الجمعة، 11 يوليو 2008

مزاج من الحماسة والتوتّر يعتري الصين

مجلة المشاهد السياسي
إنها أيام مثيرة للحماسة والتوتّر بالنسبة الى حكومة الصين وشعبها مع اقتراب موعد الألعاب الأولمبيّة. والتحضيرات الحذرة التي استغرقت سنوات، يجب أن تعني أن حكومة بكين ليس لديها ما تقلق حياله، ويمكنها أن تستمتع بكونها محط أنظار العالم، لهذا، فإنه وقت مثير للحماسة بالنسبة الى الصين. لكن التوتّر ينبع من واقع أن دولةً كانت محميّة لسنوات من التدخّلات الخارجية، تواجه الآن غزو الأجانب والمشاركين في الألعاب الأولمبيّة، والمشاهدين. واحتمال أن يحدث شيئاً ما ليس على الجدول الرسمي للألعاب الأولمبية، كما افترضته الحكومة الصينية، يجعل السلطات تشعر بعدم الراحة.
لذا، خوفاً من اعتداءات إرهابية أو تظاهرات محرجة، لفّت السلطات العاصمة بكين بغطاء أمني سميك، بحيث بات كثير من السكان يتخوّفون من أن يخنق ذلك الألعاب. فالحكومة ترفض المخاطرة، مهما كان تأثير الاجراءات المتخذة على الناس العاديين، مواطنين كانوا أو أجانب.
وفي إطار التحضيرات للألعاب الأولمبيّة التي اعتبرت مناسبة لانفتاح الصين على العالم، شدّدت الحكومة الشروط الخاصة بالحصول على تأشيرة دخول، بهدف حصر أعداد الوافدين الأجانب. كما أضافت تعقيدات إلى خطط وسائل الاعلام الأجنبية لنقل المباريات، وأخلت غالبية شوارع بكين من الباعة المتنقّلين، وأغلقت واحدة من أوسع المجلاّت الناطقة بالإنكليزية شهرة، من ضمن خطوات أخرى يبدو أنها تهدف إلى ضمان إبقاء الحدث تحت السيطرة. وأكثر ما لفت الانتباه تشديد شروط التأشيرات للمقيمين الأجانب في بكين والبالغ عددهم ٢٥٠ ألفاً، حتى أن ناطقاً باسم الخارجية الصينية قال إن الهدف من ذلك ضمان أمن الألعاب الأولمبيّة. وهي إجراءات جعلت الوصول إلى الصين والبقاء فيها أكثر صعوبة على الأجانب.
وأكثر من شعر بانعكاسات هذه القوانين الجديدة هم آلاف الشباب الذين جذبتهم بكين كمكان للعيش، والذين إما يدرسون هناك أو يحاولون كسب لقمة العيش. وبما أن جيل الشباب هو من تتخوّف السلطات من مشاركته في تظاهرات، ليس هؤلاء من الأشخاص الذين تريدهم الحكومة في بكين في آب (أغسطس). كما أن القوانين الصارمة طاولت رجال الأعمال الدوليين، مما تسبّب في شكاوى رسمية أطلقتها حكومات الدول التي ينتمون إليها.
في غضون ذلك، وقبل أسابيع من افتتاح الألعاب الأولمبيّة، ما زالت شبكات التلفزيون تصارع البيروقراطية الأمنيّة الصينية، بحثاً عن ضمانات لهم ببث وقائع الحدث من أماكن هي بشهرة ساحة تيانانيم وغيرها. وما زال من غير الواضح ما إذا كانت بكين ستسمح لمحطات التلفزيون الأجنبية بذلك. وبحسب مسؤولي التلفزيونات، لن يتمكّنوا من التفاوض مع الحكومة الصينية ما لم تلِنْ السلطات وتعطي وسائل الاعلام مزيداً من الحرّيّة.
يأتي ذلك فيما يبدو أن القوانين الصارمة والاهتمام الذي أولي للألعاب الأولمبية، لعبا دوراً في توقيت محاولات الصين مكافحة الفساد. فقد جاء في بيان رسمي للحزب الشيوعي الحاكم: «العقاب الصارم والمكافحة الفعّالة للفساد ترتبط بما إذا كان الشعب يدعمك أو لا». وهو بيان قوي يظهر مدى جدّية السلطات في مكافحة الفساد. وخطة مكافحة الفساد يأتي توقيتها بعد سلسلة فضائح تتعلق باستخدام الأراضي، ووقائع تسبّبت بالصدمة، أظهرت أن المدارس التي دمّرت في إقليم سيشوان بسبب الزلزال وقضى فيها تلاميذ عدة، دعائم بنائها لم تكن مناسبة. ويطرح ذلك تساؤلات عن مدى فعالية الخطة ومدى الاقرار بخطورة المشكلة.
وقال رئيس الوزراء الصيني وين جياباو لمؤتمر الحزب أخيراً، إنه مصمّم على إعطاء الأولوية لمكافحة الفساد الذي تجلّى في فترة تشهد فيها الصين نموّاً اقتصادياً متفجّراً، حرّكته خصخصة موارد الدولة. ومن الأمثلة على ذلك، أن سيطرة الحزب الحاكم على الادارة المحلّيّة وعلى وكالات التخطيط، جعلت الفساد حقيقة مركزية لعشرات الملايين المعرّضين للتصنيع والتمدّن. ويحتجّ المزارعون والمجتمعات المحلّيّة على عدم تلقّيهم تعويضات لمصادرة أراضيهم والموارد العامة، التي غالباً ما يديرها فاسدون مقرّبون من السلطات. وتطلّب الأمر من الحزب الحاكم جهداً كبيراً لتجنيب تأثير الاحتجاجات على دور الحزب في مكافحة الفساد.
وستساعد حرّيّة إعلامية أوسع في مكافحة الفساد، في حال سمحت القيادات المحلّيّة للحزب الحاكم بذلك. وفي الوقت ذاته، سيصبح جهاز ترشيد الاعلام، الذي بني على أساس نظام الحزب الواحد، تحت المراقبة في ظلّ حرّيّة إعلامية أوسع. لذلك، إنه وقت عصيب للصين، والأسابيع المقبلة ستظهر ما إذا كان باستطاعة السلطات المثابرة في سياسات الاصلاح والتغلّب على عصبيّتها، والافساح في المجال أمام الألعاب الأولمبيّة بأن تكون على الوجه الذي يريده الجميع

ليست هناك تعليقات: