الاثنين، 30 أبريل 2007

الصين بين "الخطر البيئي" ومتطلبات النمو الاقتصادي

صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية
بكين ـ بيتر فورد

مع احتمال تفوق الصين على الولايات المتحدة الأميركية، من حيث كثافة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات السامة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، خلال مدة عام من الآن، فقد بدأت رحلة تراجع المسؤولين الصينيين في العاصمة بكين، عن قناعتهم السابقة، القائلة إن التغير المناخي مشكلة غربية الصنع، وإن على دول العالم المتقدم أن تتكفل بحلها. وفي حين لا تزال الصين تصر على حملة تحويلها للكثير من المناطق الريفية الزراعية إلى مراكز صناعية، بغية تحرير مئات الملايين من ربقة الفقر المدقع الذي يعيشون فيه، إلا أن قادتها بدأوا يظهرون بوادر استعداد لقبول أهداف ملزمة بخفض معدلات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وبقية الغازات السامة المسببة للإحماء الشامل. وليس ذلك فحسب، بل لقد أبدت القيادة الصينية استعدادها كذلك لقبول كافة الخيارات البيئية الخضراء. وبحكم كونها تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، والغازات المسببة للاحتباس الحراري بوجه عام -أي أنها تقترب من بلوغ معدل انبعاث 6 مليارات من غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من الولايات المتحدة الأميركية- فقد ووجهت بضغوط متصاعدة خارجياً وداخلياً، من قبل علمائها الذين تكهنوا بعواقب مستقبلية كارثية وخيمة، تهدد الحياة كلها على كوكب الأرض، في حال عدم خفض ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
"لقد أصبح التغير المناخي يمثل تحدياً كبيراً للتنمية الصينية المستدامة، في شقيها الاقتصادي والاجتماعي" ذلك ما صرح به زينج جاوجانج، رئيس إدارة الأرصاد الجوية الصينية. وأضاف "جاوجانج" قائلاً: "ولذلك فقد عقدت الصين العزم على التخفيف من وطأة هذا الخطر والتصدي له بما ينبغي، باعتبارها دولة مسؤولة".
غير أن المؤشرات الخاصة بالكيفية التي ستفي بها الصين بالتزاماتها هذه، لا تزال مختلطة ومشوشة. فمن ناحية، أعلن رئيس الوزراء الصيني "وين جيابو" في وقت مبكر من شهر أبريل الجاري، أثناء زيارة له إلى اليابان، أن بلاده ستنشط في مشاركتها في وضع إطار عمل بيئي عام، يبدأ تنفيذه اعتباراً من عام 2013، بحيث يمكن لهذا الإطار أن يحل محل بروتوكول "كيوتو"، الملزم بشأن الحد من معدلات انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وعندها سيكون في وسع هذا الإطار، الذي يتوقع له أن يكون حصيلة عدة سنوات من التفاوض الدولي المستمر، أن تكون له أهداف ملزمة لكافة الدول الأعضاء فيه. أما في الوقت الراهن، فإن الصين ليست ملزمة بأي من النصوص والمواثيق الدولية التي تضمنتها معاهدة "كيوتو"، باعتبارها لا تزال "دولة نامية". أما من الناحية الأخرى، فقد رفض التقرير الصيني الأول عن تقييم موقف التغير المناخي، المؤرخ بتاريخ سبتمبر 2006، والذي جرى تداوله على نطاق واسع الأسبوع الماضي، الاعتراف بأي سقف ملزم لانبعاث هذه الغازات!
"فإذا ما استبقنا الأحداث وتعهدنا بأية مسؤوليات إزاء الحد من انبعاث غازات بيت الزجاج، فإن النتيجة المباشرة لهذا الالتزام المبكر، هي الحد من مشروعات الطاقة والصناعة الجارية الآن في الصين، ما يؤثر سلباً على المنتجات والصناعات الصينية، من حيث إضعاف قدرتها التنافسية"... هكذا حذر التقرير المذكور مضيفاً في ذات الوقت: "ولذلك فستظل أولوية الصين لعدة سنوات مقبلة، هي تطوير الاقتصاد وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين". يذكر هنا أن الوكالة الدولية للطاقة، أعلنت من مقرها في باريس، أن الصين لن يكون بوسعها التفوق على الولايات المتحدة الأميركية من ناحية معدل انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري، قبل حلول عام 2010. غير أن وكالة الطاقة نفسها، اضطرت إلى خفض تلك التكهنات بمقدار عامين، أي إلى عام 2008، آخذة في الاعتبار بسرعة وحجم النمو الاقتصادي الصيني الذي تقدر نسبته بنحو 11.1%، لهذا العام، وكذلك حجم نمو الصناعات الصينية العالية الاستهلاك للطاقة، مثل مصانع الألمونيوم، خاصة بعد أن شهدت هذه الصناعات اتساعاً بنسبة 43 في المئة.
لكن وما لم تفعل الصين شيئاً في هذا المضمار في غضون الخمس وعشرين سنة المقبلة، فإن ما لاشك فيه أن انبعاثاتها من غازات بيت الزجاج ستعادل ضعف مجموع انبعاثات الدول الصناعية المتقدمة من هذه الغازات. ذلك هو تعليق السيد "فاتح بيرول"، المحلل الاقتصادي الأول بالوكالة الدولية للطاقة. والسبب هو أن الصين تعتمد في نموها الاقتصادي الهائل هذا، على طاقة الفحم الحجري بالدرجة الأولى. وإنه لغني عن القول إن هذا المصدر بالذات، يعد في الوقت ذاته من أكبر وأسوأ المصادر لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من المواد والملوثات البيئية الأخرى. وبصفتها أكبر منتج ومستهلك عالمي لطاقة الفحم الحجري، فإنها تستخدم هذا المورد الأحفوري التقليدي، لسد نسبة 69 في المئة من إجمالي حاجتها للطاقة. ذلك هو ما تقرره المعلومات الإحصائية الرسمية الصادرة عن مجال الطاقة.
على أن العلماء الصينيين يحذرون من العواقب الكارثية الوخيمة لهذه السياسات، ويؤكدون حقيقة كونها مرئية ومباشرة من حيث التأثير السلبي على البيئة. وليس أدل على ذلك، من اختفاء ما نسبته 25 في المئة من أحد المسطحات الجليدية التي كانت تغطي منطقة "جنجاي" في هضبة التبت، مع العلم بأن هذه المسطحات ظلت باقية مكانها لنحو 350 عاماً على أقل تقدير، على حد تصريح "قين داي"، وهو مفاوض صيني سابق في مجال التغير المناخي. وأضاف السيد "داي" قائلاً: "وفيما لو استمرت معدلات ذوبان المسطحات الجليدية الحالية، فإن من المتوقع أن يزول ربع آخر من تلك المسطحات، بحلول عام 2050".

ليست هناك تعليقات: