صحيفة الاتحاد الاماراتية
أماني محمد
كان مفاد الخبر كالتالي: "وقَّع خمسمائة ألف شخص في الصين، على عريضة احتجاج على افتتاح فرع لأحد المقاهي العالمية الشهيرة، معتبرين أن هذا المقهى سيؤثر سلباً على هويتهم وعلى فكر الشباب، وهو الأمر الذي أجبر أصحاب المقهى على إغلاقه، معللين ذلك باحترامهم للفكر الآخر رغم كل شيء"... انتهى الخبر.
وبدأ توافد الأسئلة... هل يمكن أن تكون القهوة لها فعل بهذه القوة، في التأثير على الهوية وسلب شخصية المكان والزمان؟!
عندما أبحث في بلد كإيطاليا يعتني بتقاليده وطقوس طعامه، لا أجد لديهم مكاناً لمقاهٍ من هذا النوع، لأنها بالنسبة للإيطاليين عبارة عن تقليد فقير لقهوة إيطاليا الشهيرة بمذاقها وفرادة صنعها، وهم أيضاً يحرصون على ألا تذهب أميركا بقهوتهم نحو الضياع ونحو معالم مبهمة، تحرص ثقافة "الجينز" أن تقدمها وتسلب بالتالي حتى هوية المذاق والاستمتاع باختلافه.
وثمة بعض المتعولمين بوعي ومن دون وعي، يحاولون فتح أبواب الأسواق أمام هذا النوع من المقاهي، بل وتتنافس الأماكن في احتضانها كدلالة للتميز وجذب الزبائن.
فالقهوة أو الطعام انعكاس ثقافي مهم، وشكل يبرز ثقافة مكان دون آخر، فمن الجهل أن نعامل مثل هذه الرموز على أنها شكل فارغ من تأثيره، أو أنها لا تعد مؤثرة في طمس هوية الآخرين أو توضيحها.
هذا النوع من المؤسسات التي تنشر فروعها في شتى بقاع الأرض ليست مجرد جهات لها مزاعمها وأفكارها فقط، إنما هي رمز لجيل العولمة والفكر الأميركي ومؤثراته عبر رياح جارفة من الطعام والملبس وشكل الحياة وتفاصيل العلاقات الاجتماعية.
على سبيل المثال، استعمر الأميركان الفلبين لفترة زمنية، وعندما رحلوا عنها خلفوا شعباً مهووساً بالحياة الأميركية وتخليها عن الكثير من القيم الاجتماعية الأساسية التي تشكل الوعي المجتمعي وتحدد أشكال التعاطي معه.
واليوم هي تحتل العالم بمنتجاتها وجينزها ومناهجها الدراسية، وبلغتها البعيدة عن عمق الإنجليزية وثراء آدابها وقواعدها النحوية.
فليس الأمر بحاجة إلى عدة وعتاد وإلى قواعد عسكرية فقط ليتم لها الاحتلال التام، إنه احتلال فكري أتت به رياح العولمة ووزعته على عقول جيل، نخشى أنه بعد عشرة أعوام لا يفقه لغته ولا يعشق رائحة الهيل القادم من قهوة أهله، ولا يعرف كيف أن لكل مجتمع خصوصيته وهويته وأعرافه، التي لابد وأن يدافع ويحافظ عليها لتستمر لأجيال قادمة.
خمسمائة ألف شخص اجتمعوا ليرفضوا مقهى، كيف حافظ هؤلاء على معتقدهم؟ وكيف تشبثوا برفضهم لهذا الاجتياح؟ وكيف وصلوا إلى هذه القناعة الجميلة بهويتهم؟ وكيف تعلقوا بأهداب المكان وأعلنوا أنهم ضد الاحتلال بكافة أشكاله، حتى وإن كان "المحتل" من وجهة نظرهم هو احتساء مشروب ما؟
لا ينقصنا أبداً هذا التعلق بشخصية المكان وبحب هوية مختلفة، لكن ينقصنا الوعي بخطورة هذه الرموز التي تفرغنا شئنا أم أبينا، من كل ما يمكن أن يجعل لنا تميزنا واختلافنا، كوننا مكانا لابد وأن تكون له سمة مختلفة ومميزة ونحافظ على نكهته مهما كان التيار جارفاً.
الأزمة ليست في مقهى ما، إنها في هذا التباهي والتهافت على هذه الأسماء، فبعضهم لم يدرك بعد ماذا يعني أن يعشق جيل في طور التشكل، قهوة وفيلماً ولغة صنعت في الخارج... إنه الضياع والاستلاب في الوجه الخفي من المشهد.
لنصبح جميعاً صينيين ونرفض ما يمكن أن يمس- ولو من بعيد- شكل المكان وجماله وأصالته الحقيقية.
أماني محمد
كان مفاد الخبر كالتالي: "وقَّع خمسمائة ألف شخص في الصين، على عريضة احتجاج على افتتاح فرع لأحد المقاهي العالمية الشهيرة، معتبرين أن هذا المقهى سيؤثر سلباً على هويتهم وعلى فكر الشباب، وهو الأمر الذي أجبر أصحاب المقهى على إغلاقه، معللين ذلك باحترامهم للفكر الآخر رغم كل شيء"... انتهى الخبر.
وبدأ توافد الأسئلة... هل يمكن أن تكون القهوة لها فعل بهذه القوة، في التأثير على الهوية وسلب شخصية المكان والزمان؟!
عندما أبحث في بلد كإيطاليا يعتني بتقاليده وطقوس طعامه، لا أجد لديهم مكاناً لمقاهٍ من هذا النوع، لأنها بالنسبة للإيطاليين عبارة عن تقليد فقير لقهوة إيطاليا الشهيرة بمذاقها وفرادة صنعها، وهم أيضاً يحرصون على ألا تذهب أميركا بقهوتهم نحو الضياع ونحو معالم مبهمة، تحرص ثقافة "الجينز" أن تقدمها وتسلب بالتالي حتى هوية المذاق والاستمتاع باختلافه.
وثمة بعض المتعولمين بوعي ومن دون وعي، يحاولون فتح أبواب الأسواق أمام هذا النوع من المقاهي، بل وتتنافس الأماكن في احتضانها كدلالة للتميز وجذب الزبائن.
فالقهوة أو الطعام انعكاس ثقافي مهم، وشكل يبرز ثقافة مكان دون آخر، فمن الجهل أن نعامل مثل هذه الرموز على أنها شكل فارغ من تأثيره، أو أنها لا تعد مؤثرة في طمس هوية الآخرين أو توضيحها.
هذا النوع من المؤسسات التي تنشر فروعها في شتى بقاع الأرض ليست مجرد جهات لها مزاعمها وأفكارها فقط، إنما هي رمز لجيل العولمة والفكر الأميركي ومؤثراته عبر رياح جارفة من الطعام والملبس وشكل الحياة وتفاصيل العلاقات الاجتماعية.
على سبيل المثال، استعمر الأميركان الفلبين لفترة زمنية، وعندما رحلوا عنها خلفوا شعباً مهووساً بالحياة الأميركية وتخليها عن الكثير من القيم الاجتماعية الأساسية التي تشكل الوعي المجتمعي وتحدد أشكال التعاطي معه.
واليوم هي تحتل العالم بمنتجاتها وجينزها ومناهجها الدراسية، وبلغتها البعيدة عن عمق الإنجليزية وثراء آدابها وقواعدها النحوية.
فليس الأمر بحاجة إلى عدة وعتاد وإلى قواعد عسكرية فقط ليتم لها الاحتلال التام، إنه احتلال فكري أتت به رياح العولمة ووزعته على عقول جيل، نخشى أنه بعد عشرة أعوام لا يفقه لغته ولا يعشق رائحة الهيل القادم من قهوة أهله، ولا يعرف كيف أن لكل مجتمع خصوصيته وهويته وأعرافه، التي لابد وأن يدافع ويحافظ عليها لتستمر لأجيال قادمة.
خمسمائة ألف شخص اجتمعوا ليرفضوا مقهى، كيف حافظ هؤلاء على معتقدهم؟ وكيف تشبثوا برفضهم لهذا الاجتياح؟ وكيف وصلوا إلى هذه القناعة الجميلة بهويتهم؟ وكيف تعلقوا بأهداب المكان وأعلنوا أنهم ضد الاحتلال بكافة أشكاله، حتى وإن كان "المحتل" من وجهة نظرهم هو احتساء مشروب ما؟
لا ينقصنا أبداً هذا التعلق بشخصية المكان وبحب هوية مختلفة، لكن ينقصنا الوعي بخطورة هذه الرموز التي تفرغنا شئنا أم أبينا، من كل ما يمكن أن يجعل لنا تميزنا واختلافنا، كوننا مكانا لابد وأن تكون له سمة مختلفة ومميزة ونحافظ على نكهته مهما كان التيار جارفاً.
الأزمة ليست في مقهى ما، إنها في هذا التباهي والتهافت على هذه الأسماء، فبعضهم لم يدرك بعد ماذا يعني أن يعشق جيل في طور التشكل، قهوة وفيلماً ولغة صنعت في الخارج... إنه الضياع والاستلاب في الوجه الخفي من المشهد.
لنصبح جميعاً صينيين ونرفض ما يمكن أن يمس- ولو من بعيد- شكل المكان وجماله وأصالته الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق