الأربعاء، 18 يوليو 2007

الصين: فجوة الدخل هي الدواء وليست الداء

صحيفة الاقتصادية السعودية
أوي كي بنج
إن معظم المحللين الذين يبحثون عن نقاط ضعف في الآلة البخارية التي يمثلها اقتصاد الصين هذه الأيام يمكن أن يوافقوا على أن فجوة الدخل والفساد هما الجزءان اللذان يمكن أن يحطما هذه الآلة في المستقبل القريب. وانتقلت الصين من مجتمع سعى بقوة إلى إلغاء الطبقات فيه، وإلى أن يكون خالياً من أصحاب الملايين، إلى بلد ليس فقط للأغنياء والفقراء، ولكن كذلك لبالغي الثراء وشديدي الفقر.
إن الخطأ الذي ساد المجتمع الماوي الساعي إلى المساواة هو أنه أصبح يميل إلى الركود والتراجع. وبدلاً من أن تنزل القوة من القمة إلى القاعدة, كما هي الحال في المجتمعات الطبقية، فإنه أسيء استخدامها من قبل جيران المرء، أو حتى أقاربه، باسم ما أصبح يسمى الأمر الصحيح سياسياً.
وبتخلي الصين عن ذلك المبدأ، حين أصبحت تحت قيادة دينج هيسيا وبنج، وأتباعه، فإنها تخلت كذلك عن العامل المؤدي إلى التوحيد والتحديث في التجديد القومي.
وقرر هؤلاء الواقعيون العمليون، بدلاً من ذلك، الضغط من أجل تعظيم الثروة الاقتصادية كحافز للتقدم، وأن يسعوا إلى الثروة كعامل يوحد الأمة في نسيج متماسك.
وكان هذا التحول السريع والابتعاد عن مبدأ المساواة، يعني أن ملاءمة الفرص للثراء السريع لا بد أن تتم بصورة غير متساوية، وغير عادلة، على الأقل خلال المراحل الأولى. وكانت خطة الزعيم دينج تدعو إلى البدء بإثراء المناطق الساحلية أولاً، ثم الانتقال بعد ذلك بالثروات إلى الداخل من خلال سياسات معينة، ومن خلال منطق السوق الباحثة عن العمالة الأرخص.
وعلى ذلك، فإن فجوة الدخل يمكن أن ينظر إليها كحل للركود الذي نجم عن محاولة تطبيق مبدأ المساواة، وليس كمشكلة سببتها الإصلاحات. ولكن جاء معها ذلك الفساد الذي يمتد في الوقت الراهن من القمة إلى القاعدة. وتبدو هذه الحالة مستقرة، وإن كانت متناقضة، لأنها ترافقت مع اعتقاد أن السماء هي الحد، وأن كل المطلوب هو النجاح في العمل الجاد، والقدرة على تمييز الفرص المتاحة. ويستمر هذا الاعتقاد الجديد طالما ظلت النظرة قائمة إلى استمرار نمو الاقتصاد في كل الاتجاهات، وفي كل مجالات القيمة المضافة. ومن الأمور المفهومة انتقال أولئك الذين يعيشون خارج المناطق الساحلية إلى المناطق التي تشهد فيها الثروات أعلى معدلات النمو، أو أن يستمروا في المراقبة المخيفة لتخلي الحكومة عن الخطة الأصلية الخاصة بإعادة توزيع الثروة مع مرور الوقت.
إن الطريق الرأسمالي الذي حاول ماوتسي تونج تدميره بحماس متقد اشتمل على استراتيجية السماح للبعض بأن يصبحوا أغنياء أولاً. وكانت مساوئ فجوة الدخل والفساد ضرورية لاستراتيجية "السائرين على طريق الرأسمالية" من أجل تجنب الركود والتطرف السياسي. فما إن يعاد بناء مجتمع طبقي يتحرك إلى الأمام بثبات، حتى يتحول دور الدولة إلى الإشراف على البنية التحتية للاستثمار والنمو والتمويل والحد من التلوث. وتتمثل الوطنية بشكل أساسي في القدرة على استضافة المعارض العالمية والألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم.
وتتمثل المشكلة التي ستواجه الحكومة الصينية في المستقبل غير البعيد جداً عموماً في الحيلولة دون موت المريض جراء تناوله جرعة زائدة من فجوة الدخل والفساد. إن الأشرار اللازمين لإيجاد حماس رأسمالي بين السكان أمامهم موعد يحسن بهم العمل قبل حلوله، وعلى الزعامة أن تضع أصابعها على النبض الاجتماعي لمعرفة متى أعطيت الجرعة الزائدة من العلاج.
ولكن حين يأتي ذلك الوقت وتكون هناك حاجة إلى تقليل الجرعة من أجل الأغنياء والفاسدين، سيترك الأمر للمصادفة لمعرفة ما إذا كان الأشخاص المناسبون سيكونون في الأماكن المناسبة ويستخدمون الصلاحيات الصحيحة لتحقيق ذلك.
ويمكن للمرء أن يقول إن التطويريين الماركسيين القدامى، الذين يعرفون اليوم بالديمقراطيين الاجتماعيين، اختاروا وضع الرأسمالية على مكبح منذ البداية لكي تظل فجوة الدخل والفساد تحت المراقبة في الوقت الذي ينمو فيه الاقتصاد. وفي أحيان كثيرة، غالباً ما كان هذا التوازن مع مرور الوقت ينتهي في كثير من البلدان الأوروبية بكبح الرأسمالية بإحكام، وكانت جرعة فجوة الدخل تعطى بمقادير غير فاعلة.
وبهذا المعنى، فإن عملية التحول من الشيوعية إلى الرأسمالية التي تمر بها الصين الآن تراعي السوق أكثر مما كان يفعل التطويريون. وعليه، فإن جرعة فجوة الدخل تعطى بمقدار قريب من مقدار الجرعة الزائدة. وعندما تظهر أعراض الجرعة الزائدة، تتدخل الدولة وتعلن عن اتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من آثار فجوة الدخل والفساد في الجسم السياسي الاجتماعي. وهذا بالضبط ما يعكسه دوماً الخوف من التنصت الاقتصادي والتدابير الثابتة التي يتم اتخاذها للإبقاء على الأشياء تحت نقطة الغليان. إن المحاكمات العرضية والأحكام القاسية التي تصدر في حق بعض كبار المسؤولين وحتى الوزراء بسبب تورطهم في الفساد هي جزء من تخفيف الجرعة.
لذلك، فإن فجوة الدخل والفساد ليسا مرض الصين في هذه المرحلة. إنهما العلاج الخاص بالجرعة الزائدة من عدم المساواة الذي تعانيه الصين منذ عام 1949. وفي الحقيقة، يمكن للمرء أن يجادل أكثر ويعد المساواة العلاج المناسب للجرعة الزائدة من فجوة الدخل والفساد اللذين عما البلد في العقود السابقة.
فكيفما نظر إليه المرء، فإن مصير اقتصاد الصين والعالم سيعتمد على ما إذا كانت الروح الاشتراكية للحزب الشيوعي الصيني- الخصائص الصينية في الرأسمالية الشابة التي أطلق عنانها اليوم- التي ليست ميتة أو في فترة سبات الآن، ستنبعث من جديد ويكون لديها الوقت الكافي لوقف الدواء عندما يحين الوقت.
ذلك لأنه خارج هذا السيناريو السياسي الاجتماعي، تلوح مشكلة التلوث الزائد الذي يمكن أن يحكم على مشروع دينج زياوننج برمته بالفشل.

ليست هناك تعليقات: