الجمعة، 11 يوليو 2008

الأموال الساخنة تجعل الصين عرضة للاحتراق

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية (عن صحيفة الاقتصادية السعودية)
جيوف داير
ظاهرياً، الصين ربما لا تكون المكان الملائم للاستثمار في الوقت الحاضر. فقد انهارت سوق الأسهم المحلية، وأسواق العقارات ضعيفة، ونسبة الفائدة على إيداعات البنوك نحو نصف معدل التضخم.
لكن ذلك لم يمنع تدفق سيل قياسيا من الأموال على البلاد، حتى بلغت أكثر من الاحتياطيات المالية الضخمة التي تراكمت لدى الصين في السنوات الأخيرة. وفي الربع الأخير ارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي بمقدار 154 مليار دولار. وفوق ذلك، حسب الأرقام التي يعتمد عليها عادةً التي تم تسريبها إلى رويتر، فإن الاحتياطيات قفزت بمقدار 75 مليار في نيسان (أبريل) و40 مليار في أيار (مايو) بقيمة إجمالية بلغت 1800 مليار دولار.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن التدفقات الواردة تزيد عن حجم التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، تبدو الصين قبلة لمبالغ طائلة من الأموال الساخنة.
وتتميز بعنصري جذب للمستثمرين الأجانب: أن أسعار الفائدة أعلى مما هي في الولايات المتحدة وتوقع ارتفاع سعر العملة. يقول ستين جرين الخبير الاقتصادي لدى "ستاندر تشارتر": "يبدو أن احتياطيات الصين من النقد الأجنبي تحولت إلى نوع من ثقب أسود هائل للسيولة في العالم".
الحصيلة الهائلة من الاحتياطيات تم تصميمها في واقع الأمر لتصمد ضد تذبذب تدفق رؤوس الأموال التي ساعدت في إحداث الأزمة المالية الآسيوية عام 1977. لكن الاحتياطيات المتصاعدة دوماً تأتي مصحوبة بمخاطر اقتصادية خاصة بها: التضخم ربما يتفاقم إذا أصبح من غير الممكن إدارة التدفقات الواردة، ويمكن أن يعاني النظام المالي ويتأثر سلباً إذا قرر المستثمرون سحب أموالهم كلها في آن واحد.
إن حجم المشكلة التي يمثلها ذلك، يعتمد على كم من تراكم الاحتياطيات ناتج عن أموال ساخنة، لكن ذلك يتطلب قدراً كبيراً من التخمين لأن الأرقام الرسمية لا تتسم بالشفافية.
بعض الزيادات الضخمة في الاحتياطيات يمكن شرحها بواسطة مسائل حسابية، مثل إدخال الأرباح التي أعيد استثمارها في الاحتياطيات من السندات أو زيادة في القيمة السوقية المسجلة للأصول الخارجية التي تستثمر فيها الاحتياطيات الصينية.
ومع ذلك هناك بعض الخبراء الاقتصاديين يعتقدون أن الأرقام الرسمية ربما تقلل من المقادير الحقيقية لتدفقات الأموال الساخنة.
وفي إطار إنشاء هيئة الاستثمار في الصين، تم تحويل مبلغ ضخم من الاحتياطيات يراوح بين 75 مليار و100 مليار دولار إلى صندوق ثروة سيادي جديد. وإذا كانت معظم هذه الأموال تم تحويلها في الربع الأول من هذا العام – كما يعتقد بعض المحللين – فإن الارتفاع في تدفقات الأموال الساخنة كان أعلى من ذلك.
لوجان رايت، المحلل لدى "استون آند ماكارثي" في بكين، يقدر أن الأموال الساخنة التي دخلت في الأشهر الخمسة الأولى يمكن أن تكون مرتفعة بدرجة تصل إلى 150 ـ 170 مليار دولار.
وهناك عدد كبير من الطرق القانونية التي يمكن عبرها إدخال الأموال إلى الصين. فالمقيمون الأجانب يمكنهم إيداع مبالغ تصل إلى 50 ألف دولار سنويا، والمقيمون من أبناء هونج كونج لديهم حصة أكبر من ذلك بكثير.
لكن المسؤولين الحكوميين يعتقدون كذلك أن هناك تحويلات غير قانونية يتم تنفيذها – من خلال شركات أجنبية تعلن أن تلك الأموال سوف تستخدم في الاستثمار المباشر، ثم تضعها في البنوك وهناك مصدِّرين يبالغون في الإيرادات الخارجية من أجل جلب المزيد من الأموال. (وكملاحظة جانبية، فإن الخبراء الاقتصاديين يشيرون إلى أنه إذا تم استخدام إيصالات التصدير المزورة على نطاق واسع لجلب الأموال الساخنة، فإن الفائض التجاري الصيني الذي يتسبب في مشاكل سياسية سيكون منخفضاً بدرجة أكبر مما يتصور).
لقد أعلنت السلطات عن إجراءات متشددة جديدة على هذا المسار من التجارة يوم الأربعاء، قائلةً إن المصدرين لن يتسلموا في حقيقة الأمر مبالغ حتى يثبتوا للبنك أن الإيرادات ناتجة عن معاملات تجارية حقيقية مسجلة لدى سلطات الجمارك الصينية.
لكن الشركات والمحللين يتشككون في أن الضوابط الجديدة على الأموال ستحد من تدفقات الأموال بالطرق غير المشروعة. أحد المصدرين في بكين قال إن الاكتفاء بمراجعة المستندات التي يتم تسليمها لسلطات الجمارك لن يؤدي إلى كشف المبالغات في الفواتير: المفتشون يحتاجون إلى فحص القيمة الفعلية للبضاعة نفسها لإثبات التزوير. إضافة إلى ذلك إذا تم تطبيق هذا الإجراء الجديد بحزم فهناك خطورة في أنه سيزيد من العبء على التجارة التي تتم وفقاً للأصول.
البنك المركزي في الصين واجه تدفقات هائلة من الأموال لعدة سنوات وحتى الآن تمكن من الحد من تأثيرها على الاقتصاد المحلي من خلال تصريف السيولة الفائضة في النظام المالي عبر إصدار السندات وإلزام البنوك التجارية بإيداع المزيد من الأموال في الاحتياطيات.
لكن مع ذلك هناك بعض الإشارات إلى أن نظام تعقيم التدفقات الورادة وصل منتهاه. فالاشتراطات المرتفعة للاحتياطيات وضعت ضغطاً كبيراً على بعض البنوك الصغيرة التي تفتقر إلى النقد.
منقاو شين من "سيتي جروب"، يقول إن الدول الوحيدة في العالم التي لديها نسب احتياطيات مرتفعة هي زامبيا وكرواتيا وطاجكستان، وإن الاحتياطيات الصينية لا يمكن أن تصل إلى مستوى أعلى.
إلى ذلك، فإن الفرق بين سعر الفائدة في الصين والولايات المتحدة يعني أن البنك المركزي يتعرض لخسارة في إصدارات السندات، وهو أمر أصبح نادر الحدوث في الأشهر الأخيرة.
وإذا أصبح نظام تعقيم التدفقات الواردة صعب التطبيق، فإن السلطات الصينية ربما تجد نفسها في مصيدة. فمن الواضح أن مواجهة التضخم في الداخل تتطلب رفع قيمة العملة، أو رفع أسعار الفائدة. لكن كلا الخيارين يجذب المزيد من الأموال الساخنة التي تغذي التضخم.
يقول ميشيل بيتيس أستاذ العلوم المالية في جامعة بكين: "لقد تجاوزنا النقطة التي كانت لدينا فيها حلول سهلة".

ليست هناك تعليقات: