الاثنين، 21 يوليو 2008

لعبة المصالح بين روسيا والصين

صحيفة المستقبل اللبنانية
عماد الشدياق (باحث في مجال العلاقات الدولية)
ساد الفكر الشيوعي في الصين وروسيا لعدة عقود امتدت من شرارة الثورة البولشفية في موسكو، وحركة ماو تسي تونغ التي أسست الحزب الشيوعي الصيني وحتى بداية أولى إرهاصات العولمة النيوليبرالية التي تزامنت مع سقوط جدار برلين في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وقد شهدت تلك الحقبة تلاقيات وتعثرات عدة بين روسيا ـ الاتحاد السوفياتي وأمبراطورية الوسط إلا أنهما حافظتا إلى حدّ كبير على حسن الجوار لسنوات عدّة، وقد خيّم الهدوء على علاقة الدولتين الجارتين خلال مرحلة ما بعد العاصفة، تلك التي ضربت الحالة الشيوعي في العالم، وتلاحقت الضربات بسيوف طروحات فكرية غربية في حينها، كمحاولات لتوصيف مرحلة "ما بعد الشيوعية": "نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية" لفوكوياما، و"صدام الحضارات" لهاتنغتون، "الإدارة العالمية" لروزنو، "العالم المسطح بفعل العولمة" لفريدمان..
إلى أن أضحت الشيوعية اليوم رمزاً من رموز التراث والسياحة في روسيا، ونهجاً سياسياً محايداً عن الاقتصاد المعولم في الصين التي تحولت بخطى ثابتة ومدروسة إلى النفس والنكهة النيوليبرالية، وحطمت الأرقام القياسية في جذب الاستثمارات وتكديس الاحتياطات من المعادن والعملات الأجنبية، حيث تشبّهت بظاهرة "الثقب الأسود" الفلكي لإغراء الشركات عبر الوطنية، لتتربّع على لقب "مصنع العالم" اليوم.
أما روسيا، الدولة الأكبر في العالم من حيث المساحة، وصاحبة الـ476 مليار دولار (ثالث احتياطي عالمي)، تستوي على 60 مليار برميل من النفط و4705 تريليون متر مكعب من الغاز الخام، (عدا الثروات الطبيعية الأخرى كاليورانيوم، الذهب، الحديد، النحاس، البوكسيت، الغابات والمياه...) من أهم التكنولوجيات العسكرية في المجالات النووية والصناعات الثقيلة كالطائرات والصواريخ البالستية رائدة في علم الفضاء.
في خضم هذه المعطيات مع ما يرافقها من تحوّلات في مجال العلاقات الدولية والاقتصادية، ومع سواد الليبرالية في العالم الغربي والنامي وجد الدب الروسي لدى التنين الصيني الصاعد مصالحه الاستراتيجية في مجالات التعاون المتنوّع، لتكون له رافعة متينة في وجه الأحادية القطبية التي تشغلها الولايات المتحدة الأميركية منذ أوائل التسعينات. وقد دأبت روسيا الاتحادية على ذلك من خلال جملة من الاتفاقات والمعاهدات أبرزها معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي ربطت الامبراطوريتين السابقتين منذ 2001 ولعشرين عاماً في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بطريقة قائمة على الندية والاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وقد توافقتا على مواصلة التعاون القائم على المصالح المشتركة في مجالات التكنولوجيا العسكرية والعلوم والطاقة العادية والنووية، إضافة إلى شؤون الملاحة الجوية والفضاء وتكنولوجيا المعلومات، ولم يستثن الفريقان موضوعات السياحة والثقافة والتعليم وحتى الرياضة والقانون وحقوق الإنسان، بل شددا على التعاون المتبادل لدى المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والمنظمات والندوات الاقتصادية الدولية، بالإشارة إلى منظمة التجارة العالمية.
لكل ذلك، وبالتزامن مع بداية العهد الجديد، اختار الرئيس الروسي أن تكون أولى زياراته صوب الصين بمثابة رسالة موجهة إلى الغرب مفادها أن العلاقة المرجوّة مع الجار الآسيوي الكبير ستكون من أهم أولويات العهد الجديد. وقد ترجمها الطرفان بالتوقيع على جملة من الاتفاقات الإضافية في مجالات السياحة، النقل الجوي والطاقة، على أهميتها نسبة للاقتصاد الصيني الصاعد، كما كان لافتاً في هذه الزيارة الاتفاقية التي وقع عليها القيصر الجديد المتعلقة بالعقود النووية الخاصة بمجال الطاقة وتخصيب اليورانيوم. هذا والتقى الفريقان عند نقاط تقاطع تُعنى بمستقبل النظام الدولي، وشددا على الرفض المطلق للعمل المسلح كوسيلة لحل الأزمات الدولية الشائكة (غمز من المسألة النووية الإيرانية)، ولم يتوانيا عن اتهام الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا، بإعاقة التكاتف والتضامن بين الدول، وبتهديد الأمن الاقليمي لآسيا كونه لا يساهم في صيانة التوازن الاستراتيجي القائم على الجهود الدولية المبذولة لمراقبة التسلح وعدم انتشاره!!
لقد أظهر الرئيس الروسي الجديد من خلال تحركاته الأولى أنه ملتزم "التواصلية" مع العهد البوتيني خصوصاً في ما يخصّ العلاقات الصينة ـ الروسية في مجال التبادل التجاري تحديداً (نحو 48 مليار دولار في العام 2007، أي بزيادة 44% عن السنوات السابقة) إضافة إلى المجال العسكري والتكنولوجي المرسوم بموجب خطة استراتيجية قد يتوخى منها مستقبلاً أن تؤدي في خواتيمها إلى تحالف علني وشامل بين الفريقين.
كما وتأتي هذه الخطوة كردّ على التمدد الذي يحققه الحلف الأطلسي خصوصاً في منطقة أوراسيا المتاخمة مباشرة لروسيا والصين، وتمهيداً لاستيلاد نظام دولي جديد قائم على نظرية توازن القوى المتعدد الأطراف، يتجاوز الأحادية الأميركية التي طالت العسكرة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الإعلام والفنون.
تلك لعبة المصالح بين الأمم، فهل يتمكن الحلف الصينو ـ روسي الجديد من تعديل الموازين؟ تعاقب الأيام كفيل بالردّ!

ليست هناك تعليقات: