صحيفة أوان الكويتية
وحيد عبد المجيد
نجح الفنان الصيني تشانغ ييمو مصمم حفل افتتاح أولمبياد بكين، الذي بدأ يوم الجمعة الماضي، في تقديم عرض رائع عبر عن روح ثقافة بلاده العريقة، ولكن دون دروس تاريخية أو حضارية تثير ملل الملايين الذين تابعوه في أنحاء العالم.
ربما يكون الدرس الأكبر في هذا العرض هو إعادة تقديم ثقافة الصين الجماعية وقد تناغمت مع فردية عصر العولمة في مزيج فريد يؤكد وجود نموذج صيني يستحق الاحترام، يغرف من التاريخ ليضيء المستقبل.
ومع ذلك فمن الصعب معرفة ما إذا كان هذا العرض، وما عداه من مظاهر الخصوصية الثقافية الصينية في الأولمبياد الحالي، لقي ما يستحقه من اهتمام في عالم يتوقف مستقبله على احترام تنوعه الثقافي - الحضاري.
غير أن القدر المتيقن حتى الآن هو أن الإعلام العالمي لم يعن كثيراً بذلك، وإنما انغمس أغلبه وأكثره انتشاراً في إبراز المشكلات المعروفة في الصين بدءاً من حالة حقوق الإنسان، وصولاً إلى وضع إقليم التيبت، ومروراً بالقيود التي تفرضها سلطة الدولة على استخدام «الإنترنت». هذا فضلاً عن مشكلة تلوث البيئة التي أفاض الإعلام الغربي في الحديث عنها إلى حد أثار قلق بعض اللاعبين المشاركين في ألعاب مختلفة، ودفع عدداً منهم إلى تأخير وصولهم بكين إلى آخر وقت ممكن خوفا من هذا التلوث.
وبالرغم من أن هذا المنحى الغالب في الإعلام العالمي، وخصوصاً الغربي، حقق نتائج إيجابية، مثل دفع السلطات الصينية إلى رفع الحظر عن بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بمنظمات حقوق الإنسان الدولية، إلا أن التسييس المفرط للحدث جاء على حساب الاهتمام ببعده الثقافي وما ينطوي عليه من تأكيد لمفهوم التنوع الحضاري في عالمنا.
وكان واضحا، مثلاً، أن الكثير من وسائل الإعلام خصصت مساحات ورقية وزمنية كبيرة لمشكلة التيبت، في ظل نشاط مكثف قام به تيبيتيون في المنفى لاستثمار الحدث في طرح قضيتهم التي شهدت تطورات عنيفة في بداية العام الجاري.
وقد أثار ذلك قلق السلطات الصينية، ولكن ليس من هذه الزاوية وحدها، وإنما لأنه يرسم صورة سلبية لدولة صاعدة تشق طريقها نحو قمة العالم بثبات شديد، أو بالأحرى تثبيت هذه الصورة الشائعة عنها باعتبارها دولة شمولية مغلقة تفرض هيمنتها على المجتمع وتنتهك حقوق الإنسان.
ولذلك فعندما دعا الرئيس هو جينتاو، قبيل بدء الألعاب الأولمبية، إلى عدم تسييسها، كان هذا تعبيراً عن قلقه من أن يصبح هذا الحدث الكبير نقمة على بلاده فيلحق الضرر بها، بدلاً من أن يكون نعمة تتيح لها فرصة استثنائية لتقديم صورة طيبة وإبراز الإنجازات الكبرى التي حققتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصاً على صعيد الاختراق التنموي غير العادي.
وفيما كان الرئيس الصيني محقاً في قلقه هذا فقد بدا محلقاً في عالم خيالي شديد المثالية، خلال حديثه الذي كان أقرب إلى خطب الوعظ، عن أن التسييس يخالف تقاليد الأولمبياد، أو ما أسماه «الروح الأولمبية».
فهذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن تكون عليه الألعاب الأولمبية، التي كان أحد أهدافها حين بدأت هو تعزيز التفاهم ونشر السلام بين الشعوب.
ولكن كم من أهداف مثالية تتعلق بالسلام العالمي توارت وراء تلال من المشكلات والأزمات والصراعات.. ولم يكن الأولمبياد استثناء من هذا الواقع، الذي يصعب في ظله عزل الأحداث غير السياسية عن تأثير التوترات الدولية. وقد وصل هذا التأثير إلى حد إقدام بعض الدول على مقاطعة دورات للألعاب الأولمبية لأسباب سياسية، مثلما فعل الاتحاد السوفييتي السابق ومعظم حلفائه في شرق أوروبا، عندما قاطعوا أولمبياد لوس انجلوس في العام 1984، ردا على مقاطعة الولايات المتحدة واليابان وبعض الدول الأوروبية أولمبياد موسكو في العام 1980 بسبب الغزو السوفييتي لأفغانستان، بعد أن كانت 26 دولة أفريقية قد قاطعت أولمبياد مونتريال في العام 1976 بسبب مشاركة نيوزيلندا التي كانت قد خرقت الحظر الدولي على جنوب أفريقيا في مرحلتها العنصرية.
ولكن التوترات الدولية المستمرة ليست هى السبب الوحيد الذي يحول دون إبعاد الألعاب الأولمبية، وغيرها من الأحداث الرياضية الكبرى في العالم، عن العوامل السياسية. فالولع الشديد بالألعاب الرياضية ومسابقاتها الكبرى، من جانب معظم شعوب العالم إن لم يكن جميعها، يجعلها مناسبات يحرص كثير من الحكومات وقادة الدول على استثمارها لتحقيق شعبية في داخل بلادهم. وهذا يفسر مشاركة 77 رئيس دولة وحكومة في افتتاح أولمبياد بكين وإشعال شعلة الدورة يوم الجمعة الماضي.
وقد أضحى حضور رؤساء الدول والحكومات المناسبات الرياضية الكبرى تقليداً ثابتاً وآخذاً في التوسع. وقد رأينا قبل أسابيع في يونيو الماضي، كيف كرس رؤساء دول وحكومات أوروبية الوقت اللازم لحضور مباريات منتخبات بلادهم في كأس الأمم الأخيرة (يورو 2008) التي أقيمت في كل من النمسا وسويسرا.
ولم يقتصر ذلك على المباراة النهائية التي تحدد الدولة الفائزة بالكأس، بخلاف ما كان عليه الحال حتى وقت قريب. فقد بدأ بعض رؤساء الدول والحكومات في مؤازرة منتجات بلادهم من داخل الملعب ابتداء من دور الثمانية أو ربع النهائي. وحتى تركيا التي لا تعتبر أوروبية بالكامل كان رئيس وزارئها رجب طيب أردوغان مع منتخبها الذي لم يصل إلى الدور النهائي.
ولا يرجع ذلك فقط إلى شغفه شخصياً بكرة القدم التي مارسها خلال صباه. ربما يكون هذا أحد دوافعه. ولكن المحرك الأساسي له للانتقال إلى حيث كان المنتخب التركي يلعب هو حرصه على حصد مزيد من الشعبية، وخصوصاً في لحظة كانت عصيبة بالنسبة إلىه ولحزبه (العدالة والتنمية) قبل أسابيع قليلة على قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن تحديد مصيرهما.
ولكن باقي الزعماء الأوروبيين الذين تباروا في حضور مباريات منتخبات بلادهم في (يورو 2008) لم يكونوا في محنة من هذا النوع أو غيره. ومع ذلك حرصوا على المشاركة تقرباً إلى شعوبهم وسعياً إلى زيادة رصيدهم. ويتساوى في ذلك من يشاركون أردوغان ولعه بكرة القدم مثل رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ومن لا يُعرف عنهم الشغف بها مثل رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس ثاباتيرو الذي حصل منتخب بلاده على البطولة بعد أن تخطى المنتخب الإيطالي، الذي لم يتغلب عليه في مسابقة رسمية منذ دورة الألعاب الأولمبية في العام 1920، أي منذ 88 عاماً كاملا.
والعلاقة بين شعبية القادة السياسيين واهتماماتهم الرياضية ليست افتراضاً يختلف عليه المختلفون إلا من حيث المدى الزمني الذي يستمر فيه الأثر الإيجابي للتقدير الشعبي الذي يحصل عليه القيادي السياسي بسبب حدث رياضي. فإجادة استثمار المناسبات الرياضية الكبيرة ليست عصا سحرية. ولكنها تفيد رجال الدولة من حيث المبدأ، وإن اختلف مدى استفادتهم وفقاً لظروف كل منهم. فقد يقتصر الأثر الإيجابي للحدث الرياضي على وقف التدهور في شعبية رئيس دولة أو حكومة، وقد يتيح له هذا الحدث أن يحصد شعبية كبيرة.
ولذلك ربما يراهن رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على حضوره القوي في الساحة الرياضية لتعويض التراجع الشديد في شعبيته الآن، بالرغم من إخفاقه في المحافظة على التوازن اللازم بين النوادي الرياضية الإنجليزية الكبرى. وهو يستخدم مساندته للنجم الكبير ديفيد بيكام، في مشروعه الخاص بأكاديمية الناشئين في لندن، ومساندة حملة بلاده لاستضافة كأس العالم (المونديال) للعام 2018، وسيلة للوصول إلى قلوب الجمهور العاشق لكرة القدم.
وإذا كان براون يأمل في وقف التراجع في شعبيته، فالرئيس البرازيلي لولا داسيلفا الذي يحظى بقبول جماهيري واسع هو بدوره دائم الحضور في المناسبات الرياضية والعناية بمنتخب بلاده. وهو منخرط الآن في حملة البرازيل لتنظيم «مونديال» 2014.
ولكن هذا الأثر وقتي بطابعه لأن الناس سرعان ما يتجاوزون الحدث الذي أدى إلىه ويهتمون بحدث آخر. كما أن تأثير التداخل بين المجالين السياسي والرياضي يقل إذا كان الأداء في المجال الأول سيئاً أو ضعيفاً على نحو لا يمكن لأي دور في المجال الثاني أن يعوضه حتى إذا كان هذا الدور متواصلاً وليس مقصوراً على المشاركة في حدث رياضي أو آخر.
والمثال البارز، هنا، هو برلسكوني الذي كانت رئاسته لأحد أكثر الأندية الرياضية الإيطالية شعبية (نادي ميلان) منذ 22 عاماً أحد العوامل الرئيسية التي صنعت دوره السياسي، وأتاحت له الوصول إلى رئاسة الحكومة ثلاث مرات آخرها منذ شهور. ولكن ارتباطه بنادي (ميلان) لم يعصمه من السقوط عندما ساء أداء حكومتين سابقتين تولى رئاستهما.
وهكذا أصبحت العلاقة بين الرياضة والسياسة وثيقة على نحو لم يدع مجالاً للأمنيات الصينية بشأن عدم تسييس أولمبياد بكين. ومع ذلك فإذا كانت الصين تبدو خاسرة من هذا التسييس، فهي لن تخرج من هذه المناسبة الكبرى دون أرباح يُعتد بها. فبالرغم من أن التسييس خلق حاجزاً أمام إبراز الإنجازات التي حققتها، فقد أتيح لثقافتها أن توضع في الضوء وإن بدرجة أقل مما كان مفترضاً بالنسبة إلى حضارة عريقة هي الوحيدة الباقية من بين الحضارات الموغلة في القدم.
وكان لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية جاك روج دور كبير في إلقاء الضوء على الجوانب الثقافية لهذا الأولمبياد من خلال احترامه للاختلاف الحضاري وحرصه على أن يعرف العالم المزيد عن الصين، وأن يعلم شعبها بدوره عن الثقافات الأخرى.
غير أنه إذا كانت تداعيات تسييس الأولمبياد تظهر بشكل فوري، فالأمر يختلف بشأن آثاره الثقافية التي يصعب الحكم عليها قبل عام أو عامين حين يتضح ما إذا كان قد حقق شيئا من الفهم المتبادل بين الصين والعالم، أو بين الحضارتين الكونفوشيوسية والغربية .. وإلى أي مدى.
وحيد عبد المجيد
نجح الفنان الصيني تشانغ ييمو مصمم حفل افتتاح أولمبياد بكين، الذي بدأ يوم الجمعة الماضي، في تقديم عرض رائع عبر عن روح ثقافة بلاده العريقة، ولكن دون دروس تاريخية أو حضارية تثير ملل الملايين الذين تابعوه في أنحاء العالم.
ربما يكون الدرس الأكبر في هذا العرض هو إعادة تقديم ثقافة الصين الجماعية وقد تناغمت مع فردية عصر العولمة في مزيج فريد يؤكد وجود نموذج صيني يستحق الاحترام، يغرف من التاريخ ليضيء المستقبل.
ومع ذلك فمن الصعب معرفة ما إذا كان هذا العرض، وما عداه من مظاهر الخصوصية الثقافية الصينية في الأولمبياد الحالي، لقي ما يستحقه من اهتمام في عالم يتوقف مستقبله على احترام تنوعه الثقافي - الحضاري.
غير أن القدر المتيقن حتى الآن هو أن الإعلام العالمي لم يعن كثيراً بذلك، وإنما انغمس أغلبه وأكثره انتشاراً في إبراز المشكلات المعروفة في الصين بدءاً من حالة حقوق الإنسان، وصولاً إلى وضع إقليم التيبت، ومروراً بالقيود التي تفرضها سلطة الدولة على استخدام «الإنترنت». هذا فضلاً عن مشكلة تلوث البيئة التي أفاض الإعلام الغربي في الحديث عنها إلى حد أثار قلق بعض اللاعبين المشاركين في ألعاب مختلفة، ودفع عدداً منهم إلى تأخير وصولهم بكين إلى آخر وقت ممكن خوفا من هذا التلوث.
وبالرغم من أن هذا المنحى الغالب في الإعلام العالمي، وخصوصاً الغربي، حقق نتائج إيجابية، مثل دفع السلطات الصينية إلى رفع الحظر عن بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بمنظمات حقوق الإنسان الدولية، إلا أن التسييس المفرط للحدث جاء على حساب الاهتمام ببعده الثقافي وما ينطوي عليه من تأكيد لمفهوم التنوع الحضاري في عالمنا.
وكان واضحا، مثلاً، أن الكثير من وسائل الإعلام خصصت مساحات ورقية وزمنية كبيرة لمشكلة التيبت، في ظل نشاط مكثف قام به تيبيتيون في المنفى لاستثمار الحدث في طرح قضيتهم التي شهدت تطورات عنيفة في بداية العام الجاري.
وقد أثار ذلك قلق السلطات الصينية، ولكن ليس من هذه الزاوية وحدها، وإنما لأنه يرسم صورة سلبية لدولة صاعدة تشق طريقها نحو قمة العالم بثبات شديد، أو بالأحرى تثبيت هذه الصورة الشائعة عنها باعتبارها دولة شمولية مغلقة تفرض هيمنتها على المجتمع وتنتهك حقوق الإنسان.
ولذلك فعندما دعا الرئيس هو جينتاو، قبيل بدء الألعاب الأولمبية، إلى عدم تسييسها، كان هذا تعبيراً عن قلقه من أن يصبح هذا الحدث الكبير نقمة على بلاده فيلحق الضرر بها، بدلاً من أن يكون نعمة تتيح لها فرصة استثنائية لتقديم صورة طيبة وإبراز الإنجازات الكبرى التي حققتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصاً على صعيد الاختراق التنموي غير العادي.
وفيما كان الرئيس الصيني محقاً في قلقه هذا فقد بدا محلقاً في عالم خيالي شديد المثالية، خلال حديثه الذي كان أقرب إلى خطب الوعظ، عن أن التسييس يخالف تقاليد الأولمبياد، أو ما أسماه «الروح الأولمبية».
فهذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن تكون عليه الألعاب الأولمبية، التي كان أحد أهدافها حين بدأت هو تعزيز التفاهم ونشر السلام بين الشعوب.
ولكن كم من أهداف مثالية تتعلق بالسلام العالمي توارت وراء تلال من المشكلات والأزمات والصراعات.. ولم يكن الأولمبياد استثناء من هذا الواقع، الذي يصعب في ظله عزل الأحداث غير السياسية عن تأثير التوترات الدولية. وقد وصل هذا التأثير إلى حد إقدام بعض الدول على مقاطعة دورات للألعاب الأولمبية لأسباب سياسية، مثلما فعل الاتحاد السوفييتي السابق ومعظم حلفائه في شرق أوروبا، عندما قاطعوا أولمبياد لوس انجلوس في العام 1984، ردا على مقاطعة الولايات المتحدة واليابان وبعض الدول الأوروبية أولمبياد موسكو في العام 1980 بسبب الغزو السوفييتي لأفغانستان، بعد أن كانت 26 دولة أفريقية قد قاطعت أولمبياد مونتريال في العام 1976 بسبب مشاركة نيوزيلندا التي كانت قد خرقت الحظر الدولي على جنوب أفريقيا في مرحلتها العنصرية.
ولكن التوترات الدولية المستمرة ليست هى السبب الوحيد الذي يحول دون إبعاد الألعاب الأولمبية، وغيرها من الأحداث الرياضية الكبرى في العالم، عن العوامل السياسية. فالولع الشديد بالألعاب الرياضية ومسابقاتها الكبرى، من جانب معظم شعوب العالم إن لم يكن جميعها، يجعلها مناسبات يحرص كثير من الحكومات وقادة الدول على استثمارها لتحقيق شعبية في داخل بلادهم. وهذا يفسر مشاركة 77 رئيس دولة وحكومة في افتتاح أولمبياد بكين وإشعال شعلة الدورة يوم الجمعة الماضي.
وقد أضحى حضور رؤساء الدول والحكومات المناسبات الرياضية الكبرى تقليداً ثابتاً وآخذاً في التوسع. وقد رأينا قبل أسابيع في يونيو الماضي، كيف كرس رؤساء دول وحكومات أوروبية الوقت اللازم لحضور مباريات منتخبات بلادهم في كأس الأمم الأخيرة (يورو 2008) التي أقيمت في كل من النمسا وسويسرا.
ولم يقتصر ذلك على المباراة النهائية التي تحدد الدولة الفائزة بالكأس، بخلاف ما كان عليه الحال حتى وقت قريب. فقد بدأ بعض رؤساء الدول والحكومات في مؤازرة منتجات بلادهم من داخل الملعب ابتداء من دور الثمانية أو ربع النهائي. وحتى تركيا التي لا تعتبر أوروبية بالكامل كان رئيس وزارئها رجب طيب أردوغان مع منتخبها الذي لم يصل إلى الدور النهائي.
ولا يرجع ذلك فقط إلى شغفه شخصياً بكرة القدم التي مارسها خلال صباه. ربما يكون هذا أحد دوافعه. ولكن المحرك الأساسي له للانتقال إلى حيث كان المنتخب التركي يلعب هو حرصه على حصد مزيد من الشعبية، وخصوصاً في لحظة كانت عصيبة بالنسبة إلىه ولحزبه (العدالة والتنمية) قبل أسابيع قليلة على قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن تحديد مصيرهما.
ولكن باقي الزعماء الأوروبيين الذين تباروا في حضور مباريات منتخبات بلادهم في (يورو 2008) لم يكونوا في محنة من هذا النوع أو غيره. ومع ذلك حرصوا على المشاركة تقرباً إلى شعوبهم وسعياً إلى زيادة رصيدهم. ويتساوى في ذلك من يشاركون أردوغان ولعه بكرة القدم مثل رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ومن لا يُعرف عنهم الشغف بها مثل رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس ثاباتيرو الذي حصل منتخب بلاده على البطولة بعد أن تخطى المنتخب الإيطالي، الذي لم يتغلب عليه في مسابقة رسمية منذ دورة الألعاب الأولمبية في العام 1920، أي منذ 88 عاماً كاملا.
والعلاقة بين شعبية القادة السياسيين واهتماماتهم الرياضية ليست افتراضاً يختلف عليه المختلفون إلا من حيث المدى الزمني الذي يستمر فيه الأثر الإيجابي للتقدير الشعبي الذي يحصل عليه القيادي السياسي بسبب حدث رياضي. فإجادة استثمار المناسبات الرياضية الكبيرة ليست عصا سحرية. ولكنها تفيد رجال الدولة من حيث المبدأ، وإن اختلف مدى استفادتهم وفقاً لظروف كل منهم. فقد يقتصر الأثر الإيجابي للحدث الرياضي على وقف التدهور في شعبية رئيس دولة أو حكومة، وقد يتيح له هذا الحدث أن يحصد شعبية كبيرة.
ولذلك ربما يراهن رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على حضوره القوي في الساحة الرياضية لتعويض التراجع الشديد في شعبيته الآن، بالرغم من إخفاقه في المحافظة على التوازن اللازم بين النوادي الرياضية الإنجليزية الكبرى. وهو يستخدم مساندته للنجم الكبير ديفيد بيكام، في مشروعه الخاص بأكاديمية الناشئين في لندن، ومساندة حملة بلاده لاستضافة كأس العالم (المونديال) للعام 2018، وسيلة للوصول إلى قلوب الجمهور العاشق لكرة القدم.
وإذا كان براون يأمل في وقف التراجع في شعبيته، فالرئيس البرازيلي لولا داسيلفا الذي يحظى بقبول جماهيري واسع هو بدوره دائم الحضور في المناسبات الرياضية والعناية بمنتخب بلاده. وهو منخرط الآن في حملة البرازيل لتنظيم «مونديال» 2014.
ولكن هذا الأثر وقتي بطابعه لأن الناس سرعان ما يتجاوزون الحدث الذي أدى إلىه ويهتمون بحدث آخر. كما أن تأثير التداخل بين المجالين السياسي والرياضي يقل إذا كان الأداء في المجال الأول سيئاً أو ضعيفاً على نحو لا يمكن لأي دور في المجال الثاني أن يعوضه حتى إذا كان هذا الدور متواصلاً وليس مقصوراً على المشاركة في حدث رياضي أو آخر.
والمثال البارز، هنا، هو برلسكوني الذي كانت رئاسته لأحد أكثر الأندية الرياضية الإيطالية شعبية (نادي ميلان) منذ 22 عاماً أحد العوامل الرئيسية التي صنعت دوره السياسي، وأتاحت له الوصول إلى رئاسة الحكومة ثلاث مرات آخرها منذ شهور. ولكن ارتباطه بنادي (ميلان) لم يعصمه من السقوط عندما ساء أداء حكومتين سابقتين تولى رئاستهما.
وهكذا أصبحت العلاقة بين الرياضة والسياسة وثيقة على نحو لم يدع مجالاً للأمنيات الصينية بشأن عدم تسييس أولمبياد بكين. ومع ذلك فإذا كانت الصين تبدو خاسرة من هذا التسييس، فهي لن تخرج من هذه المناسبة الكبرى دون أرباح يُعتد بها. فبالرغم من أن التسييس خلق حاجزاً أمام إبراز الإنجازات التي حققتها، فقد أتيح لثقافتها أن توضع في الضوء وإن بدرجة أقل مما كان مفترضاً بالنسبة إلى حضارة عريقة هي الوحيدة الباقية من بين الحضارات الموغلة في القدم.
وكان لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية جاك روج دور كبير في إلقاء الضوء على الجوانب الثقافية لهذا الأولمبياد من خلال احترامه للاختلاف الحضاري وحرصه على أن يعرف العالم المزيد عن الصين، وأن يعلم شعبها بدوره عن الثقافات الأخرى.
غير أنه إذا كانت تداعيات تسييس الأولمبياد تظهر بشكل فوري، فالأمر يختلف بشأن آثاره الثقافية التي يصعب الحكم عليها قبل عام أو عامين حين يتضح ما إذا كان قد حقق شيئا من الفهم المتبادل بين الصين والعالم، أو بين الحضارتين الكونفوشيوسية والغربية .. وإلى أي مدى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق