صحيفة الخليج الإماراتية ـ 18/12/2006
د. حسن مدن
سمعت الروائي العربي المعروف جمال الغيطاني مرة في مداخلة له بإحدى الندوات يروي حكاية طريفة عن رجل من الصين التقاه مرة، وهو في غمرة الاستعداد لإصدار صحيفة “أخبار الأدب “التي يرأس تحريرها، وإذ لاحظ أن الرجل يتحدث العربية بطلاقة، ويبدو مطلعا على الثقافة والأدب العربيين، فإن ذلك شجعه على طلب التواصل معه والكتابة في الصحيفة من أجل إقامة جسر بين الثقافتين العربية والصينية، إلا أن المفاجأة كانت حين رد الرجل: ومن قال لك إنني صيني؟! .. أنا مصري أعيش في الصين منذ عشرين عاما أو أكثر. مصدر المفاجأة كان لأن تقاطيع وجه الرجل كانت تقاطيع صينية لا عربية: ملامح الوجه وحجم العينين، وطريقة تشكيل الأنف .. الخ، أي تلك الصورة النموذجية للوجه الآسيوي القادم من تلك البلدان.
وخلص الغيطاني من تلك الحكاية الى أن اللغة، من حيث هي منظومة صوتية تشكل أو تعيد تشكيل ملامح الوجه، وربما التحكم في عضلاته بالطريقة التي تجعل الناطق بالعربية ذا ملامح عربية، والناطق بالصينية ذا ملامح صينية .. الخ. وهذا على كل حال اجتهاد قابل للنقاش بعد أن نتيقن من أن المصري المقيم في الصين الذي التقاه الغيطاني هو حقا من أبوين مصريين. لأن فرضية الغيطاني هذه تنتسب إلى العلوم لا إلى اللغة وحدها، إذ لابد من توكيدها عبر التشريح الجسدي وعبر علم الجينات وغيرها من العلوم التي نتركها لأهلها .
وذات مرة سمعت من سياسي عربي مخضرم زار الصين في الستينات ضمن وفد طلابي، أنه وأعضاء الوفد كانوا يتندرون فيما بينهم طوال الرحلة: كيف يستطيع الصينيون التفريق بين أنفسهم لفرط ما هم عليه من تشابه في الملامح، وحتى في الأسماء، كما بدا لأعضاء الوفد، لكن الطريف انه بعد أن شارفت زيارة الوفد على الانتهاء، وهموا بالذهاب إلى المطار للسفر، اقترب منهم أحد مرافقيهم الذي كان يتحدث العربية ليقول: عدم المؤاخذة .. كيف تستطيعون أنتم العرب التفريق بين بعضكم البعض؟ ولما يتمالك أعضاء الوفد أنفسهم من شدة الضحك، كما يمكننا أن نتخيل إزاء مع موقف مثل هذا.
ومنذ سنوات قارن كاتب عربي بين صورتين: الأولى لزعيمي حركة سياسية عربية كبيرة معارضة وأخرى لاجتماع القيادة الحزبية الحاكمة في بلد عربي برئاسة زعيم هذا البلد، ولفت الكاتب أنظارنا إلى أن وجوه المجتمعين برئاسة ذلك الزعيم، كما هما وجها الزعيمين المعارضين متشابهة تماما، كأنه يلمح إلى حقيقة أن بعض الحكومات، كما بعض الحركات السياسية، تعمم نموذجا واحدا لصورة الشخص، عادة ما تكون في الأصل صورة لزعيم، لنخلص بعدها إلى أن الآخرين أو الرعية، يفقدون ملامحهم الخاصة أو الملامح الفردية الخاصة بكل واحد منهم، لتتقمص الصورة أو النموذج الأحادي المفروض، فتصبح طريقة الكلام واحدة، وكذلك طريقة المشي والهندام ومفردات الكلام التي تصبح على كل لسان واجبا مفروضا، فتسحق الخصوصيات لصالح القالب الواحد الذي على البشر إعادة تشكيل قاماتهم وكلماتهم بما يتناسب وإياه.
د. حسن مدن
سمعت الروائي العربي المعروف جمال الغيطاني مرة في مداخلة له بإحدى الندوات يروي حكاية طريفة عن رجل من الصين التقاه مرة، وهو في غمرة الاستعداد لإصدار صحيفة “أخبار الأدب “التي يرأس تحريرها، وإذ لاحظ أن الرجل يتحدث العربية بطلاقة، ويبدو مطلعا على الثقافة والأدب العربيين، فإن ذلك شجعه على طلب التواصل معه والكتابة في الصحيفة من أجل إقامة جسر بين الثقافتين العربية والصينية، إلا أن المفاجأة كانت حين رد الرجل: ومن قال لك إنني صيني؟! .. أنا مصري أعيش في الصين منذ عشرين عاما أو أكثر. مصدر المفاجأة كان لأن تقاطيع وجه الرجل كانت تقاطيع صينية لا عربية: ملامح الوجه وحجم العينين، وطريقة تشكيل الأنف .. الخ، أي تلك الصورة النموذجية للوجه الآسيوي القادم من تلك البلدان.
وخلص الغيطاني من تلك الحكاية الى أن اللغة، من حيث هي منظومة صوتية تشكل أو تعيد تشكيل ملامح الوجه، وربما التحكم في عضلاته بالطريقة التي تجعل الناطق بالعربية ذا ملامح عربية، والناطق بالصينية ذا ملامح صينية .. الخ. وهذا على كل حال اجتهاد قابل للنقاش بعد أن نتيقن من أن المصري المقيم في الصين الذي التقاه الغيطاني هو حقا من أبوين مصريين. لأن فرضية الغيطاني هذه تنتسب إلى العلوم لا إلى اللغة وحدها، إذ لابد من توكيدها عبر التشريح الجسدي وعبر علم الجينات وغيرها من العلوم التي نتركها لأهلها .
وذات مرة سمعت من سياسي عربي مخضرم زار الصين في الستينات ضمن وفد طلابي، أنه وأعضاء الوفد كانوا يتندرون فيما بينهم طوال الرحلة: كيف يستطيع الصينيون التفريق بين أنفسهم لفرط ما هم عليه من تشابه في الملامح، وحتى في الأسماء، كما بدا لأعضاء الوفد، لكن الطريف انه بعد أن شارفت زيارة الوفد على الانتهاء، وهموا بالذهاب إلى المطار للسفر، اقترب منهم أحد مرافقيهم الذي كان يتحدث العربية ليقول: عدم المؤاخذة .. كيف تستطيعون أنتم العرب التفريق بين بعضكم البعض؟ ولما يتمالك أعضاء الوفد أنفسهم من شدة الضحك، كما يمكننا أن نتخيل إزاء مع موقف مثل هذا.
ومنذ سنوات قارن كاتب عربي بين صورتين: الأولى لزعيمي حركة سياسية عربية كبيرة معارضة وأخرى لاجتماع القيادة الحزبية الحاكمة في بلد عربي برئاسة زعيم هذا البلد، ولفت الكاتب أنظارنا إلى أن وجوه المجتمعين برئاسة ذلك الزعيم، كما هما وجها الزعيمين المعارضين متشابهة تماما، كأنه يلمح إلى حقيقة أن بعض الحكومات، كما بعض الحركات السياسية، تعمم نموذجا واحدا لصورة الشخص، عادة ما تكون في الأصل صورة لزعيم، لنخلص بعدها إلى أن الآخرين أو الرعية، يفقدون ملامحهم الخاصة أو الملامح الفردية الخاصة بكل واحد منهم، لتتقمص الصورة أو النموذج الأحادي المفروض، فتصبح طريقة الكلام واحدة، وكذلك طريقة المشي والهندام ومفردات الكلام التي تصبح على كل لسان واجبا مفروضا، فتسحق الخصوصيات لصالح القالب الواحد الذي على البشر إعادة تشكيل قاماتهم وكلماتهم بما يتناسب وإياه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق