صحيفة الاقتصادية السعودية
فهد إبراهيم الشثري
قد يكون من الظاهر للكثير من المتابعين لارتفاع أسعار النفط والمستمعين لصراخ بعض القادة السياسيين الغربيين أن هذا الارتفاع لا يجني فوائده إلا الدول المنتجة للنفط، خصوصاً دول الأوبك، لكن الواقع يدلل على أن أكثر الدول تضرراً من أسعار النفط ليست الدول الغربية، لكنها في الواقع الدول الآسيوية التي لم تبدأ بعد في الصراخ لأن هذه الدول "الآسيوية خصوصاً الصين" ما زالت تحقق نمواً إيجابياً على الرغم من تراجعه، لكن الواقع قد يتغير قريباً في حال استمرار ارتفاع الأسعار، حيث تتحول عجلة الميزات النسبية مرة أخرى إلى الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة.
فالارتفاع الصاروخي لأسعار النفط سيؤدي إلى محو الميزات التنافسية للصناعة الصينية وتحويلها مرة أخرى إلى الولايات المتحدة، ما سيؤدي إلى إنعاش أسواق العمل والصناعة في الولايات المتحدة، إلا في حالة وجود البديل الذي يمكنه الإنتاج بتكلفة منخفضة. المشكلة أن إيجاد البديل من الصعوبة بمكان لأنه حتى وإن توافر لدى البديل الإمكانات البشرية فلن تتوافر لديه الإمكانات الرأسمالية التي تمكنه من إنتاج ما يرغبه الغرب، فنمو الصناعة الصينية كان أحد أسبابه أن الصين حولت نفسها إلى "بوتيك" للصناعة تصنع ما يحتاج إليه ويطلبه الجميع، فبإمكان أي شركة غربية أن تركز على عملية البحث والتطوير لاستحداث منتجات جديدة وأن تترك عملية الإنتاج بكاملها للصين مما يحقق لمنتجاتها المزايا النسبية المطلوبة.
تقرير لمجلة "البزنس ويك" الأمريكية أظهر أن هناك علامات ودلائل اقتصادية تؤكد صحة هذه النظرية المتعلقة بعملية عودة لعجلة العمل بكامل ميزاتها النسبية إلى الولايات المتحدة. على سبيل المثال فإن ارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدولار شجع الكثير من المصنعين الأوروبيين للمركبات والصلب والطائرات إلى تحويل خطوط الصناعة إلى داخل الولايات المتحدة. كما أن ارتفاع تكلفة الوقود أدى إلى ارتفاع تكاليف شحن البضائع ومن ثم إلى ارتفاع ميزة الإنتاج بالقرب من مصادر الاستهلاك. وبحكم أن الولايات المتحدة تستهلك نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي من السلع المعمرة، فقد أدى ذلك إلى بداية عملية تحول للإنتاج داخل الولايات المتحدة لتجنب تكاليف الشحن العالية. فعلى سبيل المثال ارتفعت تكلفة شحن طن من الصلب من البرازيل إلى اليابان لاستخدامها في تصنيع الجسم الخارجي للمركبات من 15 إلى 90 دولارا بين عامي 2003 و2008. وبحكم أن الجسم الخارجي للمركبة يمثل 13 في المائة من تكلفة تصنيعها، فإن هذه الزيادة في تكلفة الشحن خفضت بشكل كبير من مزايا الصناعة اليابانية. وعلى مدى السنين الماضية مثل "سعر الصين" الذي يمثل الميزة النسبية لتكلفة الإنتاج في الصين التي راوحت بين 40 و50 في المائة مصدر جذب للمصنعين الأمريكيين لتحويل عمليات إنتاجهم إلى الصين، لكن ارتفاع تكاليف الشحن وغيرها من التكاليف نتيجة ارتفاع أسعار النفط أدى إلى تخفيض هذه الميزة إلى مستوى متدن يجعل المستثمرين الأمريكيين يترددون كثيراً في تحويل عملية إنتاجهم إلى الصين. إضافة إلى ذلك، يتوقع أن تكون صناعة الطائرات الأمريكية ممثلة في "البوينج" أحد أكثر المستفيدين من ارتفاع أسعار وقود الطائرات، حيث يشجع ذلك الطلب على الجيل الجديد من طائرات البوينج الأكثر كفاءة من حيث استهلاك الوقود على حساب المنتج الأوروبي "الإيرباص".
ومن الدلائل التي تقدمها مجلة "البزنس ويك" في تقريرها المشار إليه ما يتعلق بصناعة الصلب في كل من الصين والولايات المتحدة، ففي حين انخفضت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة من الصلب بنسبة 20 في المائة، ارتفع الإنتاج الأمريكي منه بنسبة 10 في المائة، ما يعد دلالة على عملية تحول في مصادر الميزة الإنتاجية نتيجة لزيادة تكاليف الشحن ومن ثم عملية التحول إلى الإنتاج بالقرب من مصادر الاستهلاك. ويقدم التقرير مثالاً آخر يتمثل بقيام أحد مصنعي السيارات الأمريكية بتحويل عملية تصنيع البطاريات الخاصة بالسيارة من تايلاند إلى المكسيك لتجنب دفع تكاليف عالية للشحن من آسيا إلى أمريكا، أي أن ميزة العمالة الرخيصة التي ميزت المصنعين الآسيويين بدأت بالتراجع في ظل تعاظم تكاليف النقل، ما يجعل عملية تصدير الإنتاج أو العمل إلى آسيا غير مجد اقتصادياً في الوقت الحالي. هذا الأمر يدلل على أن هناك فوائد كبيرة تجنيها الصناعة الأمريكية بعودة الكثير من العمليات التصنيعية إلى عقر دارها مرة أخرى، ما سيسهم في تخفيض معدلات البطالة ومن ثم تحسين الوضع الاقتصادي الأمريكي.
ويتصور البعض أن عملية التحول المشار إليها قد تأخذ وقتاً طويلاً، ما سيؤخر من عملية التحسن الاقتصادي ومن عملية جني الفوائد من ارتفاع أسعار النفط، لكن الواقع يدلل على أن هناك قرارات تتخذ بشكل يومي داخل قطاع الأعمال الأمريكي بشكل خاص والعالمي بشكل عام لتحديد مصادر ميزات الإنتاج التنافسي ومن ثم ملاحقتها. لذلك فإن ما سنشهده خلال الفترة المقبلة، وإن كان بطيئاً في ظاهره، إلا أن درجة تسارعه ستكون عالية. والتاريخ الاقتصادي يؤكد أنه ما إن تتشكل الموجه ويهب أحدهم لركوبها حتى يهب الآخرين للحاق به.
فهد إبراهيم الشثري
قد يكون من الظاهر للكثير من المتابعين لارتفاع أسعار النفط والمستمعين لصراخ بعض القادة السياسيين الغربيين أن هذا الارتفاع لا يجني فوائده إلا الدول المنتجة للنفط، خصوصاً دول الأوبك، لكن الواقع يدلل على أن أكثر الدول تضرراً من أسعار النفط ليست الدول الغربية، لكنها في الواقع الدول الآسيوية التي لم تبدأ بعد في الصراخ لأن هذه الدول "الآسيوية خصوصاً الصين" ما زالت تحقق نمواً إيجابياً على الرغم من تراجعه، لكن الواقع قد يتغير قريباً في حال استمرار ارتفاع الأسعار، حيث تتحول عجلة الميزات النسبية مرة أخرى إلى الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة.
فالارتفاع الصاروخي لأسعار النفط سيؤدي إلى محو الميزات التنافسية للصناعة الصينية وتحويلها مرة أخرى إلى الولايات المتحدة، ما سيؤدي إلى إنعاش أسواق العمل والصناعة في الولايات المتحدة، إلا في حالة وجود البديل الذي يمكنه الإنتاج بتكلفة منخفضة. المشكلة أن إيجاد البديل من الصعوبة بمكان لأنه حتى وإن توافر لدى البديل الإمكانات البشرية فلن تتوافر لديه الإمكانات الرأسمالية التي تمكنه من إنتاج ما يرغبه الغرب، فنمو الصناعة الصينية كان أحد أسبابه أن الصين حولت نفسها إلى "بوتيك" للصناعة تصنع ما يحتاج إليه ويطلبه الجميع، فبإمكان أي شركة غربية أن تركز على عملية البحث والتطوير لاستحداث منتجات جديدة وأن تترك عملية الإنتاج بكاملها للصين مما يحقق لمنتجاتها المزايا النسبية المطلوبة.
تقرير لمجلة "البزنس ويك" الأمريكية أظهر أن هناك علامات ودلائل اقتصادية تؤكد صحة هذه النظرية المتعلقة بعملية عودة لعجلة العمل بكامل ميزاتها النسبية إلى الولايات المتحدة. على سبيل المثال فإن ارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدولار شجع الكثير من المصنعين الأوروبيين للمركبات والصلب والطائرات إلى تحويل خطوط الصناعة إلى داخل الولايات المتحدة. كما أن ارتفاع تكلفة الوقود أدى إلى ارتفاع تكاليف شحن البضائع ومن ثم إلى ارتفاع ميزة الإنتاج بالقرب من مصادر الاستهلاك. وبحكم أن الولايات المتحدة تستهلك نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي من السلع المعمرة، فقد أدى ذلك إلى بداية عملية تحول للإنتاج داخل الولايات المتحدة لتجنب تكاليف الشحن العالية. فعلى سبيل المثال ارتفعت تكلفة شحن طن من الصلب من البرازيل إلى اليابان لاستخدامها في تصنيع الجسم الخارجي للمركبات من 15 إلى 90 دولارا بين عامي 2003 و2008. وبحكم أن الجسم الخارجي للمركبة يمثل 13 في المائة من تكلفة تصنيعها، فإن هذه الزيادة في تكلفة الشحن خفضت بشكل كبير من مزايا الصناعة اليابانية. وعلى مدى السنين الماضية مثل "سعر الصين" الذي يمثل الميزة النسبية لتكلفة الإنتاج في الصين التي راوحت بين 40 و50 في المائة مصدر جذب للمصنعين الأمريكيين لتحويل عمليات إنتاجهم إلى الصين، لكن ارتفاع تكاليف الشحن وغيرها من التكاليف نتيجة ارتفاع أسعار النفط أدى إلى تخفيض هذه الميزة إلى مستوى متدن يجعل المستثمرين الأمريكيين يترددون كثيراً في تحويل عملية إنتاجهم إلى الصين. إضافة إلى ذلك، يتوقع أن تكون صناعة الطائرات الأمريكية ممثلة في "البوينج" أحد أكثر المستفيدين من ارتفاع أسعار وقود الطائرات، حيث يشجع ذلك الطلب على الجيل الجديد من طائرات البوينج الأكثر كفاءة من حيث استهلاك الوقود على حساب المنتج الأوروبي "الإيرباص".
ومن الدلائل التي تقدمها مجلة "البزنس ويك" في تقريرها المشار إليه ما يتعلق بصناعة الصلب في كل من الصين والولايات المتحدة، ففي حين انخفضت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة من الصلب بنسبة 20 في المائة، ارتفع الإنتاج الأمريكي منه بنسبة 10 في المائة، ما يعد دلالة على عملية تحول في مصادر الميزة الإنتاجية نتيجة لزيادة تكاليف الشحن ومن ثم عملية التحول إلى الإنتاج بالقرب من مصادر الاستهلاك. ويقدم التقرير مثالاً آخر يتمثل بقيام أحد مصنعي السيارات الأمريكية بتحويل عملية تصنيع البطاريات الخاصة بالسيارة من تايلاند إلى المكسيك لتجنب دفع تكاليف عالية للشحن من آسيا إلى أمريكا، أي أن ميزة العمالة الرخيصة التي ميزت المصنعين الآسيويين بدأت بالتراجع في ظل تعاظم تكاليف النقل، ما يجعل عملية تصدير الإنتاج أو العمل إلى آسيا غير مجد اقتصادياً في الوقت الحالي. هذا الأمر يدلل على أن هناك فوائد كبيرة تجنيها الصناعة الأمريكية بعودة الكثير من العمليات التصنيعية إلى عقر دارها مرة أخرى، ما سيسهم في تخفيض معدلات البطالة ومن ثم تحسين الوضع الاقتصادي الأمريكي.
ويتصور البعض أن عملية التحول المشار إليها قد تأخذ وقتاً طويلاً، ما سيؤخر من عملية التحسن الاقتصادي ومن عملية جني الفوائد من ارتفاع أسعار النفط، لكن الواقع يدلل على أن هناك قرارات تتخذ بشكل يومي داخل قطاع الأعمال الأمريكي بشكل خاص والعالمي بشكل عام لتحديد مصادر ميزات الإنتاج التنافسي ومن ثم ملاحقتها. لذلك فإن ما سنشهده خلال الفترة المقبلة، وإن كان بطيئاً في ظاهره، إلا أن درجة تسارعه ستكون عالية. والتاريخ الاقتصادي يؤكد أنه ما إن تتشكل الموجه ويهب أحدهم لركوبها حتى يهب الآخرين للحاق به.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق