الخميس، 21 يونيو 2007

الصين ودبلوماسية "القوة الناعمة"

صحيفة الاتحاد الإماراتية
سعيد كامل
الكتاب: الهجوم الساحر: كيف تعمل قوة الصين الناعمة على تغيير العالم.
المؤلف: جوشوا كورلانتزيك
الناشر: ييل يونيفرسيتي بريس
تاريخ النشر: 2007

قد يجد المتسائلون عن الكيفية التي تمكنت بها الصين من إظهار قوتها الناعمة في مختلف أرجاء العالم، جواباً شافياً على الكثير من تساؤلاتهم في كتاب "جوشوا كورلانتزيك" الباحث بـ"مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي" الموسوم: "الهجوم الساحر: كيف تعمل قوة الصين الناعمة على تغيير العالم". وأهلية المؤلف لتقديم تلك الإجابات مستمدة إلى حد كبير من تخصصه في الشؤون الصينية ومتابعته الدقيقة لسياساتها، وجولاته المتعددة في العديد من الدول في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية بغرض رصد تأثير تلك السياسات. وهو يؤكد منذ البداية أن الغرض من كتابه هو إغلاق فجوة المعرفة حول قوة الصين الناعمة، ودبلوماسيتها المتطورة باستمرار، التي غيرت وستغير العلاقات الدولية. يقول المؤلف إنه قد اندهش للغاية عندما كان يتحدث مع أحد صناع السياسات في واشنطن عن نفوذ الصين العالمي المتنامي وقوتها الناعمة، فوجد أن ذلك المسؤول الخطير يكاد لا يعرف عن الموضوع شيئاً. وليس هذا فحسب بل إنه يؤكد أن بعض مسؤولي الإدارة الأميركية الحالية قد طلبوا منه ذات يوم أن يقدم لهم إيجازاً عن ذلك. وهكذا فإنه في الوقت الذي كان الأميركيون يغطون فيه في سبات عميق -حسب تعبيره- كانت الصين تعمل بدأب على تغيير فكرة العالم عنها كدولة تفتقر إلى فنون الدبلوماسية، وتعيش في حالة من العزلة، وتأكيد أنها تتقن فنون العلاقات العامة، وترغب في التواصل مع باقي العالم، وتقديم المساعدات للدول الفقيرة، والدخول إلى مناطق لم يكن يجرؤ غير الأميركيين على وضع أقدامهم فيها. ويُعرِّف المؤلف فكرة القوة الناعمة التي جاء بها البروفسور "جوزيف ناي" الأستاذ بجامعة هارفارد، منذ عقد من الزمان تقريباً، بأنها تلك القوة التي تعتمد على "القدرة على صياغة أولويات الآخرين... وقيادتهم من خلال القدوة.. وتوجيههم إلى الوجهة المرادة". ويقول المؤلف إن الصين قد نجحت في تطبيق تلك السياسة تماماً، وحققت ما تريد منها واقتنعت بأن القدرة على جعل الآخرين يفعلون ما تريد تغنيها عن الحاجة إلى العصا والجزرة، التي حيرت الأميركيين كثيراً ولم يدروا متى يستخدمون أياً منهما.. وكانوا في كثير من الأحيان يقومون باستخدام العصا عندما يتطلب الأمر استخدام الجزرة فقط. عبر فصول الكتاب الأحد عشر يبيِّن المؤلف كيف تمكنت الصين من بناء قوتها الناعمة عالمياً، وإثبات أنها دولة محسنة وليست خطرة كما تصورها الدعاية الغربية.. وهو أيضاً يبين بالتفصيل الوسائل والأساليب التي تستخدم بها الصين تلك القوة، والطرائق التي تستجيب بها الدول المختلفة لذلك -خصوصاً تلك التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، أو تلك الدول المتذبذبة بين الديمقراطية والسلطوية.
ويركز المؤلف في الأغلب الأعم على اهتمام الصين بتوثيق علاقاتها مع الدول النامية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا الوسطى.. وهي البلدان التي كانت بمثابة ساحات نفوذ تقليدية للولايات المتحدة.. ويؤكد أن الصين قد حققت أبرز نجاحاتها الدبلوماسية في تلك المناطق، واستطاعت ببراعة واقتدار أن تروج لنفسها كنموذج فعال للنجاح الاقتصادي والاجتماعي، في نفس الوقت الذي غضت فيه الطرف تماماً عن الحكام الطغاة والمستبدين، بل والذين يرتكبون الفظائع بحق شعوبهم في المناطق المشار إليها، على اعتبار أن ذلك من طبائع الأمور في تلك المناطق، وأن تدخلها في مثل هذه الشؤون لن يغير من الأمر شيئاً.. خصوصاً وأن غرضها في النهاية هو تحقيق مصلحتها مع إفادة تلك الدول في نفس الوقت، دون محاولة لاستغلالها بشكل بشع كما كان يحدث من قبل الدول الغربية في العهد الاستعماري.
وقد أدركت الصين أن هناك العديد من الطرائق التي يمكنها بها تعزيز نفوذ قوتها الناعمة في دولة ما، سواء كان ذلك من خلال الثقافة الشعبية السائدة في تلك الدولة خصوصاً إذا ما كانت تلك الثقافة على درجة من الثراء، أو من خلال ثقافة النخبة إذا ما كانت الثقافة الشعبية غير ثرية، أو من خلال برامج المساعدات الممولة من قبل الحكومة (الصينية)، وإقامة المشروعات المشتركة مع الدول، والاستثمار فيها، وذلك بهدف تحقيق مصالحها وزيادة نفوذها من جهة، والتأثير من جهة أخرى على الرأي العام الخارجي، وإقناعه بأن الصين قد تغيرت عما كانت عليه، ودفعه للتخلي عن أفكاره القديمة عن الصين وأنها دولة ذات نظام سلطوي، يستحيل عليها أن تحقق في ظله التقدم الاقتصادي، لأن التقدم الاقتصادي يقوم في الأساس على حرية انتقال رؤوس الأموال والبضائع، وهو ما يتعارض مع طبيعة ذلك النظام. وأيضاً إثبات أنها أصبحت قوة كبرى لديها القدرة على الدخول في صراع على مناطق النفوذ مع باقي القوى العالمية -والتقليدية منها بشكل خاص. ويؤكد المؤلف أن الصين قد طورت مفهوم القوة الناعمة نفسه، حيث لم يعد هذا المفهوم محصوراً داخل الحدود التي عينها "جوزيف ناي"، وإنما امتد إلى آفاق جديدة. فالصين ترى في الوقت الراهن أن القوة الناعمة هي أي وسيلة من الوسائل التي تقع خارج النطاق العسكري والأمني، وأنها لا تشتمل فقط على الثقافة الشعبية، والدبلوماسية العامة، ولا على كسب العقول والقلوب، ومثل هذه الأشياء، وإنما تتضمن كذلك الروافع الاقتصادية والدبلوماسية مثل المساعدات الاقتصادية، وتقديم الاستثمارات، والمشاركة في المنظمات المتعددة الجنسيات.
وفي الفصل الأخير من الكتاب يقدم المؤلف مجموعة من النصائح إلى الولايات المتحدة بشأن الكيفية التي يمكنها بها الاستجابة للتحدي الذي تمثله القوة الناعمة الصينية، ومنها على سبيل المثال تسخير إمكانياتها العسكرية لتوصيل المساعدات إلى الذين يحتاجونها وفي الأماكن التي لا يستطيع الآخرون الوصول إليها -على النحو الذي فعلته في الجهد الذي قادته لإغاثة ضحايا كارثة تسونامي. ولاشك أخيراص أن الكتاب يأتي في وقته تماماً، ويضيء مناطق لم تكن معروفة من قبل عن حملة الصين واسعة النطاق لزيادة نفوذها على المسرح العالمي.

ليست هناك تعليقات: