الاثنين، 7 يوليو 2008

الصين تشعر بالأسى لافتقادها بوش

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية ـ عبر صحيفة الاقتصادية السعودية
فيليب ستيفنز
آل بوش في طريقهم إلى بكين وسيكون معهم حشد من المرافقين. وعند زيارتي إلى العاصمة الصينية في الأسبوع الماضي، قيل لي إن الرئيس هو جنتاو يأمل أن يرحب في الاحتفال بافتتاح الدورة الأولمبية بثلاثة أجيال من الأسرة الأمريكية الأولى. سيكون ذلك حدثاً تاريخيا فريداً ـ وسيشكل كابوسا لسلطات الأمن السرية.
وهم في الصين معجبون بجورج دبليو بوش. فليس هناك الكثير من العواصم حول العالم التي يقول فيها المختصون في مجال السياسة الخارجية، وهم يضعون أيديهم على قلوبهم في أسى، إنهم سيفتقدون الرئيس الأمريكي. لكن بكين استثناء مهم في ذلك. فالعلاقات الصينية – الأمريكية، حسبما سمعت عدة مرات خلال رحلتي، ظلت مستقرة على نحو ثابت أكثر من أي وقت منذ أن تم فتح الباب الحوار بواسطة دبلوماسية كرة الطاولة في مطلع السبعينيات.
وبالطبع، الصينيون لا يزال لديهم كثير من الخلافات مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح. لكن بوش يحسب له أنه قدم الشيء الذي يجد قدراً كبيراً من الاهتمام في بكين: تعاون مستقر استقراراً جوهرياً.
وربما كان الأمر سيكون خلاف ما عليه الآن. فقبل انتخابات عام 2000 انتقد بوش بشدة ما يسمى بالشراكة الاستراتيجية مع بكين التي انتهجتها إدارة كلينتون. وبدلاً من ذلك كان سيتعامل مع الصين "كمنافس". وبدا مرجحا أن صداما بين طائرة اعتراض صينية وطائرة استطلاع أمريكية فوق جزيرة هينان، في الأِشهر الأولى من رئاسة بوش، سيؤكد له أهمية ذلك النهج. لكن هجمات 11 أيلول (سبتمبر) غيرت كل الحسابات. فالولايات المتحدة لديها ما يكفي من الأعداء. وفي شرقي آسيا على الأقل، سياسة بوش الخارجية انتهجت أسلوب الواقعية الذي انتهجه والده جورج إتش دبليو بوش.
وبالطبع، ليس كل شخص يرى أن الصداقة مع النظام الصيني شيء ينبغي أن يتم ارتداؤه كشارة شرف. فهناك أصوات قوية من اليمين في السياسة الأمريكية تريد موقفاً أكثر صرامةً تجاه الإنفاق العسكري للصين. وبعض المفكرين الواقعيين يرون أن الصدام أمر لا مفر منه في ظل تحدي الصين لهيمنة الولايات المتحدة. وفي اليسار، فإن القمع الذي تمارسه بكين في التبت ودعمها لأنظمة في أماكن مثل السودان وبورما تثير اتهامات للإدارة الأمريكية بمهادنة الصين.
لذا، المؤيدون لجون ماكين، المرشح الجمهوري للرئاسة، يقولون إنه سيكون أكثر قوة في الدفاع عن المصالح الأمنية للولايات المتحدة في المنطقة؛ أما مؤيدو باراك أوباما، المرشح الديمقراطي، فيقولون إنه سيركز تركيزاً شديدا على حقوق الإنسان.
لكن من المنظور الاستراتيجي، ووسط الدمار الذي خلفته السياسة الخارجية لبوش في أماكن أخرى، فإن الاستقرار الذي تمت المحافظة عليه أمر يبعث على الاطمئنان. إن العلاقات الصينية – الأمريكية من المرجح أن تكون أكثر أهمية، وأن تكون مصدراً محتملا للاشتعال في العلاقات الدولية لعدة عقود مقبلة.
وفي أسوأ الأحوال، فإن السؤال هو هل بروز الصين مرة أخرى، بعد قرنين، في الأفق الجيوسياسي يمكن أن يتم التعامل معه دون حدوث صراع مع الدولة التي تعتبر القوة العظمى الوحيدة اليوم. التاريخ ليس فيه ما يسر. والسابقة التي يتم الاستشهاد بها كثيراً وبحذر، هي نهضة ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر.
وعلى مستوى غير واضح بدرجة كبيرة، حالة العلاقة بين بكين وواشنطن ستكون محورية لطبيعة النظام العالمي. والتنافس سوف يعزز إحياء التنافس بين القوى العظمى، والعودة إلى التوازن في العالم، والإجراءات التحوطية والتحالفات المتنافسة. إن التعاون من شأنه أن يمهد الطريق لإصلاح النظام الحالي متعدد الأطراف بحيث يستوعب الصين وغيرها من القوى الصاعدة.
والمنطلق الجيوسياسي للتعامل تمت تقويته من خلال الاقتصاد. فالولايات المتحدة أصبحت سوقاً للصين، والصين أصبحت أكبر المقرضين للولايات المتحدة. وليس هناك تعبير أوضح من عبارة الاعتماد المتبادل، كل على الآخر، الذي يأتي مع العولمة.
الشكوك الكبيرة هي ما يتعلق بنوايا الصين: هل تريد أن تكون شريكاً مسؤولاً في النظام، أم أنها تلعب لعبة كسب الوقت حتى تتمكن من مواجهة الولايات المتحدة بشروطها هي؟ لا نعلم الإجابة. والولايات المتحدة، بشكل معقول جداً، تجمع بين سياسة التعاون وسياسة التحوط.
إن إحساسي هو أن صناع السياسة الصينيين لم يحددوا ماذا يفعلون. والإحساس الغربي هو افتراض أن بكين حسبت بدقة كيف سيكون مظهر العالم بعد عشر، أو 15، أو حتى 50 عاماً. فإذا كان الأمر كذلك، فهي خطة مخفية جيداً.
وخلال زيارتي جلست في ندوة برعاية مشتركة من مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، ومعهد الدراسات العليا الدولية في جنيف، والمعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة. وكان الغرض من الندوة النظر في المستقبل قبيل نشر وثيقة التوجهات العالمية عام 2050 التي سيتم نشرها في وقت مبكر العام المقبل بواسطة مجلس الاستخبارات الوطني. وقال لي بعض الدبلوماسيين إن المعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة هو مركز الدراسات الذي لديه ارتباط وثيق بدرجة أكبر مع مجتمع الاستخبارات الصيني. لذا، الحقيقة البسيطة للندوة التي حضرها مسؤولون كبار من كلا الجانبين، تحدثت عن الطبيعة السهلة للعلاقات الثنائية.
من المؤكد أن مستضيفي الندوة بدوا مدركين تماماً للقوة الجديدة التي اكتسبتها الصين وعدم رغبتها في الاعتذار عن توسيع دائرة علاقاتها في إطار سعيها لإشباع نهمها للموارد.
لكن الحضور الدولي للصين يأخذ مكاناً ثانوياً بعيداً يأتي بعد المخاوف المحلية. والترتيلة التي ترددها النخبة من صناع السياسات هي الحاجة لحماية النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والوحدة الوطنية. فالحالة العصبية التي تنتاب الصين بسبب تايوان والتبت تندرح في حالة قلق أكبر تنتابها حول تماسك هذه الدولة المترامية الأطراف، المتعددة الأعراق. ومسائل السياسة الخارجية لها أهميتها لدرجة أن لها تأثيرا - سواء إيجابيا أو سلبيا – على النظام الداخلي الهش.
ومع الولايات المتحدة، فإن الاستقرار الآن يعتمد على مجموعة واسعة من الحوارات المؤسسية – الاقتصادية والسياسية – التي يمكن فيها التصدي للاختلافات. ويبدو أن هذا النظام يسير على ما يرام. فالخلافات الحادة حول سياسية سعر الصرف التي تنتهجها الصين تم التوصل فيها إلى اتفاق، على الرغم من أنها لم تحل، من خلال الحوار الاقتصادي. والمحادثات السداسية مع كوريا الشمالية حول الأسلحة النووية لبيونجيانج أحرزت تقدماً آخر، وإن يكن متواضعاً، باتجاه نزع السلاح. وينظر الخبراء في السياسة الخارجية إلى المنتدى بأنه أنموذج ممكن للمزيد من استقرار النظام الأمني الدائم لشرقي آسيا.
ولا يوجد أي شيء مثالي. فالصين تلتزم السرية حول شؤونها العسكرية ولا تقبل بأي تدخل في شؤونها الداخلية. وهي تعلن عن دعمها للنظام الدولي، لكنها تظهر ممانعة كبيرة لقبول أي قيود على سيادتها الوطنية. وتعتبر تايوان مصدر توتر دائم. والعلاقات مع اليابان، التي تحسنت كثيراً الآن عما كانت عليه قبل عامين، دائماً تكمن فيها إمكانية إشعال صراع.
لكن كما يستمتع بوش بالألعاب الأولمبية، فهو يستطيع أن يتأمل أنه هنا على الأقل توجد سياسة خارجية يمكن أن تظل باقية بعد انتهاء رئاسته. ومسألة ممارسة المزيد من الضغط على الصين من أجل دعم حقوق الإنسان في الداخل والقانون الدولي في الخارج مسألتان لم تجدا لهما إجابة. لكن أفضل سياق هو أسلوب التعاون والتراضي.

ليست هناك تعليقات: