الاثنين، 21 يوليو 2008

زلزال في السياسة الصينية

صحيفة الخليج الاماراتية (المقال ينشر بترتيب مع "بروجيكت سنديكيت")
ليانغ جينغ (اسم مستعار لأحد كبار باحثي السياسة الصينية في أحد المراكز البحثية التي أسسها زهاو زيانغ الأمين العام للحزب الشيوعي سابقاً).
الآن بعد أن خفتت توابع زلزال سيشوان العظيم، أظن أن الوقت قد حان لكي نسأل أنفسنا عن الصدمات التي ربما أحدثها ذلك الزلزال في النظام السياسي في الصين. هل كان الزلزال سبباً في ولادة قوة سياسية إيجابية جديدة قادرة على التعجيل بالإصلاح؟
لقد حدث ذلك من قبل. فجميعنا نذكر أن التغيرات السياسية الهائلة التي شهدتها الصين سقوط "عصابة الأربعة" وتحول دينغ زياوبنغ إلى قائد أعلى للصين جاءت في أعقاب زلزال تانغشان المدمر في العام 1976.
وفي ظل التباين الحاد بين موقف رئيس الوزراء ون جياباو الذي اتسم بالاهتمام الشديد أثناء الزلزال، والأداء السياسي المتواضع للرئيس هيو جينتاو، لا يملك المرء إلا أن يتصور أن الزلزال ربما تسبب في قلب التوازن بين أعلى المستويات القيادية في الحزب الشيوعي، فدفع القوى الليبرالية الممثلة في ون إلى مركز السلطة. إلا أن هذا في الحقيقة تصور ساذج.
فعلى النقيض مما كانت عليه الحال منذ ثلاثين عاماً، لن نجد الآن في النظام البيروقراطي الصيني الضخم قوى سياسية عاتية تدفع نحو الإصلاح السياسي. فآنذاك أرغمت ثورة ماو الثقافية عدداً ضخماً من رفاقه الثوريين إلى اتخاذ مسار إصلاحي. أما في الصين اليوم فإن الأغلبية الساحقة من البيروقراطيين يعشقون الوضع الراهن ولديهم من الموارد ما يكفي لحماية أنفسهم.
ورغم فوز ون بالتأييد الشعبي من خلال جهوده المخلصة المتواصلة لمساعدة ضحايا الزلزال، إلا أنه يظل معزولاً داخل الدوائر الرسمية. ورغم أن هيو يكاد يعجز عن إخفاء تواضعه كزعيم، إلا أن ذلك لا يشغل بال البيروقراطيين كثيراً، إذ إنهم لا يريدون شخصاً قادراً وجاداً يتحكم فيهم.
إلا أن زلزال سيشوان لم يكن منفصلاً تمام الانفصال عن التقدم السياسي في الصين. فقد سعى ون رغم الضغوط التي تفرضها عليه البيروقراطية إلى تغيير الوضع من خلال توسيع الانفتاح الإعلامي والشفافية. كما سعى إلى استغلال ألعاب بكين الأوليمبية لمنح الإعلام الأجنبي قدراً غير مسبوق من الحرية، إلا أن البيروقراطيين نجحوا في عكس قراره.
لقد منح الزلزال ون فرصة ثانية لم تكن على البال. فقد استخدم التلفزيون واستفاد من أدائه المتميز البارز في إثبات قدرة الأدوات الإعلامية والمعلوماتية الحديثة على تحجيم البيروقراطية في الصين. ولن يكون التراجع عن هذه السابقة بالأمر اليسير، ولسوف يكون لها تأثير إيجابي بعيد المدى في التقدم السياسي في الصين.
إلا أن هذا لا يعني أن شخصاً ما سوف يبرز من الحزب بكل الشجاعة والقدرة على تمثيل الزعامة السياسية الجريئة. بل إنني في الواقع أتصور أن زعماء المستقبل في الصين من المرجح أن يبرزوا من المجتمع المدني الناشئ المحدود في الصين، وليس من بين أبناء الطبقة البيروقراطية.
وربما يكون قطاع الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية الناشئ في الصين من بين المصادر المحتملة للزعامة السياسية في الصين في المستقبل. ورغم أن الحزب يلجأ إلى سبل متنوعة لقمع تطور هذه الجمعيات، إلا أن زلزال سيشوان أظهر فشل الحزب في القضاء على القوة الاجتماعية التي تتمتع بها هذه الجمعيات الأهلية.
وهناك قوة صامتة أعظم قد تنتج جيلاً جديداً من الزعماء السياسيين، والتي تتمثل في الجيش سريع النمو الذي يقدر الآن بحوالي عشرين مليون مواطن صيني.
إن الصين التي يبلغ تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة لا تفتقر إلى من يتمتعون بملكة الزعامة، وأنا أعتقد أن القدر الأعظم من هذه الموهبة موجود خارج بيروقراطية الحزب، بين أهل المؤسسات الناشئة التابعة للجمعيات الأهلية، والمؤسسات الخيرية، بل وحتى المؤسسات التبشيرية. إلا أن كل هذه المؤسسات في بيئة اليوم، التي تكاد تكون مغلقة، تفتقر إلى الوعي بمهاراتها وبصيرتها السياسية. والحقيقة أن المزيد من انفتاح وشفافية البيئة العاملة من شأنه أن يساعد على إيقاظ حس هذه المؤسسات بمهمتها السياسية. ولكن ما زال علينا أن نتساءل: متى يأتي وقت التغيير السياسي الحقيقي؟

ليست هناك تعليقات: