صحيفة واشنطن بوست الأميركية
نقلاً عن صحيفة الغد الأردنية
مارك هلبرين
قبل الابتهاج بالوفاق مع كيم يونغ ايل، فإنه ربما يكون من المفيد تذكر أن أبناء جلدته، وبالرغم من التوصل الى اتفاقيات في الماضي، قد صنعوا عددا من الاسلحة النووية واجروا تجربة نووية. كما أن كوريا الشمالية، بامتلاكها ترسانة كيميائية وبيولوجية غنية، حيدت منذ امد طويل فعالية الاسلحة النووية التكتيكية الاميركية في شبه الجزيرة الكورية، وباتت منهمكة على برنامج من أجل البقاء، حيث تقايض بالابتزاز والإرادة قوة لا تحتاجها في مقابل الاعتراف وبعض السلع الضرورية. أما القوة النووية الآسيوية التي يجب ان نحسب حسابها، فهي ليست كوريا الشمالية، وإنما الصين.
لقد استطاع الرواد من الساعين إلى حكم الصين ان يهزموا تشيان كاي شيك، وان يحاربوا الولايات المتحدة ويتعادلوا معها في كوريا، كما ساعدوا، بمجرد إمكانيات بلدهم المحتملة فقط، في إلحاق الهزيمة بأميركا في فيتنام. كل ذلك فعلوه في غمار الفوضى والفقر وبدون اسلحة حديثة، ولكن بوجود استراتيجية متجذرة في النخاع. ومنذ عام 1978، وعن طريق استخدام نموهم الاقتصادي والفني غير العادي والمستديم لبناء قدرة عسكرية، عدل الصينيون أنفسهم بإصرار ليعتادوا على تبني نظام "الميجي" (الذي حول اليابان الاقطاعية بسرعة الى دولة صناعية قادرة على الحاق الهزيمة بالاسطول الروسي في تسوشيما).
في خضم تعديل مواقفهم لتتناسب مع الموقف الاميركي، تلقى الصينيون مساعدات سخية من الرئيسين الاميركيين السابقين، واللذين انجزا في البداية خفضاً براحة بال في دورنا في المعركة، ثم إعادة الانتشار المعيبة لما تبقى، في حملة مشابهة لخسارة صراع مطول في البرتغال. وظلت الصين تتقدم فيما نحن نتداعى، لأن رؤيتها كانت منظمة وواضحة بينما ظلت رؤيتنا مثقلة بالخوف والتفسخ. وخضوعنا لمسؤولين لا يفهمون، لا الاستراتيجية الصينية الشاملة ولا مكوناتها النووية.
لقد قاد هذا الوضع الولايات المتحدة، على نحو لا يتسم بالفطنة، الى تشجيع الصين على التحرك نحو التعادل النووي. وفي السنوات الخمس التالية، وبينما كنا نخفض ترسانتنا من 10.000 رأس حرب استراتيجي الى 1.700 رأس، فإن صواريخ الصين Mirvd محكمة الاغلاق والاجيال الوشيكة الولادة من صواريخ MIRV'd المتنقلة وصواريخ ICB المتمركزة في البحر ستسمح بسهولة بنشر أعداد من الرؤوس الحربية، والتي تقدر حاليا بأنها تترواح بين ثمانين الى الف وثمانئمة صاروخ.
ذات مرة، كان التفاوت الهائل في التوازن (في 1987 كان 500:1) قد ثبط همة الصين عن مثل هذه الزيادة. لكنه لم يعد يفعل ذلك، لأن تخفيضاتنا ونموهم يوفران اهدافاً اقل للمزيد من الصواريخ. وسينجم عنهما الاحتمال، ومن ثم الاغواء، مهما كان بعيدا، بتوجيه الضربة الاولى. وفي حين اننا خفضا ساق رادعنا النووي الراسخة في البحر من 37صاروخا بالستيا مركبا على الغواصات الى 14، فإن الصين تعمل على بناء رادعها الخاص واسطول يمكنه توفير احواض محمية في البحر، بالاضافة الى اصطياد العدد الصغير من القوارب الاميركية الموجودة المتموضعة.
ان التنافس النووي بين القوى الناضجة والناجمة حديثا لا يشكل حدثاً غير مسبوق أو غير متوقع. لكن القاعدة كانت تنص دائما على انه اذا وجد الاحتمال النووي فيجب معادلته. ومع اننا ربما لم نعد نشترك في هذا، الا ان الصين تشترك. ولكونها تدرك أن الولايات المتحدة خططت لاستخدام الاسلحة النووية في حال انتهكت الصين الهدنة الكورية، فإن من المفهوم أن تسعى الصين إلى تحقيق التوازن النووي وأن يكون ذلك مرجحاً.
ولا يكمن الخطر فقط في التقلبات النوعية، وإنما في الاستراتيجيات النووية المحتملة التي أدى التطور التقني إلى الارتقاء بها فوق أنماط الحرب الباردة. وللمرء أن يتأمل فقط في سيناريو واحد ابرزته التجربة الاخيرة الناجحة للسلاح المضاد للاقمار الاصطناعية، وهي جزء من استراتيجية لاستغلال الانجازات التكنولوجية.
على ضوء شهية الصين وتحالفاتنا ومصالحنا، فإن اندلاع حرب في تايون او كوريا ليس أمراً بعيد الاحتمال. ولازالة اي تصعيد نووي اميركي من المعادلة، فإن الصين لن تحتاج إلى التعادل وإنما فقط إلى رادع مثل الذي طالما امتلكته. ومع ذلك، فإن الصينيين يعرفون ان اي ملمح اقتصادي او عسكري او اجتماعي لاميركا يعتمد على أدوات تقنية منفردة ومرتبطة بشبكة. ولو قدر لهذه الاجهزة ان تخفق فجأة وبشكل لا يمكن إصلاحه، فإن الامة ستستسلم ربما لسنوات. وسواء ووجهوا بالانتصار أو بالهزيمة، فإنهم قد يختارون -ومن يستطيع أن يضمن انهم لن يقدموا على ذلك؟- تفجير نصف دزينة من الشحنات النووية في ضربة نبض الكترونية مغناطيسية، ربما ليس في المجال الجوي الاميركي فقط، مستخدمين تقريبا كل دائرة وشبه موصل، جاعلين الحكومة الاميركية عمياء وصماء وخرساء اكثر مما هي عليه اصلا. والبلد غير قادر على مقاومة التبعات الداخلية التي ستنجم بالتأكيد.
ومع اننا سنرد بنفس النوع بلا شك، فإن الصين ليست متعالقة تقنياً كما هو حالنا. وعلى ضوء كفاءة الصين في استقبال ضربة مضادة، فإننا لا نستطيع ردع هجوم ضربة بقدرة نصف الكترونية مغناطيسية مع احتمال رد كبير، خاصة وان ضربة النبض الألكترونية المغناطيسية التي لا تسفر عن خسائر آنية ستبدو مثل الثلج في الهواء الساكن.
إن الخدعة في الاستراتيجية النووية تكمن في الحفاظ على الاستقرار من خلال موازنة الامكانيات، أي بمنع الأحداث من تحويل الممكن الى حقيقة. والمطلوب في هذه الحالة، من بين أشياء عدة، هو تطوير التقنية الالكترونية وتكرار واعادة تصميم الانظمة والشبكات الاساسية والدفاع الصاروخي الذي لن يغلق نافذة الضربة الاولى عبر حماية قدرتنا على توجيه الضربة الثانية من التدمير فحسب، وإنما توفير الحماية من ضربة نبض الكترونية مغناطيسية مباشرة وثني الصين في المقام الاول عبر جعل رادعها اقل ضمانة.
إننا لو قدر لنا ان نسير على طول هذه الخطوط، فإننا نستطيع ان نقلل الفرص التي قد تستطيع من خلالها الصين، في مستقبل ليس ببعيد، ان تخضع لإغواء كسب حرب نووية دون أن تخوض غمار حرب نووية. لكن، وعلى ضوء تجاهلنا تحذيرات ضمنية من لجنة الكونغرس الخاصة بضربة النبض الاكترونية المغناطيسية، فما هي فرص أن نتصرف على أساس رأي لا نجرؤ حتى على صياغته؟ وبالنسبة للحرب والسلوكات المناقضة للحدس أحياناً لتجنب قيامها، فإننا لم نعد واثقين ولا واضحي الرؤية. ويا له من وضع محزن اننا بلغنا هذا الحد لنجد اندادنا واعداءنا حول العالم يستطيعون، وهم يرسمون الدوائر حولنا، لأن نصف ساستنا قد فقدوا ذكاءهم فيما فقد النصف الاخر أعصابهم.
نقلاً عن صحيفة الغد الأردنية
مارك هلبرين
قبل الابتهاج بالوفاق مع كيم يونغ ايل، فإنه ربما يكون من المفيد تذكر أن أبناء جلدته، وبالرغم من التوصل الى اتفاقيات في الماضي، قد صنعوا عددا من الاسلحة النووية واجروا تجربة نووية. كما أن كوريا الشمالية، بامتلاكها ترسانة كيميائية وبيولوجية غنية، حيدت منذ امد طويل فعالية الاسلحة النووية التكتيكية الاميركية في شبه الجزيرة الكورية، وباتت منهمكة على برنامج من أجل البقاء، حيث تقايض بالابتزاز والإرادة قوة لا تحتاجها في مقابل الاعتراف وبعض السلع الضرورية. أما القوة النووية الآسيوية التي يجب ان نحسب حسابها، فهي ليست كوريا الشمالية، وإنما الصين.
لقد استطاع الرواد من الساعين إلى حكم الصين ان يهزموا تشيان كاي شيك، وان يحاربوا الولايات المتحدة ويتعادلوا معها في كوريا، كما ساعدوا، بمجرد إمكانيات بلدهم المحتملة فقط، في إلحاق الهزيمة بأميركا في فيتنام. كل ذلك فعلوه في غمار الفوضى والفقر وبدون اسلحة حديثة، ولكن بوجود استراتيجية متجذرة في النخاع. ومنذ عام 1978، وعن طريق استخدام نموهم الاقتصادي والفني غير العادي والمستديم لبناء قدرة عسكرية، عدل الصينيون أنفسهم بإصرار ليعتادوا على تبني نظام "الميجي" (الذي حول اليابان الاقطاعية بسرعة الى دولة صناعية قادرة على الحاق الهزيمة بالاسطول الروسي في تسوشيما).
في خضم تعديل مواقفهم لتتناسب مع الموقف الاميركي، تلقى الصينيون مساعدات سخية من الرئيسين الاميركيين السابقين، واللذين انجزا في البداية خفضاً براحة بال في دورنا في المعركة، ثم إعادة الانتشار المعيبة لما تبقى، في حملة مشابهة لخسارة صراع مطول في البرتغال. وظلت الصين تتقدم فيما نحن نتداعى، لأن رؤيتها كانت منظمة وواضحة بينما ظلت رؤيتنا مثقلة بالخوف والتفسخ. وخضوعنا لمسؤولين لا يفهمون، لا الاستراتيجية الصينية الشاملة ولا مكوناتها النووية.
لقد قاد هذا الوضع الولايات المتحدة، على نحو لا يتسم بالفطنة، الى تشجيع الصين على التحرك نحو التعادل النووي. وفي السنوات الخمس التالية، وبينما كنا نخفض ترسانتنا من 10.000 رأس حرب استراتيجي الى 1.700 رأس، فإن صواريخ الصين Mirvd محكمة الاغلاق والاجيال الوشيكة الولادة من صواريخ MIRV'd المتنقلة وصواريخ ICB المتمركزة في البحر ستسمح بسهولة بنشر أعداد من الرؤوس الحربية، والتي تقدر حاليا بأنها تترواح بين ثمانين الى الف وثمانئمة صاروخ.
ذات مرة، كان التفاوت الهائل في التوازن (في 1987 كان 500:1) قد ثبط همة الصين عن مثل هذه الزيادة. لكنه لم يعد يفعل ذلك، لأن تخفيضاتنا ونموهم يوفران اهدافاً اقل للمزيد من الصواريخ. وسينجم عنهما الاحتمال، ومن ثم الاغواء، مهما كان بعيدا، بتوجيه الضربة الاولى. وفي حين اننا خفضا ساق رادعنا النووي الراسخة في البحر من 37صاروخا بالستيا مركبا على الغواصات الى 14، فإن الصين تعمل على بناء رادعها الخاص واسطول يمكنه توفير احواض محمية في البحر، بالاضافة الى اصطياد العدد الصغير من القوارب الاميركية الموجودة المتموضعة.
ان التنافس النووي بين القوى الناضجة والناجمة حديثا لا يشكل حدثاً غير مسبوق أو غير متوقع. لكن القاعدة كانت تنص دائما على انه اذا وجد الاحتمال النووي فيجب معادلته. ومع اننا ربما لم نعد نشترك في هذا، الا ان الصين تشترك. ولكونها تدرك أن الولايات المتحدة خططت لاستخدام الاسلحة النووية في حال انتهكت الصين الهدنة الكورية، فإن من المفهوم أن تسعى الصين إلى تحقيق التوازن النووي وأن يكون ذلك مرجحاً.
ولا يكمن الخطر فقط في التقلبات النوعية، وإنما في الاستراتيجيات النووية المحتملة التي أدى التطور التقني إلى الارتقاء بها فوق أنماط الحرب الباردة. وللمرء أن يتأمل فقط في سيناريو واحد ابرزته التجربة الاخيرة الناجحة للسلاح المضاد للاقمار الاصطناعية، وهي جزء من استراتيجية لاستغلال الانجازات التكنولوجية.
على ضوء شهية الصين وتحالفاتنا ومصالحنا، فإن اندلاع حرب في تايون او كوريا ليس أمراً بعيد الاحتمال. ولازالة اي تصعيد نووي اميركي من المعادلة، فإن الصين لن تحتاج إلى التعادل وإنما فقط إلى رادع مثل الذي طالما امتلكته. ومع ذلك، فإن الصينيين يعرفون ان اي ملمح اقتصادي او عسكري او اجتماعي لاميركا يعتمد على أدوات تقنية منفردة ومرتبطة بشبكة. ولو قدر لهذه الاجهزة ان تخفق فجأة وبشكل لا يمكن إصلاحه، فإن الامة ستستسلم ربما لسنوات. وسواء ووجهوا بالانتصار أو بالهزيمة، فإنهم قد يختارون -ومن يستطيع أن يضمن انهم لن يقدموا على ذلك؟- تفجير نصف دزينة من الشحنات النووية في ضربة نبض الكترونية مغناطيسية، ربما ليس في المجال الجوي الاميركي فقط، مستخدمين تقريبا كل دائرة وشبه موصل، جاعلين الحكومة الاميركية عمياء وصماء وخرساء اكثر مما هي عليه اصلا. والبلد غير قادر على مقاومة التبعات الداخلية التي ستنجم بالتأكيد.
ومع اننا سنرد بنفس النوع بلا شك، فإن الصين ليست متعالقة تقنياً كما هو حالنا. وعلى ضوء كفاءة الصين في استقبال ضربة مضادة، فإننا لا نستطيع ردع هجوم ضربة بقدرة نصف الكترونية مغناطيسية مع احتمال رد كبير، خاصة وان ضربة النبض الألكترونية المغناطيسية التي لا تسفر عن خسائر آنية ستبدو مثل الثلج في الهواء الساكن.
إن الخدعة في الاستراتيجية النووية تكمن في الحفاظ على الاستقرار من خلال موازنة الامكانيات، أي بمنع الأحداث من تحويل الممكن الى حقيقة. والمطلوب في هذه الحالة، من بين أشياء عدة، هو تطوير التقنية الالكترونية وتكرار واعادة تصميم الانظمة والشبكات الاساسية والدفاع الصاروخي الذي لن يغلق نافذة الضربة الاولى عبر حماية قدرتنا على توجيه الضربة الثانية من التدمير فحسب، وإنما توفير الحماية من ضربة نبض الكترونية مغناطيسية مباشرة وثني الصين في المقام الاول عبر جعل رادعها اقل ضمانة.
إننا لو قدر لنا ان نسير على طول هذه الخطوط، فإننا نستطيع ان نقلل الفرص التي قد تستطيع من خلالها الصين، في مستقبل ليس ببعيد، ان تخضع لإغواء كسب حرب نووية دون أن تخوض غمار حرب نووية. لكن، وعلى ضوء تجاهلنا تحذيرات ضمنية من لجنة الكونغرس الخاصة بضربة النبض الاكترونية المغناطيسية، فما هي فرص أن نتصرف على أساس رأي لا نجرؤ حتى على صياغته؟ وبالنسبة للحرب والسلوكات المناقضة للحدس أحياناً لتجنب قيامها، فإننا لم نعد واثقين ولا واضحي الرؤية. ويا له من وضع محزن اننا بلغنا هذا الحد لنجد اندادنا واعداءنا حول العالم يستطيعون، وهم يرسمون الدوائر حولنا، لأن نصف ساستنا قد فقدوا ذكاءهم فيما فقد النصف الاخر أعصابهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق