الجمعة، 8 يونيو 2007

كتاب: العصر الصيني

نشرة "الصين بعيون عربية" ـ العدد الثاني
صحيفة الغد الأردنية 14/10/2005
إبراهيم غرايبة
تمثل النهضة الصينية الراهنة تحديا عالميا جديدا، لعله أكثر أهمية من العولمة وتداعياتها. ويقدم أويد شينكار في كتابه "العصر الصيني" معلومات ورؤى تلقي الضوء على تحولات عالمية تصنعها الصين. فهذا البلد، الذي يصل عدد سكانه إلى 1.3 مليار نسمة، ينشئ حالة اقتصادية جديدة قائمة أساسا على اليد العاملة الهائلة في كل المستويات والمجالات، بأجور لا يمكن منافستها تهدد المصانع في جميع أنحاء العالم، إذ إن أكثر من 1300 مصنع للنسيج توقفت في الولايات المتحدة في السنوات الثلاث الماضية، أي بمعدل مصنع كل يوم.
وحسب احصاءات البنك الدولي، فإن الصين تستأثر بـ20% من الانتاج العالمي من المنسوحات، وستبلغ هذه النسبة 50% في العام 2010، و70% من انتاج الدمى، و60% من إنتاج الدراجات الهوائية في العالم.
وتحتل الصين المرتبة الثانية في اقتصادات العالم بعد الولايات المتحدة، والمرتبة الثالثة في الإنفاق على البحث العلمي(60 مليار دولار العام 2001)، والمرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في نسبة العلماء التي لديها، وتمد العالم بـ50% من الكمبيوترات.
وتتحرك الصين من إنتاج المنتجات الأولية والأساسية إلى المنتجات الأكثر تعقيدا في القطاع الصناعي؛ فبحسب أرقام وزارة التجارة الصينية لعام 2000، تشكل الإلكترونيات والآليات حوالي نصف صادرات البلاد، كما أن حصة الصين من الإلكترونيات في السوق العالمية قد تضاعفت في عقد من السنين لتتخطى الآن 20%، وكذلك في كثير من الأجهزة.
وتملك الصين تجمعا هائلا للموارد البشرية، من مهندسين وعلماء وتقنيين مهرة. وقد جرى توظيف العديد من هؤلاء في مراكز تكنولوجية أسستها شركات أجنبية متعدية الجنسية. وفي الحقيقة، إن مدى سرعة انطلاق عملية تحديث الصين لنظامها التعليمي الخاص، هو أكبر بكثير مما كان موجودا عند منافسيها في الماضي. فمؤسسات التعليم العالي الصينية تظهر انفتاحا أكبر، وذلك بتعديل مناهجها والقيام بتغييرات في الأصعدة الأخرى. وتتحرك كبرى الجامعات الصينية باندفاع كبير باتجاه تحديث بنيتها التحتية، وكذلك العقلية التي تحرك مهاراتها عن طريق إنشاء تحالفات مع المؤسسات والشركات الغربية. وتمتاز الصين بعودة طلابها المتعلمين في الخارج إلى وطنهم في نهاية الأمر. ويشكل الطلاب الصينيون أكبر فريق من الطلاب الأجانب الموجودين في الولايات المتحدة، حسب إحصاءات "مؤسسة التعليم الدولية"، وقد زاد عددهم على 64.000 طالب، وذلك في الفترة الممتدة ما بين عامي 2002 و2004.
وتتألف الصين، بالمعنى الفكري والاقتصادي والجيوسياسي، ليس فقط من جمهورية الصين الشعبية، بل من هونغ كونغ وتايوان المتقدمة في التكنولوجيا، وبرغم وجود نزاعات بينهما إلا أنها تندمج بشكل متزايد بالاقتصاد الصيني. وكذلك سنغافورة، فهي تعتبر قاعدة للعديد من المشاريع والشركات التي يحتل فيها المهاجرون الصينيون مناصب رفيعة. إذن، تمتلك الاقتصادات المجتمعة للصين، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة ما يقرب من ثلاثة أرباع التريليون دولار من الاحتياط بالعملة الأجنبية.
وقد أظهرت الصين قدرة على وضع التقنية موضع الاستخدام في ميادين الأمن القومي. أما في الاعتماد على المشاريع التعاونية كوسيلة لنقل التكنولوجيا، فقد كانت تصر على مشاركة شريك محلي في معظم مشاريع الاستثمارات الأجنبية، خاصة خلال الفترة الحرجة من تطورها (1962-1974). وقد منحت أفضليات وحوافز للمشاريع الأجنبية في حال قامت على نقل تكنولوجيا جديدة، مثل إعفاءات جمركية أو تأخير دفع الضرائب.
إن تأثير الصين واضح في بعض البلاد أكثر من غيرها؛ فهو واضح في أميركا أكثر من الاتحاد الأوروبي، وتشعر به ميادين الصناعات المرتكزة على اليد العاملة أو تلك التي تعتمد على التقنيات المتواضعة، مثل الأحذية والألعاب والأثاث المنزلي الخشبي. ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، فهي على وشك الاستيلاء على قطاعي الأقمشة والألبسة، والأحذية.
وبالنسبة للاقتصادات النامية في آسيا، فيبقى التأثير الصيني هو الأكثر إثارة للجدل. فبينما تستمر البلاد الآسيوية في خسارة الاستثمارات الأجنبية لصالح جاراتها الأقوى، تصبح الصين محرك النمو للمنطقة بكاملها، وفي الوقت ذاته المكمل إن لم تكن البديل لأسواق الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، حلت الصين محل الولايات المتحدة كأكبر سوق أجنبية لكوريا الجنوبية.
لن تبقى الوظائف بعيدة عن التأثر بسبب التقدم التقني وخاصة في قطاع الخدمات. ونتيجة للإنتاج في الخارج، يتضاعف عدد الوظائف المفقودة. وتوقع معهد ماكينزي أن تبلغ عدد الوظائف المفقودة سنويا نتيجة الإنتاج في الخارج 200.000 عند نهاية هذا العقد، والرقم يتضاعف مع السنوات القادمة. فالمنتجات الآن لا تمثل فيها أجور العمال سوى 10% من التكلفة، والكلفة هي أصلا ليست معيارا لاختيار مكان الاستثمار، بل البيئة الضريبية والتشريعية والقرب المكاني من الزبائن، وتوفر الخبرة، وظروف مكان المغادرة، أي التكاليف المترتبة بعد إقفال الإنتاج. لكن إذا نظرنا إلى الفرق الهائل في الأجور بين الصين والولايات المتحدة يصبح هذا العامل مهما، وفي الوقت التي تزداد فيه أجور المهندسين المهرة في الصين نتيجة المنافسة الشديدة على المواهب، فإنها تبقى ضمن الضوابط التي يفرضها قدوم المتخرجين الجدد، والمقدرين بما يقارب النصف مليون سنويا.
لقد فقدت في الولايات المتحدة في السنوات الخمس الاخيرة حوالي ثلاثة ملايين وظيفة بسبب التحدي الصيني، أو كما يسميه بعض المسؤولين الأميركان "الهجوم الأصفر". ورغم أن فقدان الوظائف هو جزء من التطور الطبيعي كما يراه معظم الاقتصاديين، فالصين خسرت 15%من وظائف القطاع الصناعي خلال الفترة ما بين عامي 1995 و2002، لكن الوظائف المفقودة تعود للقطاع الصناعي التابع للدولة، وهو قطاع غير فعال ولا يتمتع بقدرة تنافسية، أما الوظائف المستحدثة فهي في القطاع الخاص الأكثر فاعلية، والشركات الأجنبية التي تتمتع بقدرة تنافسية في الأسواق العالمية. وتتمتع الصين بنسبة من الموظفين في قطاع الصناعة أكبر من دول في نفس مستوى تطورها. فاحتياط الصين هائل من اليد العاملة، ونظام معاشاتها هو الأقل، وتحتاج الصين إلى 15 مليون وظيفة سنويا جديدة من أجل أن تبقي على مستواها الحالي وتكافح البطالة.
وفي المقابل، فإن الصينيين يقولون إنهم أهم مستورد للمنتوجات والسلع الأميركية، أي إنهم يمولون الدين العام والاقتصاد الأميركي، وإن ثمة مصالح متبادلة مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
والصينيون مازالوا، برغم اقتصادهم الهائل والمتفوق، أقل استهلاكا بكثير للبترول من الولايات المتحدة(5.4 مليون برميل يوميا)، ولكنهم بالتأكيد سيمثلون في المستقبل تحديا بل وتهديدا للاستهلاك العالمي للبترول.
ولكن الصين تعاني من نقاط ضعف خطيرة، مثل الفساد المصرفي الذي أدى إلى ديون مشكوك في تحصيلها تصل قيمتها إلى 500 مليار دولار.

ليست هناك تعليقات: