مارس)، فأظهرتها وكأنها هجوما صينيا وحشيا على رهبان التيبت المسالمين. ومن ناحية أخرى بادرت أجهزة الإعلام الصينية الرسمية إلى إذكاء نيران الغضب الشعبي في الداخل ضد التحامل الغربي المناهض للصين. ومع إثارة مشاعر النعرة القومية، لم يحاول إلا قِـلة من الصينيين أن يسألوا أنفسهم عن الأسباب التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف.
مما لا شك فيه أن قضية التيبت ظلت قائمة لعقود من الزمان، دون أن تفرض مشكلا خطيرة على المستثمرين الأجانب. بيد أن التركيبة المؤلفة من اندلاع أول انتفاضة خطيرة في التيبت منذ ما يقرب من العشرين عاماً والموجة العارمة من الانتقادات الموجهة إلى الصين مع اقتراب موعد إقامة الألعاب الأوليمبية في بكين، جعلت الشركات التجارية والمستثمرين في حيرة من أمرهم، في محاولة لتقييم العواقب التي قد تمسهم نتيجة لكل ما يدور حولهم، وبصورة خاصة العواقب الأخلاقية والمتصلة منها بالسمعة.
كانت الاحتجاجات المتصلة بقضية التيبت، التي نُـظِمَت أمام العديد من السفارات الصينية في مختلف أنحاء العالم وأثناء تسليم الشعلة الأوليمبية بمثابة لمحات مما قد يتلو ذلك من أحداث. وأصبح لزاماً على المستثمرين في الصين أن يضعوا في الحسبان احتمالات تعرضهم للدعاية السلبية، وأن يكونوا على ثقة من قدرتهم على شرح موقفهم، بل إن بعض المستثمرين اضطروا بالفعل إلى القيام بذلك. وقد يُـستَهدَف العديد منهم فيما يتصل بالحملات المتواصلة لجذب الانتباه الدولي نحو العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، قبل انطلاق الألعاب الأوليمبية.
إن أكثر الشركات عُـرضة للخطر عموماً هي تلك التي تتمتع بأكبر قدر من الشعبية، وتلك التي تنفذ أضخم المشاريع الاستثمارية أو أكثرها بروزاً، والشركات الرئيسية الراعية للألعاب، فضلاً عن الشركات المرتبطة بشكل أو آخر بالسياسات التي تنتهجها الحكومة الصينية في التعامل مع التيبت. وتتضمن المجموعة الأخيرة شركات الاستخراج والإنشاءات التي تعمل بالاشتراك مع حكومة إقليم التيبت المتمتع بالحكم الذاتي. وهي تواجه أعظم المصاعب، سواء فيما يتصل بمحاولاتها إقصاء نفسها عن السياسات التي تنتهجها الحكومة، أو مقاومة التصورات الاستثمارية السلبية فيما يرتبط بالجدوى الاقتصادية التي قد تعود عليها من استمرارها في تنفيذ عملياتها هناك في ظل المناخ الحالي.
ما لا شك فيه أن الاستثمارات الأجنبية في إقليم التيبت المتمتع بالحكم الذاتي تشكل قطرة في المحيط مقارنة بالاستثمارات الأجنبية في الصين ككل. ولا يستطيع الناشطون السياسيون أن يستهدفوا كل الاستثمارات الأجنبية في الصين. لذا فإن أغلب الشركات العاملة في الصين ليس من المرجح أن تُستهدَف بصورة خاصة أو تتعرض لأضرار متعلقة بسمعتها. ومن المشكوك فيه إلى حد كبير أن يتحول الرأي العام العالمي ضد الصين إلى الدرجة التي قد يضطر معها المستثمرون عموماً إلى التخلي عن السوق.
ولكن حين نتحدث عن الصناعات والشركات المعرضة بصورة خاصة للضرر على الصعيد الأخلاقي، فقد تشكل الصورة العامة والهيئة الأخلاقية عاملاً مهماً فيما يتصل بقرارات العمل الأكثر هامشية (وبصورة خاصة بعد أن أدى ارتفاع التكاليف وقوانين العمل الأشد صرامة في الصين إلى دفع بعض الشركات إلى التفكير في نقل استثماراتها إلى أماكن أخرى). وفي الوقت نفسه، من المحتمل أن تتسبب أحدث توابع قضية التيبت في دفع المستثمرين إلى التفكير في الثقل الجديد الذي اكتسبته الصين على الساحة الدولية، باعتباره سبباً في خلق المزيد من التحديات المعقدة بالنسبة للشركات الأجنبية العاملة في الصين.
بينما تضطر الشركات الغربية التي تستثمر أموالها في الصين إلى مواجهة الاحتجاجات والانتقادات في أوطانها الأصلية من قِـبَل الحملات المؤيدة للتيبت، تتعرض بعض الشركات لضغوط في الصين ذاتها. فقد شهدت سلسلة متاجر كارفور الفرنسية عدداً من الاحتجاجات التي نظمها أمام مقارها في مختلف أنحاء الصين الناشطون من القوميين الذين أثارت حفيظتهم الاحتجاجات التي نُـظِمَت في باريس أثناء مرور الشعلة الأوليمبية عبر المدينة. الحقيقة أن العديد من المستثمرين، في ظل المناخ الحالي، سيجدون صعوبة كبيرة في تجنب الوقوع بين شِقي الرحى.
آدم سترانجفيلد
حين اتهم أحد المسؤولين الأمنيين في الحكومة الصينية أخيرا أتباع الدلاي لاما بالتخطيط لشن هجمات انتحارية ـ وهو أحد أكثر الادعاءات تطرفاً من بين وابل الادعاءات التي أطلِقَت ضد "عشيرة الدلاي لاما" ـ بدا الأمر وكأن الثورة الثقافية ما زالت مستعرة. فحين يتصل الأمر بالتيبت بصورة خاصة يبدو قادة الصين، الذين اكتسبوا قدراً متزايداً من الحنكة والحس العملي، وكأنهم ارتدّوا إلى عصر ماو، بأساليبه الدعائية الرنانة وسياساته القهرية. ولكن تُرى هل يجد المستثمرون الأجانب في كل هذا ما قد يدعوهم إلى القلق والانزعاج؟
رغم الاحتمال الحقيقي في أن تدفع الاحتجاجات الأخيرة السلطات الصينية إلى تغيير مسارها، إلا أن العلامات المبكرة ليست واعدة. فحتى الآن ما زال النظام مستمراً في تطبيق الإجراءات الفظة نفسها التي أثارت حفيظة أهل التيبت في المقام الأول. ولن تكفي الضغوط الدولية وحدها لتغيير هذا التوجه. وقد تكون الضغوط الداخلية أكثر نجاحاً، إلا أن أي فرصة لتحقيق مثل هذه الغاية قد هلكت في ساحة الحرب الدعائية.
فمن ناحية، سارعت بعض أجهزة الإعلام الدولية إلى رسم صورة قاتمة (وليست موضوعية بالكامل في كل الأحوال) لأحداث العنف التي اندلعت في آذار (مارس)، فأظهرتها وكأنها هجوما صينيا وحشيا على رهبان التيبت المسالمين. ومن ناحية أخرى بادرت أجهزة الإعلام الصينية الرسمية إلى إذكاء نيران الغضب الشعبي في الداخل ضد التحامل الغربي المناهض للصين. ومع إثارة مشاعر النعرة القومية، لم يحاول إلا قِـلة من الصينيين أن يسألوا أنفسهم عن الأسباب التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف.
مما لا شك فيه أن قضية التيبت ظلت قائمة لعقود من الزمان، دون أن تفرض مشكلا خطيرة على المستثمرين الأجانب. بيد أن التركيبة المؤلفة من اندلاع أول انتفاضة خطيرة في التيبت منذ ما يقرب من العشرين عاماً والموجة العارمة من الانتقادات الموجهة إلى الصين مع اقتراب موعد إقامة الألعاب الأوليمبية في بكين، جعلت الشركات التجارية والمستثمرين في حيرة من أمرهم، في محاولة لتقييم العواقب التي قد تمسهم نتيجة لكل ما يدور حولهم، وبصورة خاصة العواقب الأخلاقية والمتصلة منها بالسمعة.
كانت الاحتجاجات المتصلة بقضية التيبت، التي نُـظِمَت أمام العديد من السفارات الصينية في مختلف أنحاء العالم وأثناء تسليم الشعلة الأوليمبية بمثابة لمحات مما قد يتلو ذلك من أحداث. وأصبح لزاماً على المستثمرين في الصين أن يضعوا في الحسبان احتمالات تعرضهم للدعاية السلبية، وأن يكونوا على ثقة من قدرتهم على شرح موقفهم، بل إن بعض المستثمرين اضطروا بالفعل إلى القيام بذلك. وقد يُـستَهدَف العديد منهم فيما يتصل بالحملات المتواصلة لجذب الانتباه الدولي نحو العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، قبل انطلاق الألعاب الأوليمبية.
إن أكثر الشركات عُـرضة للخطر عموماً هي تلك التي تتمتع بأكبر قدر من الشعبية، وتلك التي تنفذ أضخم المشاريع الاستثمارية أو أكثرها بروزاً، والشركات الرئيسية الراعية للألعاب، فضلاً عن الشركات المرتبطة بشكل أو آخر بالسياسات التي تنتهجها الحكومة الصينية في التعامل مع التيبت. وتتضمن المجموعة الأخيرة شركات الاستخراج والإنشاءات التي تعمل بالاشتراك مع حكومة إقليم التيبت المتمتع بالحكم الذاتي. وهي تواجه أعظم المصاعب، سواء فيما يتصل بمحاولاتها إقصاء نفسها عن السياسات التي تنتهجها الحكومة، أو مقاومة التصورات الاستثمارية السلبية فيما يرتبط بالجدوى الاقتصادية التي قد تعود عليها من استمرارها في تنفيذ عملياتها هناك في ظل المناخ الحالي.
ما لا شك فيه أن الاستثمارات الأجنبية في إقليم التيبت المتمتع بالحكم الذاتي تشكل قطرة في المحيط مقارنة بالاستثمارات الأجنبية في الصين ككل. ولا يستطيع الناشطون السياسيون أن يستهدفوا كل الاستثمارات الأجنبية في الصين. لذا فإن أغلب الشركات العاملة في الصين ليس من المرجح أن تُستهدَف بصورة خاصة أو تتعرض لأضرار متعلقة بسمعتها. ومن المشكوك فيه إلى حد كبير أن يتحول الرأي العام العالمي ضد الصين إلى الدرجة التي قد يضطر معها المستثمرون عموماً إلى التخلي عن السوق.
ولكن حين نتحدث عن الصناعات والشركات المعرضة بصورة خاصة للضرر على الصعيد الأخلاقي، فقد تشكل الصورة العامة والهيئة الأخلاقية عاملاً مهماً فيما يتصل بقرارات العمل الأكثر هامشية (وبصورة خاصة بعد أن أدى ارتفاع التكاليف وقوانين العمل الأشد صرامة في الصين إلى دفع بعض الشركات إلى التفكير في نقل استثماراتها إلى أماكن أخرى). وفي الوقت نفسه، من المحتمل أن تتسبب أحدث توابع قضية التيبت في دفع المستثمرين إلى التفكير في الثقل الجديد الذي اكتسبته الصين على الساحة الدولية، باعتباره سبباً في خلق المزيد من التحديات المعقدة بالنسبة للشركات الأجنبية العاملة في الصين.
بينما تضطر الشركات الغربية التي تستثمر أموالها في الصين إلى مواجهة الاحتجاجات والانتقادات في أوطانها الأصلية من قِـبَل الحملات المؤيدة للتيبت، تتعرض بعض الشركات لضغوط في الصين ذاتها. فقد شهدت سلسلة متاجر كارفور الفرنسية عدداً من الاحتجاجات التي نظمها أمام مقارها في مختلف أنحاء الصين الناشطون من القوميين الذين أثارت حفيظتهم الاحتجاجات التي نُـظِمَت في باريس أثناء مرور الشعلة الأوليمبية عبر المدينة. الحقيقة أن العديد من المستثمرين، في ظل المناخ الحالي، سيجدون صعوبة كبيرة في تجنب الوقوع بين شِقي الرحى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق